كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/04 · مخطط معلّم الفِنغ شوي — الفصل 3
الفصل السابق

04 · مخطط معلّم الفِنغ شوي — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

غادر حاكم المقاطعة وهو يحمل تقرير خبير التشريح شِن. وقبل أن يرحل شِن أدار رأسه نحو حفرة العظام، وقال للحاكم ليو بصوت خافت:

«يا حاكم ليو، هذه الأشياء ليست مما أفحصه أنا. ليست لي. لا أستطيع فحصها.»

سألوا: «ألم ترسل الولاية أحداً؟»

لم يأت أحد من الولاية. الذين أتوا كانوا غرباء من كل صنف: أساتذة الين واليانغ، وطاويين، وسحرة، ورهباناً من جبل إيمي، وجبل تشينغتشنغ، وتشنغدو، وهانتشونغ، ومن مئات اللي حولها. أسرعوا إلى بلدة شي نيو كأنهم شمّوا شيئاً، كالذباب يشم الدم؛ لكنهم لم يأتوا من أجل المال، بل ليُلقوا نظرة واحدة.

كانت ملابسهم شتى: أردية طاوية زرقاء، وأثواب رهبان رمادية، وسترات سوداء طويلة، وأكياس كتف. حملوا بوصَلات فِنغ شوي، ومضارب ذباب طاوية، وطبولاً خشبية، وسبحات، وأوراق تعاويذ، وسيوفاً من خشب الخوخ. جاءت جماعة ثم أخرى حتى ازدحمت دار البلدة بهم.

أخرج تشاو وِنيوان أطيب شاي في البلدة. صبّ الشاي، ولم يشرب أحد. برد الشاي فأريق، وصُبّ غيره، وبقيت الأكواب كما هي.

وكان بينهم طاوي هبط من جبل إيمي. رداؤه الأزرق نظيف، وعقدة شعره لا تشوبها شعرة، وجواربه بيضاء وحذاؤه من قماش أسود، وفي يده مضرب الذباب. جلس متربعاً عند حفرة العظام، وأنشد تعويذة العبور إلى الحياة الأخرى.

كانت التعويذة أكثر من ألف كلمة. أنشدها مرة، ثم مرة، ثم مرة. ظل ينشد يوماً وليلة. في برد شهر لا، سال العرق من جبينه، لا من الحر بل من إنهاك داخلي. أغمض عينيه، وتحركت شفتاه بسرعة، وانحدر العرق من صدغيه وخلف أذنيه وعلى عنقه حتى ابتل ياقة ردائه الأزرق. وفي النهاية لم يعد يستطيع إتمام التعويذة؛ تقطعت كلماته كأن نفسه لا يلاحقها. وحين نهض لانَت ساقاه، ولولا من أسنده لسقط.

لم تنفع تعويذة العبور.

قال الطاوي، كأنه يحدث نفسه: «هذه التعويذة للموتى. أما هم فليسوا موتى.»

«إن لم يكونوا موتى، فما هم؟»

هزّ رأسه.

«لا أدري. حقاً لا أدري.»

رحل، لكنه التفت قبل ذلك إلى الحفرة. كانت العظام في ضباب الصباح تلمع ببريق أخضر باهت؛ فسفوراً يخرج من العظام نفسها.

ثم جاء خبير يين ويانغ من تشنغدو، في الستين تقريباً، بلحية ماعز رمادية، يحمل بوصلة نحاسية مصقولة حتى تعكس الوجوه. دار بها حول حفرة العظام مرة، ومرتين، وثلاثاً، ثم وضعها عند الحافة.

تحركت الإبرة.

لم تتجه جنوباً.

ولا شمالاً.

بل أخذت تدور بلا توقف: مع عقارب الساعة، ثم عكسها، ثم معها، كدوامة، وأسرع فأسرع.

ثم طارت الإبرة.

قفزت من البوصلة، ورنّت فوق الحجارة الزرقاء، وارتدت مرة ومرة، ثم سكنت. وكان رأسها يشير إلى الغرب، إلى ممر جيانمِن.

أعاد الرجل البوصلة إلى كيسه، ويداه ترتجفان. وقال:

«العناصر الخمسة هنا مختلة. ليست مسألة فِنغ شوي؛ إنها مسألة زمن. الزمن نفسه مختل. ألفا سنة انضغطتا هنا في طبقة واحدة. لا ماضٍ، ولا حاضر. وأنا لا أستطيع تدبير هذا.»

ثم رحل.

وجاء راهب من هانتشونغ، في الخمسين، رأسه حليق وعليه تسع ندوب نذور غائرة، كل ندبة منها عمر. كان يرتدي ثوباً رهبانياً رمادياً وصندلاً من قش ترك آثاراً متصلة في طين الشتاء.

دار حول الحفرة ثلاث مرات، كل خطوة بطيئة وثابتة. وبيده اليمنى يقرع السمكة الخشبية: دُق... دُق... دُق... وبيده اليسرى يعد خرز السبحة، وشفتاه تتحركان بكلمات لم يفهمها أحد، كلمات سنسكريتية، ومقاطع لا تنتهي من «أوم ماني بادمي هوم».

وفي الدورة الثالثة صدر من السمكة الخشبية صوت. لا، لم يكن صوتاً: لقد انشقت، «كَرْخ»، من منتصفها إلى نصفين. لم تسقط ولم تُكسر بضربة؛ انشقت وهي في يده، كأن سيفاً غير مرئي شطرها ضربة واحدة، والقطع مستقيم تماماً.

وضع الراهب السمكة المشقوقة في جيب ثوبه، وضم كفيه، وتراجع ثلاث خطوات. نظر إلى السماء، ثم إلى الأرض، وقال:

«يا سادة، هذا ليس مما أستطيع تخليصه. إنهم ليسوا موتى، ولا أحياء، ولا أشباحاً، ولا أرواحاً. إنهم... أناس ينتظرون الانطلاق.»

همس بعض المتفرجين:

«إن لم يكونوا موتى ولا أحياء، فما هم؟»

«لعلهم جنود...»

«أي جنود؟»

«جنود الظل؟ قافلة جنود الظل تسلك الطريق؟»

«هراء، قافلة جنود الظل ليست هكذا...»

ظل الهمس يطن. لم يجرؤ أحد على رفع صوته، لأن كل واحد منهم في قلبه شعر أن الأمر ربما يكون صحيحاً.

آخر من جاء.

آخر من جاء.

كان الأعمى سونغ من أهل البلدة.

كان يسكن في طرفها الغربي، وقد قارب الثمانين. وُلد أعمى؛ لا لأن عينيه فسدتَا، بل لأن مقلتيه لم تنبتا قط في محجريه. كان مكانهما حفرتين غائرتين، على حافتيهما زرقة سوداء خفيفة: آثار دموع جافة تراكمت طوال ثمانين عاماً. لم يبكِ سونغ قط، لكن محجريه بقيا رطبين دائماً، كبئرين لا تجفان.

جاء الأعمى سونغ أخيراً، ولم يذهب إلى الحقول الجنوبية، ولم ينظر إلى العظام. وقف تحت القوس التذكاري في غرب البلدة، طويلاً، ووجهه إلى الغرب، إلى الجهة التي كان ينبغي للطريق الرسمي أن يمضي إليها: جيانغه، وممر جيانمِن، وطريق الثور الذهبي من عهد تشين، وسهول قوانتشونغ، وشيانيانغ، إلى جهة لا يراها.

وقف حتى رنّت خيول الحديد المعلقة في القوس سبعاً أو ثماني مرات في الريح: تِنغ... تِنغ... تِنغ...

وفي أذني سونغ كان كل رنين سيفاً يُسَلّ، وصهيل حصان، ووتر قوس. كان زمناً قديماً جداً يطرق الحديد وينادي اسمه: «من آل سونغ... من آل سونغ...» سمعه مرة أخرى. كان يسمعه كلما وقف هنا، لكنه لم يخبر أحداً قط.

وأخيراً لم يصبر الناس. التفوا حوله وسألوه:

«يا معلم سونغ، ماذا تنظر إليه واقفاً هنا؟»

لم يجب.

سألوه ثانية: «ماذا تستطيع أن ترى؟»

بصق الأعمى سونغ. وقع البصاق على الحجر الأزرق، فسحقه بنعل حذائه.

قال: «لا حاجة إلى النظر. أستعمل أذني.»

«وماذا سمعت؟»

«خطوات.»

«ما زالت تمشي.»

قال أحدهم: «لا تخفنا يا معلم سونغ.»

أدار سونغ رأسه، ووجّه محجريه الفارغين إلى الرجل، فتراجع الرجل نصف خطوة.

قال سونغ: «عشت قريباً من ثمانين عاماً. هل قلت لكذبة واحدة لأحد؟»

«لا.»

«فدعوني أتكلم. خطوات التي تسمعونها ليست خطوات أشباح. الأشباح لا صوت لمشيها؛ تطفو. أما هذه الخطوات فلها أقدام وسيقان وعظام. إنها خطوات بشر.»

«موتى؟»

«ليسوا موتى. الميت لا يمشي. الميت مستلقٍ. المستلقون هم الموتى؛ أما من يقفون ويمشون فهم جنود.»

«جنود؟ جنود من أين؟»

«جنود تشين.»

«جنود تشين؟»

هرب بعض الناس. أما تشاو وِنيوان فلم يهرب، وسأل: «وكيف عرفت أنهم جنود تشين؟»

قال الأعمى سونغ: «من وقع الخطوات. أهل سيتشوان يجرّون أخفافهم؛ أحذية القماش والقش عندهم رخوة، وتمشي: شَشَشَ... تلتصق بالأرض. أما أهل الشمال فيرفعون ركبهم عالياً ويهبطون بثقل: طَق طَق.

لكن جنود تشين مختلفون.

منتظمون.

منتظمون كأنهم رجل واحد. مئات، آلاف، يرفعون القدم اليسرى في وقت واحد ويهبطون بها في وقت واحد. اسمعهم وهم يمشون: خَشّ... ليس صوتاً واحداً؛ عشرة آلاف صوت متراكب صارت صوتاً واحداً.

ولا يبلغ هذا النظام إلا جنود تشين. لا يستطيع جند عصر آخر التدرب عليه؛ فلا قانون عسكري كهذا إلا قانون تشين. إذا تأخر رجل، قُتل أفراد مجموعته الخمسة جميعاً. لا تجرؤ على أن تخرج عن الصف. عدم الانتظام موت. كانوا منتظمين وهم أحياء، ومنتظمين وهم موتى. مضى ألفا سنة، وما زالوا منتظمين.»

«العَمى في عائلتنا موروث. وموروث معه أن نرى ما لا يراه الآخرون. كان جدُّ جدّي، ومن قبله عشرات الأجداد، عمياناً مولودين بلا مقل. وفي عهد تشين كانوا مؤرخي العسكر العميان.»

«وما مؤرخ العسكر الأعمى؟»

«كاتب تاريخ لا يرى. كان جيش تشين يصحبهم إلى الحرب. الأعمى لا يرى العدو أمامه، لكنه يرى الماضي، ويرى الحظ والقدر، ويرى إلى أين يذهب الناس بعد موتهم.

حين أخضعت تشين مملكة با وشو، في السنة السادسة للملك تشاو شيانغ، قاد سيما تسو حملته على شو. خرج الجيش من هانتشونغ، وعبر ممر جيانمِن، وسلك طريق الثور الذهبي، ودخل تشنغدو. ذلك الطريق هو الطريق تحت أقدامكم.

لم يكن مرصوفاً بالحجر الأزرق يومها؛ كان طريقاً ترابياً مدكوكاً، بناه جيش تشين لنقل الجنود والزاد والبرونز والذهب، وليحملوا خيرات شو إلى شيانيانغ.

وكانت هناك فرقة من جيش تشين، جنود من شو جُنّدوا قسراً. سلكوا هذا الطريق، وخرجوا من جيانمِن، ولم يعودوا قط.»

«ماتوا؟»

«لم يموتوا. إنهم... ينتظرون أمراً. ظلوا ينتظرون ألفي سنة.»

أخرج الأعمى سونغ شيئاً من صدره. لم يكن ورقاً ولا قماشاً، بل شرائح خيزران من عهد تشين. اسودّت حتى بدت كأنها انتُشلت من النار، أو تشربت طبقات الظلام على مدى ألفين وثلاثمئة عام. كانت الحروف محفورة بعمق، لا تشبه أثراً تركته شفرة؛ لحروف السكين نهاية، أما هذه الخطوط فلا نهاية لها، كأنها خُدشت بأظافر، أو انكسرت الأظافر فاستُكمل الخدش بشظايا عظم.

مرّر أصابعه فوق الشرائح ببطء. لم يكن يرى، لكنه لمسها أوضح من أي شخص: حرفاً حرفاً. كانت الشرائح باردة، لا برد الخشب، بل برد الحجر المدفون تحت الأرض أكثر من ألفي سنة، لم يره شمس ولم تمسه ريح. ضغط الزمن كل عود منها حتى صار أكثف مما كان حين قُطع، كأن ألفي سنة حُشرت في قصبة خيزران واحدة.

قال: «هذا ما دوّنه أجدادنا. السطر الأخير:

السنة الخامسة والثلاثون للملك تشاو شيانغ.

ثلاثون ألف جندي من شو.

خرجوا من طريق الثور الذهبي.

متجهين إلى شيانيانغ.

لم يصلوا.»

«لم يصلوا؟ ماذا تعني؟»

«لم يصلوا. ثلاثون ألف رجل خرجوا من جيانمِن ولم يبلغوا شيانيانغ. كلهم، ثلاثون ألفاً، اختفوا على الطريق.»

لم يذكر التاريخ الرسمي هذا. لم تسجل تواريخ دولة تشين أمثال هذه الوقائع. لكن مؤرخي العسكر العميان سجلوها؛ فعيونهم لا تنظر في الكتب، بل في الحقيقة.

## 4. الحفرة

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.