كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/07 · ثمن العادات المحرّمة
الفصل السابق

07 · ثمن العادات المحرّمة

ما وراء الليل

الفصل التالي

اعلم أن في هذا العالم قواعد ليست قواعد، بل أقفالاً تحبس أشياء لا ينبغي لها أن تخرج. وبعض الأشجار ليست أشجاراً، بل هي رؤوس تلك الأقفال.

كانت قرية تشاوجياغو قائمة على مجرى قديم للنهر الأصفر. ثلاثمئة نفس تقريباً، ونحو مئة بيت، متناثرة على سفح من التراب الأصفر. وتحت السفح كان النهر.

جفّ النهر منذ زمن بعيد، ولم يبقَ منه سوى أخدود عميق نبت فيه القصب. فإذا هبّت الريح، أصدر القصب خشخشة متصلة، كأن أناساً كثيرين يمشون في أعماقه.

وعند مدخل القرية شجرة سوفورا عجوز، لا يعرف أحد عمرها. كان جذعها غليظاً إلى حدّ أن ثلاثة رجال بالغين لا يحيطون به بأذرعهم. لحاؤها متشقق إلى صفائح غائرة يصلح كل شق فيها لإدخال إصبع. وكانت أغصانها ممتدة في الجهات كلها، تغطي نصف مدخل القرية. في الصيف تفرش تحتها ظلاً كثيفاً، وقد رفعت جذورها ألواح الحجر حتى بدت معوجة كأنها أسنان شيخ.

كان تشاو لاوشوان في الثالثة والثمانين، أقدم أهل القرية سناً. عاش جدّه مئة وسنتين، وعاش جدّ جدّه سبعاً وتسعين، وكلهم قالوا العبارة نفسها: «لا تمسّوا شجرة السوفورا عند المدخل. من يمسها يمُت». لم تكن لعنة، بل تحذيراً؛ خبرة اشترتها الأجيال بأرواحها.

تذكّر تشاو لاوشوان جدّه وهو يقولها. كان يومئذ في السابعة، قابعاً تحت الشجرة يصيد النمل. جلس الجدّ على قاعدة حجرية يدخن غليونه، والجمر في رأس الغليون يضيء ويخبو، يضيء ويخبو. ثم جذبه فجأة وأشار إلى الشجرة.

— يا شوانزي، تذكّر: هذه الشجرة لا تُمس. إن مسستها فلن تعود حياتك لك.

لم يفهم الطفل وسأل: «لماذا؟» لكن الجد لم يجب. رفع رأسه فقط إلى التاج الذي حجب السماء والشمس، فلم يبقَ إلا ضوء أخضر متأرجح. انعكس ذلك الضوء على وجه الجد فصار شاحباً مائلاً إلى الخضرة.

ومع ذلك، كان دائماً من لا يصدق.

لي داتشوانغ، زوج حفيدة تشاو لاوشوان، في السادسة والعشرين، طويل عريض المنكبين قوي الظهر. عمل ثلاث سنوات في ورش البلدة، وقاد حفارة، ورأى الدنيا: ذهب إلى مركز المحافظة، وإلى المدينة، بل إلى عاصمة الإقليم. هناك رأى مقاولين يهدمون المعابد ويدفعون الجرافات فوق القبور، ثم يثرون ويعيشون في خير. وحين شرب مع رفاق العمل وحكوا له عن غرائب تشيانتشي من نقل الجثث، وعن أرواح الشامان في الشمال الشرقي، وعن تجليات مازو في فوجيان، ضحك منهم وقال إنهم بائسون يرهبهم كلام الأشباح طوال العمر.

عاد العام الماضي إلى القرية وتزوج حفيدة تشاو، تسوي هوا. كانت أصغر منه بثلاث سنوات، لا توصف بالجمال، لكنها وديعة، تخفض صوتها حين تتكلم كأن كلامها مطر الربيع.

وكان لي داتشوانغ يقول صراحة: «أي عصر هذا لنؤمن بمثل ذلك؟» فإذا ذكر أهل القرية الشجرة العجوز ضحك. «ما الذي يخيف في شجرة؟ أنتم لم تروا الجرافة. تدفع الجرافة، فلا الشجرة وحدها، بل الجبل نفسه يستوي بالأرض».

أراد أن يبني بيتاً جديداً، لا في موضع البيت القديم، بل عند مدخل القرية. غير أن الشجرة وقفت في اتجاه فناء بيته. لم تكن بجانبه وحسب؛ فجذورها امتدت تحت الأرض إلى قطعة الأرض التي اختارها، كأن الشجرة تنازعه موضعه.

قال لي داتشوانغ لتشاو لاوشوان: «سأقطعها. سيكون البيت متجهاً إلى الجنوب ومضيئاً».

كان الشيخ يدخن في الفناء. سقط رأس غليونه النحاسي على الطوب الأخضر برنين، وتناثرت شراراته. التقطه ويده ترتجف. لم يكن ذلك من الكبر، بل من الخوف: برد يتسرب من شقوق العظام، يصعد من أطراف الأصابع إلى الكتف والقلب. ارتجفت شفتاه وتهاوى التبغ من الغليون.

— لا تقطعها.

خرج صوته يابساً كأنه معصور من لحاء شجرة احترقت بالشمس عمراً كاملاً، وكأن الصوت نفسه هرم حتى كاد ينقطع.

— ولماذا؟ ما وجه النحس فيها؟

نظر إليه الشيخ، وفي عينيه شيء لم يفهمه لي داتشوانغ: ليس غضباً ولا خيبة، بل خوف، خوف عميق لا يكون خوف المرء من الموت، بل من أمر ظل غامضاً عليه طوال ثلاثة وثمانين عاماً.

— أنا في الثالثة والثمانين يا ولدي. رأيت من الغرائب أكثر مما أكلتَ من الملح. هذه السوفورا موجودة منذ زمن جدّ جدّي، منذ ثلاثمئة سنة على الأقل. لم يجرؤ أحد على مسّها. ليس لأنهم لم يريدوا، بل لأنهم لم يستطيعوا.

ثم حكى له أنه أيام جدّه كان في القرية أحمق لا يصدق مثل لي داتشوانغ. خرج في منتصف الليل بفأس ليقطع الشجرة. لم يرفع الفأس حتى سقط عند جذعها. حملوه في الصباح، وبقي ثلاثة أيام طريحاً. أفاق، لكن نصفه أصيب بالشلل، وانحرف فمه وعيناه. عاش ثلاث سنين ثم مات، وظل عند موته يردد: «لست أنا... لست أنا».

سكب لي داتشوانغ وعاء ماء بارد في جوفه ووضع الوعاء بعنف على الطاولة. تناثر الماء وانساب من حافتها قطرة قطرة. لم يصدق. لماذا لا يجوز تحريك شجرة؟ ولماذا يثقلون عليه بخرافات الأقدمين؟ لقد رأى في البلدة ما رأى: معابد مهدّمة وقبوراً مدفوعة بالجرافات، وأصحابها ينعمون بالثراء والسلام. فما شأن شجرة بالية؟

ظل تشاو لاوشوان ينظر إليه طويلاً، حتى أوت الدجاجات إلى أعشاشها، وتحولت حمرة الغرب إلى أرجوان داكن، وظهرت النجمة الأولى.

— اسمع نصيحة جدك.

انخفض صوت الشيخ فجأة حتى اضطر لي داتشوانغ إلى الميل نحوه ليسمعه.

— تلك ليست شجرة.

— فما هي؟

لم يجب الشيخ. رفع عينيه إلى السماء. كان الليل قد أطبق، والنجوم معلقة كثيفة، كأنها جماعة من الأشياء تراقب: نجمة واثنتان وثلاث، عيون لا تنتهي. رأى لي داتشوانغ ذلك مضحكاً؛ فالشيخ يخفي جهله بالغموض ليخيف الناس.

— سأقطعها غداً، قالها بصوت عالٍ، كأنه يتعمد أن يسمعها شيء ما.

نهض تشاو لاوشوان ببطء، كأن شيئاً ثقيلاً على ظهره. ومن تحت تمثال غوان يو المعبود في قاعة البيت أخرج لفافة قماش أحمر. كان الطلاء على التمثال قد تقشر حتى لم تبقَ إلا عين فينق حمراء نصف مغمضة تراقب من في القاعة. كانت اللفافة قديمة حتى بهت حمرتها إلى رماد، وتفتت قماشها كقشور دم يابس حين فتحها طبقة بعد طبقة.

وفيها صفيحة نحاسية دائرية، أكبر قليلاً من عملة نقدية، حفرت عليها خطوط ملتوية كثيفة، كخريطة قديمة أو كتابة عتيقة. تحت مصباح الزيت أصدرت وهجاً أخضر خافتاً؛ ليس لون النحاس العادي، بل لون البرونز الذي يستخرج بعد دهور من باطن عميق.

وضعها تشاو لاوشوان في يد لي داتشوانغ.

— ورثناها عن جدك الأكبر. إنها ثقيلة، أكثر مما تبدو. احملها معك، ولا تنزعها.

قلبها لي داتشوانغ ولم ير شيئاً، فوضعها في جيبه. كانت ثقيلة وباردة ملاصقة لساقه، لا برد المعدن بل برد يصعد من جوف الأرض، كبرودة ماء البئر التي تشتد كلما نزلت.

حرّك تشاو لاوشوان شفتيه كمن يريد الكلام ثم ابتلعه. تحركت تفاحته صعوداً وهبوطاً، كأنه ابتلع جملة حيّة.

لم ينم تلك الليلة. جلس في قاعة البيت، أمام مصباح كيروسين وغليون، يدخن حتى الصباح. كلما اهتز لهب المصباح اهتز ظله على الجدار كروح توشك على التلاشي. وعند الفجر كانت الأرض مغطاة بطبقة كثيفة من الرماد، ممزوجة ببصاقه؛ ظل يبصق طوال الليل، وكان طعم فمه مراً، لا يدري أمن التبغ أم من قلبه.

أما لي داتشوانغ فحمل عند الفجر فأساً جديدة شحذها طوال الليل. لمع نصلها في الشمس كشريحة هلال. نظر فيه بعين واحدة فرأى وجهه مفلطحاً مشوهاً، كأن وجهاً دُعس عليه. بصق على النصل، فتدحرجت قطرة الماء ثم انقسمت نصفين عند الحد.

مضى إلى مدخل القرية، وتبعه الناس دون أن يدعوهم. جاء بعضهم يحمل أوعية الطعام، وبعضهم معاول، وبعضهم أطفالاً، ووقفوا على بعد عشر خطوات. لم يتكلم أحد، لكن في عيونهم جميعاً شيء مكتوم، لا خوفاً خالصاً بل كبتاً، كأنهم عرفوا ما سيقع وظلوا ينتظرونه منذ أعوام.

بصق لي داتشوانغ في كفيه وفركهما، ثم هوى بالفأس.

توقف لحظة. لم يكن الخشب صلباً، بل ليناً على نحو خاطئ. لم يخرج صوت الخشب اليابس الحاد، بل صوت مكتوم: «بَف»، كأنه ضرب طيناً رطباً، أو لحماً. أخرج الفأس فرأى على النصل مادة لزجة. ليست عصارة شجر؛ فعصارة الشجر صافية شاحبة ذات رائحة صمغ. أما هذه فحمراء فاتحة، أثخن من الدم بقليل، متدلية في خيوط طويلة لا تنقطع.

مسح منها بأصابعه وشمها. رائحة صدأ، ورائحة أخرى من أعماق التربة، نفاذة قديمة، كأنك حفرت بئراً إلى عمق سحيق فأخرجت فجأة خشبة متعفنة لم تر الشمس مئات السنين، مشبعة بماء جوفي وعفن مدفون.

رفع رأسه. كانت السوفورا أعلى من كل بيت، ومن مبنى لجنة القرية ذي الطابقين. ظلها يغطي نصف المدخل. في الصيف كان الناس يجلسون تحتها للراحة ولعب الورق والشطرنج والثرثرة، والبرودة فيها عجيبة حتى في أشد القيظ؛ تصعد من أخمص القدم إلى العمود الفقري ومؤخرة الرأس.

لكن لي داتشوانغ أحس يومها أنها ليست برودة بل صقيع، صقيع يخرج من باطن الأرض ويصعد على ساقيه إلى ركبتيه وفخذيه وخصره وكليتيه. ارتعد واصطكت أسنانه، لكنه لم يتوقف.

— داتشوانغ!

كانت تسوي هوا تناديه من بعيد. وقفت على بعد عشر خطوات بثوب مزهر، وشعر مربوط كيفما اتفق تتناثر خصلاته على جبينها. كان وجهها أبيض كأنها أفلتت لتوها من كابوس، وشفتاها رماديتين، وعيناها محمرتين، تقبض على منديل حتى ابيضت مفاصلها.

— لا تقطعها.

ارتجف كل حرف في صوتها كاللهب في الريح. قطّب لي داتشوانغ. لم تخالفه قط من قبل، لا سيما أمام أهل القرية.

— عودي إلى البيت.

— رأيت البارحة حلماً...

تقدمت خطوتين ثم توقفت، كأن خطاً خفياً أمامها، وتراجعت نصف خطوة.

— رأيت تحت جذور هذه الشجرة... أناساً.

توقف فأسه لحظة ثم ارتفع من جديد.

— تحتها مدفونون أناس. كثيرون جداً. لم أر وجوههم، لكنني سمعت أصواتهم. يتكلمون بلغة لا أفهمها، لكنني حفظتها: «كَ—دا—لو—مو—ساي».

كانت المقاطع غريبة، ليست صينية ولا لهجة معروفة، قصيرة مخنوقة كأنها تخرج من أقصى الحلق، تفوح منها رائحة لا توصف. شهق عدة من المتفرجين في وقت واحد، كفحيح الأفاعي.

وكان تشاو لاوشوان واقفاً في مؤخرة الجمع، ظهره محنيّ وثوبه الأزرق المغسول قد ابيضّ، وقد تمزق طرف كمه وبرز الحشو القطني. لم تكن عيناه حمراوين من بكاء، بل من سهر الليل. حين سمع المقاطع اهتز جسده وأسند يده إلى جدار طيني تساقط منه التراب.

— ابتعدي، قال لي داتشوانغ.

لم تتحرك تسوي هوا. قبضت على منديلها حتى طقطقت مفاصلها. دفعها بيده فترنحت وكادت تقع، ثم تراجعت خطوات واستقرت. لم تبك ولم تعد تنادي. ظلت تحدق إليه، والنور في عينيها يخبو شيئاً فشيئاً، كمن يرى إنساناً يمشي إلى حافة جرف ولا يستطيع جذبه.

رفع الفأس. هذه المرة لم يتردد. أخذ يضرب ضربة إثر ضربة. تطاير اللحاء والفتات، وازدادت العصارة الحمراء. لم تكن تسيل إلى الخارج بل ترشح من كل تشقق في الجذع، نقاطاً كثيفة حمراء شاحبة تتكاثف. عند الضربة العشرين غطت السائل الجذع كما لو أن شجرة تنزف. وعند الضربة الخمسين، بدأت الأرض تهتز اهتزازاً خفيفاً، كشيء في العمق السحيق يقلب جسده.

ثم جاء الصوت الأخير: دوّي. سقطت الشجرة، وتهاوى الغبار، وسكن كل شيء.

ألقى لي داتشوانغ فأسه، فانقلب النصل إلى الأسفل وغرس نفسه في التراب. وقف قرب الجذع الملقى، والعرق يسيل على وجهه فيرسم خطوطاً بيضاء وسط الغبار. شعر بالظفر.

— أي قواعد تافهة! ها قد قطعتها، ماذا حدث؟

استدار ليقول لأهل القرية: «أرأيتم؟ لم يحدث شيء». لكنه رأى أن الجميع يبدون بالوجه نفسه. لم يكن غضباً ولا خوفاً. كانوا يصغون. تشاو لاوشوان وتسوي هوا والناس كافة أداروا رؤوسهم إلى جهة واحدة، لا إلى الشجرة الساقطة، بل إلى الحفرة السوداء التي اقتلعتها الجذور.

وسمع أهل القرية جميعاً الصوت نفسه، لا بآذانهم بل داخل رؤوسهم؛ ضحكة قصيرة خفيفة، كأن أحداً حبس نفسه آلاف السنين ثم أتاح له التنفس أخيراً.

«هَه».

صوت قصير جداً، لكنه اندفع من أخمص القدم إلى الرأس، وضغط من الجهات كلها على القلب. تجمدت ابتسامة لي داتشوانغ. فتح فمه ليقول شيئاً، فلم يستطع. نظر إلى يديه. كانتا ترتجفان بقوة لا يعرفها.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.