كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/07 · ثمن العادات المحرّمة — الفصل 2
الفصل السابق

07 · ثمن العادات المحرّمة — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

كانت حفرة الشجرة، بعد اقتلاع الجذور، فتحة سوداء بعرض فم وعاء، لا يرى المرء قاعها. اقترب لي داتشوانغ وقرفص عند حافتها. لم ير شيئاً، لكنه أحس أن شيئاً في القاع يحدق صاعداً إليه.

كان ذلك الإحساس غريباً: لم تكن عين تنظر إليه، بل كان الظلام كله ينظر؛ كانت الفتحة السوداء نفسها، بلا عينين، تراه. جذب تشاو لاوشوان لي داتشوانغ إلى الخلف بقوة لا تصدر عن رجل في الثالثة والثمانين. وأعادته تسوي هوا إلى البيت. في الطريق لم يكن في الشارع أحد؛ اختبأ الناس وراء أبوابهم ونوافذهم المغلقة، ومع ذلك كان المرء يحس بعيون خلف كل شق وكل مشربية.

في تلك الليلة جلس تشاو لاوشوان في القاعة. لم يشعل تبغه؛ وضع الغليون عرضاً على ركبتيه وسكن، والعروق على ظاهر يديه بارزة كديدان. صبت له تسوي هوا ماء. ارتجف سطحه مرة ثم استمر في الارتجاف. لم يكن الوعاء هو الذي يهتز، بل الأرض، اهتزازاً خفيفاً مستمراً مثل نبض القلب.

— هل سمعتِ الضحكة؟

كان صوته مستوياً كأن حقيقة ما سحقت منه كل شعور.

هزت تسوي هوا رأسها، وسقطت خصلة شعر على نصف وجهها.

— سمعها أهل القرية جميعاً. لا أحد لم يسمع.

وضع الشيخ يديه على ركبتيه المرتجفتين. لم يرتجفا من الشيخوخة، بل من فزع لا يقدر على ضبطه، كارتجاف الساقين بعد أن تمر أفعى قرب القدم.

— ما ذلك؟

خفضت تسوي هوا صوتها كأن شيئاً خلف الباب يسمعها. لم يجب. ظل ينظر إلى النافذة السوداء. غير أن القمر في تلك الليلة كان كبيراً على غير العادة، ساطعاً حتى صارت القرية كأنها في وضح النهار. ورأت الشجرة الساقطة بوضوح: أوراقها لم تذبُل ولم تصفر، بل بقيت خضراء كما لو أنها لا تزال حية، كما لو لم تُقطع. وتحت القمر بدت خضرتها خضرة ربيع حديث.

عند منتصف الليل كان وانغ فولاي أول من لاحظ الخلل. كان جزار القرية، يسكن شرقها، وقد قتل الخنازير والأغنام عمره كله، فكانت يداه تعرفان الدم وقلبه أشد من قلوب الناس. كان يخرج كل ليلة في الحادية عشرة إلى المرحاض خلف داره؛ لم يغير ذلك لعشرات السنين.

في تلك الليلة، وهو عائد يشد سرواله، ركل شيئاً في الطريق؛ فيه ليونة وصلابة، لا هو حجر ولا طين. نظر إلى أسفل فرأى حذاءين موضوعين في منتصف الدرب بعناية، رأساهما نحو مدخل القرية وكعباهما متجاوران. عرفهما: حذاءا العجوز ليو، حذاءا التحرير اللذان لبسهما الرجل نصف عمره. كان نعل اليسرى أرق من اليمنى لأن العجوز يجر قدمه اليسرى وهو يمشي؛ أمر يعرفه أهل القرية جميعاً.

خفق قلب وانغ فولاي، لكنه حمل الحذاءين وذهب إلى بيت العجوز. كان الباب موارباً، فدفعه فصرّ. لم يجد أحداً. كان سرير الكانغ ما يزال دافئاً، واللحاف مطروحاً إلى النصف، وعلى الوسادة غؤور يوحي بأن صاحبه نهض منذ ربع ساعة أو نصف. مصباح الزيت مشتعل وزيته لم يبلغ النصف، ولهبه يهتز وراء الغطاء الزجاجي بصورة تقلق القلب.

لكن الرجل اختفى. لم يخرج العجوز ليو من القرية في عمره إلا إلى البلدة في شبابه، وقد ضعفت قدماه منذ عقود؛ فكيف يخرج في عمق الليل، وكيف يخرج بلا حذاء؟

وقف وانغ دقيقة كاملة عند الباب. كانت شجرة النبق في الفناء تهتز وأوراقها تهمس. ابتلع ريقه، فالتصق في حلقه ولم ينزل. دار بالحذاءين من شرق القرية إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها، فوجد ثلاثة أزواج أخرى، ثم أربعة، ثم خمسة، ثم ستة. كل زوج مرتب في الطريق ورأساه نحو المدخل، وكل صاحبه غائب.

ركض إلى رئيس القرية والحذاءان ما زالا في يده. كان باب الرئيس مفتوحاً، والمصباح مضاء، ودفتر حساب غير مكتمل مبسوط على الطاولة. القلم فوق الورق والحبر لم يجف. الكلمة الأخيرة لم تتم؛ خطافها امتد طويلاً خارج الورقة إلى سطح الطاولة، كأن شيئاً قطع الكاتب في لحظة، فقطع القلم والفكرة والنفَس.

وكان رئيس القرية هو الآخر قد اختفى.

وفي طريق عودة وانغ فولاي مرّ بحفرة الشجرة. توقف رغم أنه لم يرد؛ توقفت ساقاه من تلقاء نفسيهما. لم تعد الحفرة سوداء. دخلها ضوء القمر فكشف شيئاً في القاع: لا تراباً ولا جذراً ولا حجراً، بل ثوباً قطنياً رمادياً، مطوياً في مربع مرتب، ياقته إلى أعلى وأطرافه متساوية كأنه أخرج لتوه من الخزانة.

كان ثوب العجوز ليو الرمادي، الذي لبسه نصف عمره. وعلى كتفه الأيسر رقعة زرقاء داكنة. عرف وانغ الرقعة؛ فقد أتى العجوز في العام الماضي ليشتري اللحم وهو يرتديها. فرّ وانغ فولاي حتى سقط حذاؤه، ولم يلتقطه. عاد حافي قدم واحدة، أغلق المزلاج ووضع كرسياً خلف الباب.

سألته زوجته من السرير ما به، فلم يستطع الكلام، وظل يهز رأسه. وفي الصباح أحصى أهل القرية أنفسهم: سبعة أشخاص كانوا أحياء في الليلة السابقة لم يكونوا موجودين. الثياب في حفرة الشجرة، والأحذية في الطريق، أما الناس فلا أثر لهم.

جلس لي داتشوانغ على عتبة بيته منذ الصباح، رأسه مطأطأ ويداه تمسكان شعره. مضت نصف ساعة وهو لا يتحرك، وقد بعثر شعره حتى تساقطت خصلات من بين أصابعه إلى ركبتيه. وقفت تسوي هوا خلفه مستندة إلى الباب. لم تتكلم ولم تبك. ظلت تنظر إلى شجرة النبق في الفناء، المثقلة بثمار خضراء صلبة لم تنضج.

جاء تشاو لاوشوان ببطء، كأن كل خطوة في حذائه القماشي تقع على حد سكين. وقف أمامه وقال:

— يا داتشوانغ، سأخبرك بشيء. صدقته أو لم تصدقه، عليك أن تسمعه إلى آخره.

رفع لي داتشوانغ عينيه المحمرتين بالسهر، والعروق عند صدغيه تنبض.

— هذه ليست أول شجرة تُقطع، قال الشيخ. حين كنت في التاسعة عشرة قطعت واحدة أيضاً.

تجمد لي داتشوانغ. ارتعش طرف فم الشيخ، لا ابتسامة بل حركة عضلة لا يملكها.

— ليست هذه، بل الشجرة التي وراء القرية. كانوا يقولون لا تقطعوها. لم أصدق مثلما لا تصدق أنت، فقطعتها. بعدها نقصت القرية ثمانية أشخاص، واحداً كل يوم، لثمانية أيام. وفي اليوم الثامن قفز جدي، جدك الأكبر، إلى الحفرة.

اختنق صوته وتحركت تفاحته مراراً.

— في اليوم التالي نمت الشجرة من جديد، وعاد الناس كلهم، لكن جدك الأكبر... لم يعد.

فتح لي داتشوانغ فمه وأغلقه، ثم فتحه وأغلقه كسمكة ألقيت إلى الشاطئ.

سألت تسوي هوا بصوت خفيض ثابت:

— ما هذا الشيء؟

التفت الشيخ نحو مدخل القرية والحفرة. كان ظهره محنياً، لكنه اعتدل قليلاً كأن قوة رفعت جسده من رأسه.

— قال لي جدي قبل أن يقفز إن المدفون تحتها ليس موتى. إنه قربان من عصر طقوس السحرة القديم. السوفورا ليست شجرة، بل ختم يحبس القربان في الأرض. إذا قطعت انكسر الختم.

قال عبارة «عصر طقوس السحرة القديم» ببطء وثقل، كأن كل كلمة تُسحب من قاع بعيد.

— طقوس السحر ليست قتل إنسان فحسب، بل شيء أخوف: تقدّم إنساناً إلى شيء. وهذا الشيء لا يموت ولا يتعفن، لا يفنى أبداً. إنه ينتظر فقط يوم انكسار الختم. ومن ذلك اليوم يأخذ شخصاً كل يوم، حتى يأخذهم جميعاً.

وثب لي داتشوانغ واقفاً:

— سأبلغ الشرطة!

لم يمنعه تشاو لاوشوان، وقال فقط:

— الشرطة لن تجدهم. أتصدق؟

ركب لي داتشوانغ دراجة الشيخ القديمة إلى مخفر البلدة. سقطت السلسلة مرتين، وجثا على الطريق ليعيدها ويداه مغطاتان بالشحم الأسود وترتجفان، فلم تستقم إلا بعد عرق طويل. جاءت سيارتا شرطة وثلاثة رجال، وبحثوا يوماً كاملاً. حفروا الحفرة إلى عمق خمسة أمتار، وألقوا التراب إلى جانبها حتى صار كالتل. لم يجدوا جثة ولا دماً، فقط تراباً أصفر وجذور عشب وحجارة وديدان؛ لا أثر لإنسان.

لكن الأحذية بقيت في الطريق والثياب في الحفرة، نظيفة كأن شيئاً لعقها حتى لم يبق عليها غبار. كان الشرطي تشو في الثلاثين تقريباً، مستدير الوجه يضع نظارة، وسبق أن حقق في جرائم قتل، لا في اختفاء سبعة أشخاص معاً. نظر إلى لي داتشوانغ وسأله:

— هل أسأت إلى أحد؟

أراد أن يقول: «الذي أسأت إليه ليس إنساناً»، لكنه ابتلعها؛ لن يصدقه أحد.

وحين عاد بعد حلول الظلام، رأى جمعاً عند المدخل. وقفوا صامتين ينظرون إلى جهة واحدة. وفي وسطهم كان وانغ فولاي ممدداً على الأرض، عيناه مفتوحتان. لم يمت، لكنه لم يرد على من يناديه. جلست زوجته بجانبه تمسح وجهه بمنشفة؛ يمر القماش فيبقى وجهه أبيض كورقة، وحدقتاه متسعتان في السماء. كان فمه ينفتح وينغلق، ويخرج صوت خافت يسمعه الجميع، يكرر:

— لست أنا... لم أذهب بنفسي. هو... هو الذي قادني. رأيته تحت الشجرة. كان يرتدي الأحمر. وجهه... ليس أنه لا يُرى، بل لا يوجد وجه. لكن له عينان، حمراوان كجمرتين، تنظران إليك.

كانت ثيابه نظيفة وحذاؤه في قدميه، غير أن نعليه ملطخان بطين رطب أسود لزج من طين الحفرة، برائحة قديمة لا توصف، كتراب صعد من عمق لم تطلع عليه الشمس قط.

في تلك الليلة اجتمع أهل القرية في فناء لجنة القرية. جاء كل من يقدر؛ لم يجرؤ أحد على العودة أو البقاء وحده. حمل بعضهم كراسي، وفرش بعضهم الحصر، وأسند آخرون ظهورهم إلى الجدران. كان الشيوخ يضمون الأطفال، والرجال يقبضون على المصابيح، والنساء على المناديل، متلاصقين كأرانب الشتاء.

وقف تشاو لاوشوان في المقدمة والصفيحة النحاسية في يده، وقد أعادها إليه لي داتشوانغ. تحت القمر فهم الشيخ الخطوط فجأة: لم تكن زخارف بل رسم ختم، أداة طقسية حفرها سحرة قدماء لتقمع شيئاً لا ينبغي له أن يوجد في عالم البشر. دُفنت الصفيحة عند غرس السوفورا، واستخرجها الجد الأكبر وتوارثوها حتى وصلت إلى تشاو لاوشوان عبر سبعة أجيال.

قلبها الشيخ ولمس خطوطها خطاً خطاً. بدأت تسخن في يده؛ لا من الشمس، فالليل في منتصفه، بل من داخلها. اشتد وهجها حتى آلمته، لكنه لم يتركها.

— مصائر سبعة أجيال معلقة بهذه الصفيحة. وفي كل جيل يجب أن يقفز شخص إلى الحفرة.

ارتد صوته في الفناء، وسكت الجميع حتى كأن أنفاسهم توقفت.

ركعت تسوي هوا:

— جدي، سأذهب.

هز رأسه ببطء، كشجرة عجوز توشك أن تقع.

— سأذهب أنا. شياو دوتسي يحتاج من يرعاه. لا يمكنك أنت أن تذهب.

وهز رأسه ثانية. عندها تقدم لي داتشوانغ. كان وجهه رمادياً وشفتاه بيضاوين، لكنه أبقى ظهره مستقيماً. مشى إليه خطوة خطوة وقال:

— سأذهب.

كلمتان خفيفتان، لكن الجميع سمعهما. التفتت تسوي هوا إليه، وانهمرت دموعها دفعة واحدة.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.