في اليوم الثالث اختفى شخص آخر، لا في الليل بل في وضح النهار وتحت عين القرية كلها: شياو دوتسي، أخو تسوي هوا، في السابعة. كان صبياً ممتلئ الرأس والجسد، حليقاً تلمع فروة رأسه في الشمس كبيضة مسلوقة نزعت قشرتها. قال الناس إنه يشبه أخته في العينين والغمازتين، وفي مشيته أيضاً؛ كان يجر قدمه اليسرى، كما يجرّها هي. وحتى صوته كان مثلها، عالياً صافياً يسمعه الناس عبر فناء كامل.
اجتمعت الأسرة في فناء لجنة القرية تحت ثلاثة فوانيس. جلس الصبي في حضن تشاو لاوشوان ثم نام، مسنداً رأسه إلى كتف الشيخ، وسال لعابه على ثوبه الأزرق. لم يتحرك الشيخ وتركه يتكئ. ذهبت تسوي هوا إلى المرحاض خلف الفناء، وكان لا يبعد أكثر من دقيقتين. وحين عادت لم تجد على ساقي تشاو لاوشوان إلا بقعة اللعاب، ما زالت دافئة.
كانت تحمل منديلاً تمسح به فم شياو دوتسي دائماً، إذ كان يلطخ وجهه حين يأكل. سقط المنديل منها كأنه ورقة خريف.
— أين شياو دوتسي؟
ذهل الشيخ ونظر إلى ساقيه. لم يكن الصبي هناك. دوّى في رأس تسوي هوا طنين كضربة على صدغيها. فتحت فمها ولم تصرخ؛ كأن شيئاً سد حلقها. ابتلعت ريقاً فلم ينزل، كأنها تبتلع حجراً.
ثم انفجر صوتها: «شياو دوتسي! شياو دوتسي!» بحثت في الفناء حتى أيقظ صياحها القرية، ولم يجبها غير الريح وصوت بلع خافت آتٍ من جهة حفرة الشجرة. ركضت إلى الخارج، فضمها لي داتشوانغ بقوة. ظلت تتخبط وتضرب صدره وهي تنادي اسم أخيها حتى بحّ صوتها ولم يبق سوى شفتيها تتحركان.
وعند الباب كان حذاء صغير وحيد، رأسه نحو مدخل القرية، أبيض تحت القمر. كان حذاءً قماشياً صنعته تسوي هوا بيدها، مطرزاً على رأسه نمر صغير أعوج، أول ما تعلمته من التطريز. كانت تعرف كل غرزة: القدم اليسرى للنمر أكبر من اليمنى لأنها ارتجفت حين خاطتها؛ وكلمة «السلامة» في النعل مخيطة بخيط أحمر ما زال طرفه بارزاً. سهرت ثلاث ليال تصنعه، ووخزت الإبرة أصابعها مرات لا تحصى.
رفعته إلى صدرها ووجهها. كان فيه دفء شياو دوتسي ورائحته، رائحة طفل: عرق وتراب ولمحة حليب. قلبته، فوجدت نعله نظيفاً بلا طين ولا غبار، كأن الصبي لم يمش، بل رفعه شيء بقدميه عن الأرض من حضن الشيخ. كادت تجن. أمسكت بها يد تشاو لاوشوان؛ ركعت تضم الحذاء وتبكي حتى اهتز جسمها، ويداه ترتجفان أيضاً لكنهما لم تتركا ذراعيها، كأنهما كماشتان.
تقدم لي داتشوانغ إلى الشيخ:
— يا جدي، ماذا تريد حتى تتوقف؟
— لن تتوقف، قالها الشيخ بصوت ثقيل. إنها تبحث عمن كسر الختم، أو عن بديل له. إذا مُلئت بحياة واحدة بدلاً عنه فلن تبحث بعد ذلك.
خلال ثلاثة أيام أخرى اختفى ثلاثة، فصاروا عشرة: شياو دوتسي، ورئيس القرية، والعجوز ليو، وأناس لم يعرفهم لي داتشوانغ. بدأ الناس بالرحيل. ذهبوا إلى أقارب وأصدقاء في البلدة والمحافظة وأبعد منها، يحملون صرراً وحقائبهم ويركبون الجرارات التي تمضي ولا تلتفت.
وقف تشاو لاوشوان عند المدخل وغليونه غير مشتعل بين شفتيه، يراقب المركبات واحدة واحدة. ولاحظ لي داتشوانغ أمراً: الذين يرحلون لا يصيبهم شيء؛ المختفون هم من يبقون داخل القرية فقط. حتى لو نام رجل عند الطريق خارج المدخل، بقي آمناً.
ذلك الشيء لا يأخذ إلا أهل القرية. كأن القرية أرضه وقَفَصه: لا يستطيع الخروج، لكنه لا يستطيع أن يدع ما في القفص يهرب كله.
أخبر لي داتشوانغ الشيخ، فأومأ:
— أعرف هذا منذ كنت في التاسعة عشرة.
نظر إليه لي داتشوانغ كأنه لا يعرفه. عرفه قرابة سنتين وظنه شيخاً عنيداً خرافياً يردد قواعد لا يؤمن بها أحد. لكنه أدرك الآن أن الرجل لم يكن عنيداً، بل واعياً؛ عاش أكثر من ستين سنة في كابوس يعرف نهايته، ولم يفلت منه.
لم يرحل تشاو لاوشوان. قال إنه سيبقى يحرس المكان حتى يشبع ذلك الشيء أو يجدوا حلاً. كانت عيناه شاردتين، كأنه يرى بعيداً صورة نفسه في التاسعة عشرة، الصبي الذي قطع شجرة وجعل جدّه يقفز إلى الحفرة نيابة عنه. حمل ذلك الذنب أربعاً وستين سنة، أثقل من السوفورا نفسها.
جلست تسوي هوا عند عتبة القاعة، وربطت حذاء شياو دوتسي بخيط أحمر وعلقته على صدرها. كان يهتز على قلبها كلما مشت. ولم يرحل لي داتشوانغ. لم يكن لأنه لا يريد، بل لأنه لم يستطع. كان يعرف أن ما تحت الشجرة ينتظر قاطع الشجرة. لو هرب إلى البلدة فماذا عن أهلها؟ ولو إلى المحافظة فماذا عن سكانها؟ هل يتبعه الشيء ليأخذ إنساناً كل يوم؟ لم يجرؤ على إتمام الفكرة.
في اليوم الخامس لم يبق إلا نحو عشرين شخصاً، تجمعوا في فناء تشاو لاوشوان. أقفلوا البوابة، وسمروا الألواح على النوافذ، وأشعلوا كل المصابيح حتى صار الفناء كنهار. جلس الشيخ في القاعة والصفيحة على ركبتيه، يردد رقية من ثمانية عشر مقطعاً ورثها عن أسلافه ورددها عمره كله.
وفهم فجأة أن المقاطع ليست دعاء بركة بل قيد: تحبس شيئاً حتى لا يتذكر من يكون. السوفورا قفل، والرقية مفتاح، والصفيحة باب. سقطت الشجرة فانكسر القفل، وانفتح الباب بشق.
في تلك الليلة ظل الناس يقظين. عجوز تهمس باسم بوذا «أميتابها»، ورجل يشحذ منجلاً: حكّ، حكّ، لا يشحذ النصل بل خوفه من الفراغ. زوجة شابة تضم طفلها النائم، وعيناها تنتقلان من الباب إلى النافذة إلى عوارض السقف، منتظرة شيئاً يقفز من أي جهة.
وفجأة اتجهت أكثر من عشرين عيناً إلى الباب. دوى طرق: دق، دق، ثم صوت أثقل. لم يعد طرقاً، بل اختباراً وخدشاً؛ أظفار تجر على الخشب من اليسار إلى اليمين ثم تعود، تبحث عن شق تتسلل منه.
نهض تشاو لاوشوان قابضاً على الصفيحة التي أحرق حرها راحة يده حتى نفطت. وقف خلف الباب، وأحس بشيء قريب إلى حد أن برده يخترق الخشب إلى العظام.
— من هناك؟
لم يقل إلا كلمة، لكن الجميع أصغى. سكت الخارج لحظة، ثم أتت الضحكة نفسها، قصيرة وخفيفة، كأنها من الجهات كلها ومن داخل الرأس في الوقت ذاته:
«هَه».
ثم جاء صوت: «أعطني...» كلمتان، ثم توقف كأنه يفكر أو ينتظر، وكأن بقية الكلام غابت عنه. ثم قال: «...الباب».
ضغط تشاو لاوشوان الصفيحة على الخشب. رنت رنة حادة، وأخذ يردد الرقية مرة ومرتين وثلاثاً. لم يكن صوته عالياً، لكنه استمر كأن الصفيحة تنطق معه. توقف الخدش وسكن الفناء، غير أنه لم يرفع يده. كان جسده كله يرتجف؛ لم يطرد ذلك الشيء، إنما أوقفه مؤقتاً.
بعد سقوط السوفورا ضعفت الرقية يوماً بعد يوم. قال الشيخ إن الصفيحة لن تصمد أكثر من يومين. سألوه: «وماذا بعد يومين؟» فلم يجب. نظر إلى الرجال والنساء والشيوخ والأطفال الباقين، ثم توقف عند لي داتشوانغ.
— بعد يومين سندخل جميعاً. لا نختفي، بل ندخل، ويُسحب كل واحد منا إلى حفرة الشجرة، إلى بطن ذلك القربان.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.