قال تشاو تيشنغ: «أنا الأخير». عاد صوته كما كان أول مرة، لا شرح ولا عجلة، بل هدوء من سُمع أخيراً.
تابعت سو: «وقف الطاوي على أنقاض سور المدينة قبل قرن ورأى قاعها، لا قاع الأساسات بل قاع التاريخ المتراكم. عظام كل جيل تحللت طيناً، والنقمة لم تتحلل؛ تسربت إلى الماء والصخر. اختار ثمانية وعشرين موضعاً في تشكيل تيانقانغ، بيتاً لكل موضع، وموتاً في كل بيت؛ لم يقتلهم، بل كان ذلك قدر المدينة. امتلأ ثمانية عشر، وكان تشاو الثامن عشر. يوم مات اهتز التشكيل: علامة العتبة. تكفي الأرواح الثمانية عشر لكبح النقمة، وتقفل المقاعد العشرة الباقية.»
ثم نظرت إلي: «أنتم جميعاً فيه. وأنت أول من حقق الشرطين منذ سبعة عشر عاماً. لهذا انتظرناك اليوم.»
التفتت إلى السبعة عشر خلفها؛ مرّ بصرها على تشاو وتشو وتشن ووي ولي تشياوفن وتشيان دايونغ وصاحب السبحة وما تونغهه وسون ليتشن، كل واحد. لا كقائد ينظر إلى أتباعه، بل كامرأة سارت خمسة عقود تعود إلى رفاق قدامى. كانت أول من حُبس في البئر، ثم جاءوا واحداً واحداً. استقبلتهم بلا شاي ولا كراسي ولا صالة؛ لم يكن عندها إلا الظلام، لكن عندها صبر. تنتظر روح كل وافد حتى تفارق جسده، وتفهم أنه مات، وتبكي ثم تهدأ، وتقول له: «لست وحدك. هنا كثيرون، كلنا ننتظر.»
سألت بعينيها: من يتكلم؟ فرفع السبعة عشر رؤوسهم تباعاً.
تقدم تشاو: «أنا تشاو تيشنغ، مصنع الآلات شمال المدينة، 0127. متّ مظلوماً، لكن العمال لم يقتلوني عمداً. الرجل الذي دفعني سلّم نفسه في الغد وحُكم سبع سنوات. كتب ثلاث رسائل لزوجتي: يا أختي، سامحيني. لم تجب، لكنها احتفظت بها في أعمق الدرج مع بطاقة عملي. أريد أن يعرف الناس أن القائمة ليست قراري؛ رئيس الورشة لا يملك ذلك، القرار للمصنع. كنت أصلح رسم قطع التصدير، تسامحه أخطئ بمقدار 0.01، حتى الواحدة فجراً. سجلي كذب في ثلاث: لم أشرب، لم أتشاجر، كنت أعمل.»
قلت: «حفظت: تشاو تيشنغ، مصنع الآلات شمال المدينة، 0127؛ لم تشرب ولم تتشاجر، كنت تصلح الرسم، 0.01، وليس ذنبك.»
تقدمت تشو حافية فتركت قدماها أثراً خفيفاً في الغبار فوق آثار الماء لأول مرة: «أنا تشو بينغ. متُّ في ذكرى الزواج الأولى. تزوج زوجي بعدي من موظفة وثائق في موقع البناء، فستانها وردي قريب من لون منشفتى وتبتسم بغمازتين. لا أكرهها. في السنة الثانية لموتي بدّل سخان الغاز بآخر كهربائي ركّبه بنفسه، ضجيج المثقاب أزعج الجيران لكنه أتمه. وقف طويلاً عند الحمام ثم كتب منشوراً لا يراه إلا هو: يا زوجتي، بدلت السخان. لن أحتاجه، لكن من يسكن بعدي لن يصيبه شيء. توقفت يداه عند "لا تقلقي"، فمسحها وكتب: تصبحين على خير. وماتت على أرض الحمام، وآخر ما فكرت فيه ليس أنني سأموت، بل: لا بد أنه اتصل وفوّتُّها أنا. ليس ذنبه.»
قلت: «حفظت: تشو بينغ. كنت تنتظرين الهاتف ولم يرنّ. ليس ذنبك ولا ذنبه.»
تقدمت تشن: «أنا تشن نينيان، اثنتان وعشرون، عامي الأول بعد الجامعة. أحببت شاباً من القسم المجاور؛ يشتري كل ظهر في دكان الشركة شطيرة لحم خنزير وجبن. اشتريت واحدة مثله عن عمد، ولوحت بها حين التقينا في المصعد. قال: تحبينها أيضاً؟ قلت: نعم. تكلمنا خمس عشرة ثانية. قال ثلاث جمل: ألا تملينها؟ بدأت أمل. غداً نغيّر النكهة. لو عشت للغد لقلت له في المصعد: لا أحب تلك النكهة، أحبك. ظللت أفكر فيها ست سنوات.»
تقدم وي: «أنا وي تشانغقنغ، متقاعد من مصنع النسيج، ثمانية وستون. أولادي في شنتشن وهانغتشو، يعودون في رأس السنة بهدايا الصحة والملابس الدافئة وحوض غسل القدمين. لا أحد يتذكر عيد مولدي: الرابع عشر من أغسطس، اليوم التالي لمهرجان العاشقين. زوجتي كانت تتذكر؛ تصنع شعيرية طول العمر خيطاً واحداً في وعاء. بعد رحيلها لم يصنعها أحد. صنعتها مرة فانقطعت، فأكلت وعاءين، لي ولها، وفي وعائها بيضة مسلوقة.»
تقدمت لي تشياوفن ومسحت يديها في مئزرها كعادتها: «أنا لي تشياوفن. أحرقتني شعلة موقد الغاز وأنا أضع السمك في الطبق. كان كارباً مطهواً بالصلصة، ذبحناه حياً ولم أنظف غشاءة بطنه السوداء فعدت لأكشطها. احترى الزيت وصار جلده ذهبياً، فانطفأت النار فجأة: أنبوب الغاز البالي تشقق. انحنيت أنظر، فعادت النار لا من فتحة الموقد بل من الأنبوب كله. متّ والسمك في المقلاة يحترق. ملأت رائحته المبنى، فاتصل الجيران بالإطفاء. حسبوا حريقاً؛ أخرج القائد السمكة بعيدان فتهاوت حين لمسها.»
«حفظت»، قلت.
تقدم تشيان دايونغ، وتحرك أثر الحبل في عنقه حين ابتسم: «أنا تشيان دايونغ، سائق شاحنة. كان وزني حياً ثلاثمئة وعشرين جيناً وكذلك حين مت؛ خطاف المروحة تحملني عشر ساعات. قدت الشحن من موخهه شمالاً إلى سانيا جنوباً وزرت كل مقاطعات الصين. مت على بعد كيلومترين من بيتي. الخطاف على متر وتسعين من الأرض. قدت مئات آلاف الكيلومترات، ومت في موضع ارتفاعه متر وتسعون.»
قلت: «حفظت: تشيان دايونغ، سائق، ثلاثمئة وعشرون جيناً، قطعت الصين كلها.»
ارتجفت شفتا صاحب السبحة، لا بكاء بل استعجال: «اسمي… ما اسمي؟ انتظرت طويلاً حتى نسيت.» ثم نظر إلى يده؛ في ملتقى الإبهام والسبابة خرزة بنية من بودهي القمر والنجوم، الخرزة التي بحث عنها عشرين سنة. لم تضِع؛ قبض عليها في ثواني الموت الأخيرة حتى التأم الجلد حولها. كانت الخرزات مئة وثماني دائماً.
قلت: «حفظت. يمكنك أن تسمي نفسك من جديد. سأسميك "مئة وثمانية" حتى تتذكر اسمك.»
تقدم ما تونغهه بنصف جسد؛ يساره سليم ويمينه فحم، وصوته كالدخان يمر في حنجرة محروقة: «أنا ما تونغهه، كهربائي، أربعة وثلاثون. أصلحت مقبساً في الحمام حين اشتعلت الصالة فجأة؛ طفل الجيران أطلق ألعاباً نارية دخلت النافذة. أغلقت باب الحمام لأصد النار، لكن الدخان أسرع. متّ على بلاطه. كانت بركة ماء، ظننتها ترد الدخان؛ الماء لا يرد الدخان.»
وتقدمت سون ليتشن، المرأة التي كانت تحدق في السماء، وأنزلت عنقها أخيراً: «أنا سون ليتشن، معلمة لغة صينية في الثانوية ثلاثين عاماً. سرطان رئة، خمسة وخمسون. صنع آخر فصل لي ألف طائر ورقي وعلقه في الممر بألوان كثيرة. أوصيت في ثلاثين سنة بكتب لا تحصى، لكن آخر ما أردت قراءته "أسطورة أبطال الرماية بالنسر" لجين يون. منعونا منه صغاراً وقالوا كتاب تسلية. حين تقاعدت ضعف بصري. اشترت ابنتي نسخة كبيرة الحروف ووضعتها إلى جوار السرير، وثنت زاوية في الصفحة التي تظهر فيها هوانغ رونغ أول مرة. أردت أن أرى شكلها، ولم أر.»
سكتت الأصوات السبعة عشر. لم تتجاوز كل حكاية ثلاث جمل، لكن كل كلمة ضغطت أنفاسي. انتظرت سو.
قالت بصوت أخف من قبل، كأن نطق ما انتظرته زمناً ينهيه: «اسمي سو شيويهونغ. كنت في الثامنة والعشرين، وفي بطني طفل ثلاثة أشهر لم يظهر بعد؛ أنا وحدي أعرف. كل صباح أضع يدي على أسفل بطني فأحس صلابة صغيرة. كان قلبه يدق مئة وستين في الدقيقة، ضعف قلبي، ولم يسمعه غيري. أبوه لا يعرف أنه سيصير أباً، ولا يعرف أنني مت.»
نظرت إلى بطنها ولمسته برفق كأنها تخشى إيقاظ من فيها. «مت من أجل بئر، لا بئر ماء بل بئر جاف في موقع العمارة. كانت عين التشكيل فيها. أغلقها الطاوي قبل أكثر من قرن بطوب أزرق وملاط أرز لزج، ونقش على الطوب رموزاً، ووضع فوقها لوحاً حجرياً بأربعة أحرف: "لا أحد هنا".
«في 1973 أرادوا بناء العمارة. حفر العمال الأساسات ثلاثة أمتار فضربت المعول جسماً صلباً بصوت أجوف. أخرجوا طوباً أزرق منقوشاً، واختلفوا: يردمونه أم يتركونه؟ فقرروا أن ينزل أحد ليرى. كنت تقنيّة الموقع، المرأة التي تدير المخططات في موقع كله رجال. قلت: أنا أخف والبئر ضيق، أستطيع النزول.»
«كان في البئر شيء، لا شبحاً بل أفظع: نقمة مئة عام محبوسة تحت الأرض. حين فُتح فمه وجدت مخرجاً وفارت؛ ليست غازاً ولا سائلاً، شيئاً بينهما، سوداء ثقيلة، ومع فورانها تساقط طوبه قطعة قطعة. نزلت بمصباح وحبل أمان، مسحت الضوء في القاع ورأيت. لا أحد يعرف ما الذي رأيت، لم أقله. رفعت رأسي إلى دائرة السماء فوق البئر العميق ثلاثة أمتار، بحجم قطعة نقد، رمادية مزرقة قبل المطر. صرخت شيئاً، لم يسمعه من فوق إلا شخص قال إنني صرخت: "اختموا".»
«ثم حللت حبل الأمان بيدي. وأغلقت فم البئر بحياتي، لا بسحر بل بجسدي، ألصقته بالطوب الأزرق المتشقق. اخترقت النقمة جسدي: عيني وفمي وأذني والطفل في بطني. لم تطهّرها، بل فرقتها؛ تحملت القسم الأكبر، وعاد الباقي إلى الأرض. متُّ في البئر وأُغلق، وبنوا العمارة. لم يعرف أحد ما فعلت. قالوا في الموقع إنني اختفيت، قفزت يأساً، أو سقطت خطأ بعدما حللت الحبل. لا يذكرون اسمي؛ الميت نذير سوء. وكتب الملف: حادث بناء.»
«حين استخرجوا جسدي، كنت قابضة على طوبة من طوب الطاوي. تيبست أصابعي، فكّوها وأخذوها. لم تكن عليها رموزه فقط بل كلمات جديدة حفرتها بأظافري، انكسر ثلاثة منها قبل أن أتمها: "لا أحد هنا. هنا أناس." ستة أحرف. بدلت بعمري أربعة أحرف الطاوي.»
«ما أريدك أن تقوله له ليس خبر الطفل، بل أنني مت، وأن يكف عن الانتظار. ينتظرني خمسة وخمسين عاماً ولا يعرف أنه ينتظر. اسمي ما زال أول هاتفه، مسجل "هونغ"، ويرسل في الأعياد: سنة سعيدة، منتصف الخريف سعيد، عيد ميلاد سعيد، إلى رقم أُلغي منذ خمسة وخمسين عاماً. تفشل الرسالة، لكنه يرسلها. قل له فقط: لقد متّ. يكفي.»
نظرت سو إلى الآخرين: «انتهينا. حان أن نفترق.» ثم اتجهت إلى الباب وخطت خطوتين والتفتت. انزلقت عصا الطعام من شعرها فأمسكتها. أحدث فستانها الأخضر صوت احتكاك خفيفاً كقلب صفحة.
«لين دو، شكراً. لن تحتاج للمبيت في هذه الغرفة الليلة. من اليوم، هذا المبنى ليس مشؤوماً؛ لأن البيوت الثمانية عشر لم تكن كذلك من البداية.»
بدأوا يبهتون ببطء، لا اختفاء فرقعة بل كالحبر يرجع من ورق الأرز إلى رأس الفرشاة. تحولت أحذية تشاو من السواد إلى الرمادي ثم اختفت، وبقيت ندبة جبينه لحظة في الهواء قبل أن يومئ لي. أخيراً سقطت قطرة شعر تشو المعلقة طويلاً، هذه المرة بللت الغبار فصار رمادياً داكناً. قبل أن تتلاشى تشن أزاحت شعرها وأظهرت وجهها كله، وقالت «شكراً»، لا لي بل للشاب الذي يشتري الشطيرة؛ ابتسامتها جميلة كما ينبغي لاثنتين وعشرين. أعاد وي يده إلى صدره كمن حصل على الدواء. نظر تشيان إلى الخطاف وقال: «خفيف»، وضحك. ولف صاحب السبحة خرزاته حول معصمه ثلاث لفات: مئة وثماني، وجدها.
بقيت سو آخرهم، صارت شفافة تقريباً، والقمر يمر من خلالها إلى الجدار. في الجدار عادت الكتابة حرفاً حرفاً إلى شقوق الطوب. اختفت «تهدئة الأرواح» و«إغلاق الفم»، وبقيت القصور الثمانية والعشرون لا خاتماً بل قصيدة. انكسر التشكيل لا بفعل إنسان بل بهم أنفسهم. لم يكن يقيد الأشباح بل النقمة، وحين تفرقت تفرق. ما النقمة؟ كلام لا يُقال. للمظلومين موتاً كلام كثير لا يسمعه أحد فيصير نقمة، تُضغط في التراب فتزداد ثقلاً وسماً. لكن إن وقف حي واحد أمامهم وسمع قصصهم بصدق، تحوّل الكلام المسموع من نقمة إلى واقعة حدثت. وما حدث لا يحتاج أن يُضغط. لم يُكسر الختم، بل استُمع إليه حتى النهاية؛ أخذ رجل نصف نقمة الثمانية عشر بالسماع، وتركوا هم النصف الباقي.
نظرت سو إليّ النظرة الأخيرة طويلاً، كأنها تترك لي آخر ضوء فيها.
«لديك شهر. ليس مني بل من التشكيل؛ تفرق الختم ولم يتفرق بعد كله. بعد شهر، في ليلة البدر، سيهدمون المبنى، وينكشف فم البئر. يجب أن يعرف الناس ما تحته، من هم هؤلاء الثمانية عشر، وما الذي ضغطته المدينة مئة عام. شهر، لا قصير ولا طويل، يكفي لرجل أن يروي ثماني عشرة حكاية.»
ثم اختفت، لا بالتدريج؛ كانت هنا ثم لم تكن، كأن يداً أطفأت مفتاح الضوء: طق.
صارت الصالة فارغة حقاً، لا فراغ بلا أشياء بل بلا انتظار. انتظر تشاو ستة وعشرين عاماً، وتشو أحد عشر، وسو خمسة وخمسين؛ مئات أعوام الانتظار انتهت في تلك اللحظة. وقفت وحدي، والضوء عاد عميقاً في شقوق الطوب. ثماني عشرة حكاية، وثمانية عشر فماً أُغلق أكثر من قرن، فتحها أحد أخيراً. ليس لإنصاف الأشباح، بل لقول ما سمعه للناس ببساطة.
شغلت الهاتف. أرسل لاو تشو رسائل: «أنت هناك؟ ماذا تفعل؟ ماذا حدث؟ أنت بخير؟» كتبت: «بخير»، ثم توقفت. هل أكتب: «اجتمعت لتوي بالسكان الأصليين الثمانية عشر»؟ سيحسبني مجنوناً. لكن أهون الكلام من الصمت، وما انتظروه لم يكن الصمت بل الصوت. فكتبتها.
أجاب فوراً بوجه ضاحك: «نكتة جميلة. ستبيت أم آتي آخذك؟» لم أجب. كنت أفكر: شهر، وثماني عشرة حكاية، من أين أبدأ؟ من سو شيويهونغ؛ من المرأة التي قفزت إلى البئر، أول ميتة وصاحبة أطول انتظار، خمسة وخمسون عاماً حتى وصل من يريد السماع.
خاتمة
لم أعد إلى مهنة اختبار البيوت المشؤومة. لا لأنني لا أريد، بل لأن لا حاجة: انكسر الختم، تفرقت النقمة، ومضت الأرواح، وصارت البيوت عادية، لا أحد ينتظر في الظلام ليرفع عنك اللحاف.
انتقل لاو تشو إلى مدينة أخرى لتلقي الطلبات. دعاني قبل رحيله إلى المطعم الشعبي نفسه: أسياخ مشوية وجعة. كان هاتفه على الطاولة مليئاً برسائل طالبي العمل: «يا أخي شجاعتي كبيرة، أي طلب»، «يا مدير تشو، علمني، كلما كانت الجريمة أفظع كان أفضل». يأكل اللحم ويقلب الرسائل ويقول: «الدنيا تغيرت، الشباب أشجع من الأشباح. لماذا اعتزلت؟ طبيعتك مناسبة لها». قلت: «البيوت لا تحتاج مختبري مبيت، تحتاج رُسلاً للكلام». رفع عوداً عليه خضار وظل ينظر إليّ خمس ثوان: «ألم تدخن شيئاً؟» قلت: «لا». «حقاً؟» قلت: «لا». أكلها وغيّر الموضوع.
لم أشرح. بعض الأشياء لا تُشرح. لو قلت إن ثمانية عشر شبحاً اصطفوا ليقولوا: لا نؤذيك، نريدك أن تتذكرنا، فلن يصدق أحد. ولو قلت إن طاوياً منذ قرن صنع تشكيلاً بأرواح الموتى ليكبح نقمة الأرض، فلن يصدقوا. ولو قلت إنهم حين وجدوا من يسمعهم تركوا الختم ينكسر، فلن يصدقوا أكثر. لذلك لم أتكلم؛ كتبت.
سجلت حساباً في ويبو باسم «ثمانية عشر بيتاً مشؤوماً». صورته خلفية سوداء ونقطة بيضاء، ليست ضوءاً بل شمعة. التعريف: «أنقل الكلام للناس، مجاناً».
كل يوم حكاية. في اليوم الأول تشاو تيشنغ من مصنع الآلات، 0127، والملف أخطأ في ثلاث حقائق. في الثاني تشو بينغ، ماتت وشعرها في الحمام لم يجف وكانت تنتظر هاتفاً. في الثالث تشن نينيان، اثنتان وعشرون، أحبت فتى يأكل الشطائر. في الرابع وي تشانغقنغ، وكانت زجاجة الدواء على بعد إصبعين من يده.
اليوم الخامس والسادس والسابع. وفي اليوم السابع عشر وصلت رسالة خاصة: صورة قديمة بالأبيض والأسود صفراء ملتوية الحواف فُردت باليد مرات. فيها شخصان: رجل ببدلة ماو ونظارة في الخامسة والعشرين تقريباً، لا ترى عينيه من لمعان العدسة لكن تحس أنه يبتسم؛ وامرأة ببدلة ماو وشعر إلى كتفيها تبتسم لا للكاميرا بل للرجل. وراء الصورة كتابة بحبر أزرق أسود باهت: «سو شيويهونغ وأنا. أكتوبر 1972». وتحتها جملة، يبدو أن عجوزاً كتبها بوقفات خاطئة: «هل تعرف زوجتي؟»
لم أعرف كيف أجيب. «ماتت» خطأ. «رأيتها» خطأ. «طلبت مني رسالة» سيجعل إنساناً عادياً يتصل بالشرطة. ظل المؤشر يومض، أكتب وأمسح عشرات المرات، ثم أرسلت ثلاث كلمات: «سو شيويهونغ بخير.»
بعد دقيقتين اهتز الهاتف. أجاب بثلاث كلمات أيضاً: «شكراً لك.» لم أكتب غيرها ولم أجرؤ. الرسول لا ينقل إلا ما أُمر به، لكن ذلك العجوز لم يحتج جواباً بعد انتظار خمسة وخمسين عاماً؛ كفاه أن أحداً قال له شيئاً.
في اليوم الثلاثين لم تُهدم عمارة الممرات. تغيّرت خطة المدينة؛ مسؤول قرأ حسابي من أوله إلى آخره وقرر إبقاء المدينة القديمة كلها محمية تاريخياً. لن تهدم العمارة ولن تردم البئر، بل تحولت إلى مركز ثقافي مجتمعي، وفي الطابق الأول مكتبة صغيرة، خمسون متراً مربعاً.
ثلاثة جدران من رفوف، وطاولة طويلة في الوسط ومشترك كهرباء لشحن الهواتف، ونافذة كبيرة تدخل منها شمس دافئة على الأرض الخشبية. على الرفوف كتب تبرع بها أهل الحي، بعضها قديم مصلح الغلاف بشريط شفاف، وصفحاته صفراء تفوح منها رائحة الورق الجاف.
وعلى أحد الرفوف كتاب جديد بغلاف عاجي، عليه نافذة وظل إنسان وراءها، وخارجها شجرة دلب بأوراق خضراء غضّة.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.