كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/12 · وصية روح الشجرة
الفصل السابق

12 · وصية روح الشجرة

ما وراء الليل

الفصل التالي

امتطى تشن باوي حماراً وسار ثلاثة أيام.

صعد من جنوب شرقي قويتشو، فعبر ثلاثة جبال وخاض نهرين. كان أولها جبل حجر الرحى: لا يعلو كثيراً، لكن طريقه ضيق، حتى إن الحصى تحت حافر الحمار يتدحرج هسيساً إلى الوادي فلا يعود له صدى. وفي منتصفه هطل المطر؛ لا سحاباً جارفا، بل مطر خريف قويتشو الدقيق المتصل، كأن أحداً ينخل الماء فوق الغيوم. تحسبه ضباباً، ثم تجده قد نفذ إلى ثيابك. لم ترده عباءة القش؛ بللت كتفيه حتى ظهره. مسح وجهه ومضى. وعند القمة انفرجت الغيوم شقاً، فتسربت الشمس على رقعة مدرجات في الجبل المقابل. كان الأرز محصوداً ولم يبق إلا سوق صفراء يابسة، فصبغها الضوء ذهباً. دام ذلك قدر شرب فنجان شاي، ثم التأمت الغيوم، وانطفأ الذهب كأن يداً جذبت ستارة في السماء برفق. شد عباءته، وضغط خاصرة الحمار، فهز أذنيه وتابع السير.

أما الجبل الثاني فكان صخرة النسر، بلا طريق. لم يكن فيه إلا درب بري وطئه جامعو الأعشاب: أوسعه لا يتسع إلا لقدمي رجل متجاورتين، وأضيقه يجعل الحافر يميل. وعلى جانب منه هاوية، تتشبث شجرات صنوبر نصف ميتة بجدارها؛ جذورها العارية اليابسة كأصابع ميت تحفر في شقوق الحجر. لم يجرؤ تشن باوي على النظر إلى أسفل، حيث طبقات من الضباب الأبيض، وتحتها نهر لا يراه. كان يسمع هديره، كقدر حديد عظيم يغلي تحت الأرض. ضاق الطريق، فنزل يقود الحمار. لكنه أبى أن يمشي، قوائمه الأربعة مشدودة، والعرق في عنقه ينبض، وعيناه متسعتان. الحمار لا يكذب، وكان تشن يعرف ذلك. ربت برفق على قصبة أنفه وقال: «هيا، اتبعني. ثلاث خطوات فقط». خطا الحمار واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة. سال عرقه إلى كف الرجل الممسكة باللجام، لزجاً. وبعد نصف ساعة انكمشت الهاوية واتسع الدرب. نفخ الحمار منخريه براحة، وتنفس تشن باوي بدوره ولمس جبهته المبتلة؛ أهو المطر أم عرق الحمار؟

حين اجتاز صخرة النسر كان المساء الثاني قد حل. احترقت في الأفق لطخة شفق أخيرة، حمراء غامقة كلون جرح التأم عليه القشر. وقف على رأس الصخرة لحظة، نزع عباءته وعصر ماءها، فسال من كفه إلى الأرض، ثم ارتداها ومضى.

الجبل الثالث لم يكن له اسم. أطلق عليه تشن باوي اسماً في بطنه: جبل الرعد المكتوم. فقد صاحبه رعد مكتوم طوال عبوره؛ رعد جاف لا مطر معه، والغيوم صفراء رمادية كأن أحداً أحرق في السماء مساحة شاسعة من قش الأرز الرطب. كان الصوت يتدحرج من أفق بعيد، فوق رأسه، إلى أفق أبعد. لم يكن قصفاً ولا انفجاراً، بل تقلباً دائماً في الغيم. الإكثار من سماعه يزرع في القلب قلقاً؛ لا خوفاً، بل شيئاً لا اسم له يتسرب من شقوق العظام. توقف وشرب من أنبوب الخيزران. كان الماء قد برد حتى آلم أسنانه، فشرب رشفة أخرى وابتلعها ببطء. ومضى، إلى أن ابتعد الرعد وراءه كجاموس عجوز أرهقه السير فبرك أخيراً وسكت.

بعد جبل الرعد المكتوم خاض نهرين. الأول عرضه سبع أو ثماني خطوات، ضحل إلى الركبتين، ماؤه أصفر عكر كأن أحداً يغسل الأرز في أعلاه. نزع عباءته ووضعها على ظهر الحمار، وشمر سرواله وقاده إلى الضفة الأخرى. كان الماء بارداً يخز العظم، والحجارة المستديرة تحت القدم زلقة؛ ما إن يخطو حتى ينزلق. وعلى الضفة غابة كستناء برية، وخلفها أول طريق رسمي، أو ما كان يسمى طريقاً رسمياً؛ فقد هجر منذ زمن وغطاه لسان الحمل، وخرج عشب ذيل الكلب من شقوق بلاطه. مشى عليه نصف يوم حتى بلغ النهر الثاني، وكان أوسع من عشرين خطوة وأشد جرياناً. تنحدر زبده البيضاء من أعلاه فتتحطم على صخرة وسط الماء إلى أزهار لا تحصى. فوق الصخرة رفرف صغير ذو ريش أخضر ومنقار أحمر، ساكناً لا يتحرك. وقف تشن باوي عند الضفة، ثم طار الطائر. قاد الحمار ثلاثة أميال صعوداً حتى وجد جسراً حجرياً ذا قنطرة واحدة، لا يتسع سطحه إلا لرجل وحمار. على لوح عند رأسه كلمتان: «جسر قوة الجماعة»، وتحتهما: السنة الثانية والأربعون من عهد تشيان لونغ. كان الطحلب يكسو سطحه زلقاً. كسر غصناً من جانب الطريق عصاً، وعبر خطوة خطوة. انزلق حافر الحمار على البلاطة ــ صرّ ــ ثم ركضت رجلاه الخلفيتان في موضعهما حتى استقر.

تقلّب شيء في قلبه. فكر: لو سقط الحمار فلن يقفز لينقذه. لم يكن ذلك حرصاً على حياته، بل لأنه كان مضطراً إلى الوصول. كان ينبغي أن يصل إلى قرية يونشي قبل الموعد المكتوب في القصاصة. لم يعرف ما الموعد، لكنه عرف أن ثمة موعداً. كان الحرف الواحد فيها، «عاجل»، مكتوباً بعنف؛ رماد الفحم غاص في نسيج الورق، وكل ضربة فيه تستعجله.

بعد النهرين أخذ يصعد. دار الطريق الجبلي حول الجبل، من سفحه إلى وسطه، إلى قمته، ثم إلى وسط جبل آخر، وظل يدور يومين. لم يلق إنساناً، ولا حتى بغالاً أو خيولاً عائدة من السوق؛ لم يلق إلا الضباب. ضباب الخريف لا يتبدد، يتبعه من السفح إلى الوسط ومن الوسط إلى القمة. لم يكن ثقيلاً، لكنه كثيف، حتى غدت الشمس دائرة ضوء غائمة في السماء، وحتى لم يعد يرى ما بعد تشانغ واحد. بل بدا الوقت نفسه مبهماً؛ لا يدري أي ساعة هي ولا كم مشى. لم يبق له إلا وقع حوافر الحمار مقياساً: طق، طق، طق، طق؛ أربع ضربات للدورة، جيد.

كان يحسب وهو يمشي، والطريق تحت قدميه أضيق وأقدم. استلقى عليه جذع ميت متعفن، غطاه فطر أذن الشجر بني داكن، آذاناً مصطفة حتى ملأت الجذع. ماذا كانت تسمع؟ لم يعرف. تخطاه، وتخطاه الحمار.

كان تشن باوي يقصد قرية صغيرة لا اسم لها على الخريطة: قرية يونشي. تقول سجلات القضاء إن فيها نيفاً وعشرين أسرة، متناثرة في منخفض جبلي، لا يصلها طريق رسمي. لم يأت طالب مبيت ولا متسولاً، بل بسبب قصاصة ورق.

قبل سبعة أيام استراح في نزل ببلدة تشنيوان. كان في شارع البلدة القديمة، طريقه مرصوف بالحجر الأزرق وضيق، وعلى جانبيه بيوت خشبية بنكهة البيوت المرفوعة على ركائز؛ تمتد أفاريزها المائلة فوق الرأس فتجعل من السماء ممراً رفيعاً. هطل المطر يومها، يضرب القرميد ثم ينساب من مزاريبه في خيوط لامعة، وكل خيط يقع في الموضع نفسه حتى حفر حفره الصغيرة. جلس في الطابق الثاني قرب نافذة، وطلب إبريق شاي وطبق فول صويا محمص. الشاي خشن، والفول قديم يابس، لا رائحة للفول فيه سوى مذاق العتق. لكنه كان على الطريق أكثر من نصف شهر؛ شاي ساخن وفول جاف كانا كافيين.

فتح النافذة شقاً، فدخلت الريح والمطر باردين ومعهما رائحة تشنيوان الخاصة: ليست رائحة شاي ولا طعام، بل رائحة الحجر، رائحة هذه البلدة العتيقة المتراكمة منذ ألف عام. كانت المتاجر المقابلة قد أغلقت ألواح أبوابها، وعليها أزواج أبيات باهتة تآكل طرف ورقها بالمطر. في الأسفل كان أحدهم يطبخ، فخرج دخان الزيت من نافذة المطبخ إلى المطر فتبدد. جلس يشرب الشاي ويمضغ الفول ويصغي إلى المطر. أربعون عاماً من العمل خبيراً في فنغشوي علّمته الانتظار: انتظار سكون الريح، وانقطاع المطر، ومجيء الناس.

بعد نحو نصف ساعة خف المطر، ففتح النافذة أكثر. ومن بعيد، من وراء الجبل، صاح أحدهم. لم يكن ينادي شخصاً، بل ينادي الجبل؛ صوت انفلت من ضباب الجبل ثم سقط في الوادي فتحطم فيه، لا يمكن جمعه.

ناول صاحب النزل رسالة إليه. لم يكن على الظرف إلا ثلاثة أحرف: «إلى تشن باوي». لا عنوان مرسل. فتحه، فلم يجد ورقة رسالة، بل قصاصة. كان الخط فيها برماد الفحم، خشناً كأنه خدش بعصا حطب محترقة. ولم يكن عليها إلا أربعة أسطر:

> تحت هذه الشجرة شيء لم يستيقظ. > الوليّ راحل، فمن الآتي؟ > تحت الجنكة عند مدخل قرية يونشي. > عاجل.

قرأ تشن باوي القصاصة ولم يتردد. حمل متاعه، وأخرج حماره، وانطلق في اليوم نفسه. على مدى أربعين عاماً رأى أماكن كثيرة وأموراً عجيبة، لكنه نادراً ما تسلّم رسالة كهذه؛ لم يحملها أحد، ولم يجلبها ساعي البريد، بل دخلت مع ريح من شق النافذة. قال صاحب النزل إنه لم تكن تلك الليلة ريح، لكن القصاصة دخلت حقاً من تحت شق الباب.

حسب العجوز تشن الاتجاه: قرية يونشي في جبال الجنوب الغربي. وحسب الأيام: لا بد أن يصل قبل «هبوط الصقيع».

في مساء اليوم الثالث وصل تشن باوي.

لم تكن الشمس قد غابت تماماً، وبقي على حافة الجبل الغربي خيط ضوء أحمر. لم يكن دافئاً، بل بارداً كآخر انعكاس على نصل سكين. أحرقت الشفق الغيوم إلى بنفسجي رمادي، ثم هبط اللون فصار أزرق رمادياً، ثم رصاصياً؛ والرصاصي أثقلها، حتى استقر على قمم الجبال. في ظله كانت القرية عند السفح.

كانت يونشي أصغر مما تخيل: نيف وعشرون كوخاً خشبياً متناثراً في منخفض، فوق سقوفها طحلب، وقرميدها أسود رمادي يلمع بالمطر. لم يظهر دخان طبخ ولم يسمع نباح كلب. سكون زائد، لا يشبه مكاناً يسكنه بشر. أزقتها مفروشة بحصى من قاع النهر، مستدير يؤلم القدم، وفي شقوقه لسان الحمل والهندباء. ذبلت الهندباء ولم يبق إلا سيقان جافة تحمل زغباً أبيض؛ تهب الريح فيطير الزغب متأرجحاً نحو شجرة الجنكة.

بنيت القرية حول المنخفض، الذي يشبه كرسي الوزير: الجبل وراءه مسند الظهر، والأرض المستوية مقعده، والتلتان المنخفضتان ذراعاه. في مصطلح فنغشوي يسمى ذلك «السلحفاة السوداء تسند الجبل، والتنين الأزرق والنمر الأبيض يحميان»؛ ليس موضع تنين من الدرجة العليا، بل أرض فوق المتوسطة بقليل، عادية هادئة. لا حظ عظيم ولا كارثة عظيمة؛ تصلح لأناس عاديين ولعيش الأيام. ومن ظهر حماره ألقى تشن باوي نظرة بعيدة ورسم خريطته في قلبه. مر في حياته بقرى كثيرة كهذه: نائية ساكنة، يولد أهلها ويموتون دون أن يخرجوا من الجبل. لكن لها ما لا يمكن لبنايات المدينة أن تملكه: أن نَفَس الأرض فيها متصل بالجبل. ينزل نَفَس الجبل من العلو، فإذا مر بمكان فيه بشر هدأ، ودار فيه دورة كسولة، ثم مضى. فنغشوي ليس صعباً؛ الصعب أن تعرف لِمَ تنظر فيه. النظر بلا سؤال عن الغرض عرافة، أما معرفة سبب مجيئك فهي فنغشوي.

شد اللجام إلى اليسار قليلاً فانعطف الحمار نصف منعطف، وسارا نحو مئة خطوة.

عند مدخل القرية شجرة جنكة.

أوقف تشن باوي حماره أمامها. لم ينزل، بل بقي على ظهره ينظر إلى الشجرة طويلاً.

كانت ضخمة إلى حد أنها لا تبدو نابتة، بل كأنها اندفعت من باطن الأرض. جذعها لا يطوّقه رجلان، وتاجها يحجب نصف السماء. اصفرّت أوراقها فبدت ذهباً داكناً في الغسق، جميلة أكثر من كل جنكة رآها. رأى جنكات جيانغنان على طريق طويل يقف على جانبيه صفان من عمالقة الذهب في الخريف. ورأى في سيتشوان جنكة وحيدة عند سفح جبل تشينغتشنغ، أمام معبد مهجور انهار وبقيت هي. ورأى عند سفح كونلون غابة جنكة برية؛ لا أناقة المصنوع، لكن فيها نَفَساً. ذلك النفس الذي لا يملكه إلا شيء عاش آلاف السنين: حين تعرف أنك ستعيش زمناً طويلاً جداً، لا تعود متوتراً؛ تقف وتتنفس وتحيا.

لكن تشن باوي لم يكن ينظر إلى جمالها، بل إلى جذورها وإلى التراب حولها. جذور الجنكة عادة ظاهرة، غليظة ودقيقة متشابكة كعروق شيخ، أما جذور هذه الشجرة فكانت تحت التراب. لا، لم تكن مدفونة؛ بل مختومة بالتراب. طبقة جديدة غليظة امتدت من قاعدة الجذع نحو ثلاثة أقدام، غير مستوية، عليها آثار مجرفة. صفوف ضرباتها مرتبة، كأن أحدهم يقيس المسافة ثم يقلب التراب عند كل فاصل. لم يقلب هذا العام، ولا العام الماضي؛ بل في فترات متتابعة، وفي كل مرة يكبس التراب المرتخي حتى يصير صلباً. لم يحفر عميقاً، لكنه فعل ذلك بعناية، كأنه يخاف أن يحفر شيء طريقه خارجاً من باطن الأرض.

ظل يحدق في التراب الجديد. كانت فيه شقوق دقيقة، ليست جفافاً ــ فالخريف ليس جافاً ــ بل آثار كبس. ضربه ظهر المجرفة مرة بعد مرة حتى صار مستوياً أملس، كعجين أرز يطرق باليد. كان مشدوداً إلى حد لا ينفذ إليه الهواء، وإلى حد أن طبقة لا ترى تفصل سطح التراب عن «قاعه». في أربعين سنة من حرفته عرف من النظرة أن ما تحتها غير طبيعي. نمو الجذر يدفع التراب من الداخل إلى الخارج، لكن هذه الطبقة مستوية كالمرآة؛ كأن الجذور لا تتمدد إلى الخارج بل تنكمش إلى الداخل، وكأن أحداً يساعدها على ضغط نَفَسها إلى جوفها.

قرفص تشن باوي ولمس الطبقة بيده.

كان التراب بارداً. لا برد الخريف، الذي ينزل من أعلى إلى أسفل كطبقة ماء تتسرب نصف بوصة ثم تتوقف. كان برد الأعماق، يصعد من تحت الأرض إلى أطراف أصابعه، فيخدرها وينفخها. كأن تمد يدك في شتاء إلى بئر قديمة؛ الماء ليس مثلجاً، لكن البرد حي يتحرك وينتشر من أطراف الأصابع إلى المعصم. سحب أصابعه فرأى عليها قليلاً من الرمل الناعم الرمادي. ليس هذا طين قويتشو الأحمر، الأحمر البني اللزج الذي يلتصق بالحذاء بعد المطر حتى لا يكاد ينخلع. كان رمادياً أبيض، مسحوق صخر طحنته قوة ما، جافاً لا لزوجة فيه. قرّبه من أنفه: لا رائحة تراب، ولا دبال، ولا أي أثر لـ«الحياة». هذا تراب مقلوب من عمق تجاوز طبقة الدبال والطين وكل عمق تبلغه الجذور. تراب الأعماق لا يحمل أياً من الروائح المتخيلة؛ عميق حيث لا تصل الشمس ولا يتسرب الماء، وحيث تتكاسل حتى بكتيريا الزمن عن الذهاب. علامته الوحيدة: البرد.

فرك الرمل بين أصابعه، فتساقط هسيساً بلا صوت. مسح يده في بنطاله، ونهض ونفض كفيه.

لم يدخل خبير فنغشوي القرية. قاد الحمار وجلس على صخرة قبالة الجنكة. أخرج غليون تبغ جافاً، حشاه، وقدح حجر النار. لم يلمع اللهب إلا لحظة، أضاء خلالها خطاً عرضياً عميقاً في كفه يمتد من خارج الإبهام إلى أصل الخنصر. يقول قارئو الكف إن هذا «كف مقطوع»، وصاحبه له محنة مقدرة؛ ليست محنة كارثة بل محنة وحدة. سحب نفساً، فخرج الدخان من شفتيه وبعثرته الريح. كانت رائحة التبغ شديدة وجافة، تدور في فمه، ترسم قوساً في مؤخر لسانه، ثم تنحشر من طرفي فمه، فتجعلها الريح خيوطاً رمادية بيضاء. راقب حدود الجنكة تبتلعها الليلة: ذهبية، فذهبياً داكناً، فرمادية ذهبية، فرمادية. ثم لم يبق حتى الرمادي، بل كتلة سوداء كبيرة. لم تعد تشبه شجرة؛ بدت كرجل منحني الظهر ينتظر إنساناً.

كان في القرية من يقف خلف باب ويراقبه من الشق. عرف تشن باوي، لكنه لم يستدر. عرف أن أي حركة منه ستؤولها العين خلف الشق: إن نهض الآن توتر صاحبها، وإن طرق باباً خاف. فلم يفعل شيئاً، وجلس يدخن. بعد أن أتم كيساً من التبغ نفض الرماد، وحشى الغليون من جديد وأشعله.

عند النفس الأول بقي في السماء بعض ضوء. وعند الكيس الثاني صار الليل حالكاً تماماً.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.