جلس تشن باوي على الصخرة ليلة كاملة. لم يكن لا يريد النوم، بل لم يستطع. طوى عباءة القش تحت مقعده، لكن عظامه تعرف الحجارة؛ خمس وثلاثون سنة من الجلوس عليها جعلت ردفيه يعرفان طبع كل حجر. كانت هذه صخرة زرقاء من حافة نهر، وبرودتها لا تأتي من السطح، بل من برودة تراكمت فيها طوال عشرات آلاف السنين في قاع الماء. صعدت من مقعده على فقرات عموده الفقري حتى توقفت عند مؤخرة رأسه، كإصبع مثلج يسد نقطة فنغفو. هز عنقه فطقطقت مفاصله، ثم واصل الجلوس.
وفي الخلف كان الحمار قد برك، متعباً، أذناه الكبيرتان على الأرض ونَفَساه سحابتين بيضاوين تلبثان في الليل ثم تتلاشيان. عطس: «فشّ»، وغيّر اتجاه رأسه وعاد إلى النوم.
عند الفجر صاح ديك في باحة، صياحه الأول مكتوماً في حنجرته، كأنه متردد في أن يصيح ثانية. فتح تشن باوي عينيه، وكان الصقيع قد انعقد أبيض على رموشه. رمش فذاب وصار ماء يسيل من موقي عينيه، ولم يمسحه. عندئذ رأى باب الباحة تحت الجنكة.
كان من خشب الأرز الصيني، أسود من القِدم، ألواحه مشقوقة طولياً في انحناءات تشبه تجاعيد وجه عجوز. فوق العتب خيط فلفل مجفف بهت أحمره إلى أحمر داكن يكاد يصير أبيض. الجدار من حصى مرصوص، وفي شقوقه طحلب أخضر حبرّي لا يموت شتاءً. عند الزاوية نبات بري من الريحان الأرجواني، وطئته قدم فسقط لكنه لم يمت، بل مد نفسه بمحاذاة الأرض وصعد مائلاً.
لم يصر الباب. لم تفتحه الريح؛ بل سحبه أحد من الداخل ببطء. كانت مفصلاته مدهونة بزيت التونغ فلا تصدر صوتاً. وخرج رجل عجوز.
يرتدي ثوباً من قماش أزرق غسله الماء حتى بهت، لا بياضاً صارخاً بل شحوباً بقي في الألياف بعد غسلات لا تحصى، كشحوب سماء الخريف. زره الأعلى مغلق بإحكام وكذلك أزرار الأكمام، وعلى صدره سبعة أزرار معقودة مصطفة. صار الثوب واسعاً، لا لأن صاحبه اشتراه كبيراً بل لأن صاحبه هزل؛ انحدر خط الكتفين إلى ذراعيه. غير أن ظهره ظل مستقيماً، استقامة لم يصنعها تمرين بل حياة لم ينحن فيها لأحد. في يده مكنسة من أغصان الخيزران بالية صقلت أطرافها حتى دارت، لا اهتراءً بل لمعاناً دافئاً كحجر جرفه الماء عشرات السنين.
رأى العجوز تشن باوي ولم يفاجأ. ألقى عليه نظرة لا تزيد على نَفَسَين، لكن الرجل أحس أنها رأت كل ما يلزم: مدة جلوسه، وبُعد طريقه، وسبب مجيئه. لم يسأل، وخفض رأسه يواصل الكنس. احتكت المكنسة بالأرض: خش، خش. وعلى البلاط الأزرق حملت طبقة غبار دقيقة طارت في ضوء الصباح ذهباً مسحوقاً. لم يكن يكنس طلباً للنظافة، بل كما يفعل المرء العمل نفسه كل يوم لعشرات السنين حتى يصير معاشرة للنفس. أصابت المكنسة حجراً ناتئاً: طق، ثم دارت حوله من تلقاء نفسها؛ لا، كأن المكنسة تعرف الحجر، وكأن بينهما بعد عشرات السنين تفاهم. كنس من الباب إلى الجنكة ثم عاد. عند الشجرة توقف، وضع المكنسة ولمس الجذع. لم تتحرك يده، إنما التصقت به. لم ير تشن وجهه، لكنه رأى كتفيه: لا هبوط ولا تصلب، بل ارتخاء شجرة قديمة تقف لحظة في الريح.
لم ينهض تشن باوي. نقر غليونه في نعل حذائه فسقطت كتلة قطران بني أسود تراكمت طوال الليل، تدحرجت فوق الحجر وانكسرت. مسح الغليون بسرواله وأعاده إلى صدره، ثم قال بصوت منخفض واضح في سكون صباح القرية:
— يا عمّ.
توقف العجوز لحظة، ولم يرفع رأسه. استمرت المكنسة: خش، خش، خش.
— أنت حارس الشجرة؟
رفع العجوز رأسه. كانت عيناه لامعتين أكثر مما ينبغي لعينَي شيخ؛ كنجوم الشتاء في ليل تبلغ برودته عشرين أو ثلاثين تحت الصفر، لا غيم ولا قمر، فقط نجمة بعد نجمة، باردة ومضيئة. لم تكن نظرة شر ولا لطف، بل ضوء خالص: لا يرحب بك ولا يصدك، وإنما يضيئك فلا تجد موضعاً تختبئ فيه. رأى تشن باوي مثلها في وجوه منقبي اليشم في كونلون، وفي راهب داوي أمضى ثمانين سنة في جبال تشونغنان، وفي ملاح عجوز قضى عمره عند معبر النهر الأصفر. هؤلاء لا ينظرون إليك؛ ينظرون من خلالك إلى شيء آخر، وراءك، بعيد جداً، في مكان حرسوه طوال العمر.
— أنت الذي قرأت الرسالة؟
لم تتحرك شفتا العجوز تقريباً، وخرج الصوت من حنجرته خشناً، لا خَشَنة ضعف بل صوت رققه الزمن حتى صار كورق الصنفرة؛ أُزيلت حوافه من كل حرف وبقي وزنه وحده.
ابتسم تشن باوي، لا ابتسامة تبادل الأخبار بل ابتسامة من تأكد حكمه. أخرج القصاصة، نشرها على الصخرة. احتفظ بها قرب جسده سبعة أيام، فلطخها عرقه ونداه بزهور ماء رمادية بيضاء. أكلت البقع حواف حروف الفحم: نقصت ضربة من الحرف «شيء»، واختلط جزء من «استيقظ»، لكن الكلام ظل مقروءاً. ألقى العجوز عليها نظرة ولم يقترب. واصلت مكنسته الهبوط، لكن إيقاعها تسارع ثم أبطأ، واضطرب ثلاث كنسات قبل أن يستقيم. كان يعرف ما عليها.
— اذهب.
تبدل الهواء بينهما؛ لا برداً ولا حرّاً، بل كثافة، كأن ثلث الهواء سحب فجأة من غرفة وبقي ثلثاه رقيقين بعيدين. كان في وسع تشن أن ينهض ويرحل، وقد فكر في الطريق أنه إن رفض حارس الشجرة فسيفعل؛ فمن يحرس سراً له حق ردّ المستفسر. لكن ثمة شيئاً لم يحسبه: حين قال العجوز «اذهب»، لم تتوقف مكنسته. لو أراد شيخ حقاً طرد ضيف لأوقفها وعرضها أمامه. أما هذا فظل يكنس. ففهم تشن باوي.
— لن أذهب.
سكت العجوز والمكنسة تعمل. انزلقت الريح من أعلى تاج الجنكة، فسقطت أوراق صفراء. واحدة على كتف العجوز ولم يشعر، وأخرى على ركبة تشن. التقطها: ورقة جنكة مروحية، عروقها تشع من أصل العنق خيطاً خيطاً أدق من الشعر. بدأ اللحم الذهبي ينكمش عند الحواف؛ بني فاتح ثم داكن ثم أسود. لم يبق للورقة عمر طويل. قلبها، فكان ظهرها أفتح، وعند أصل العروق صقيع رمادي أبيض صغير، مسحه بإبهامه فبرد طرف إصبعه.
— وماذا ستفعل إن عرفت؟
توقف العجوز، وأسند المكنسة إلى الأرض واستقام. تسلقت الشمس قمة الجبل الشرقي، وضرب أول شعاع رأس الجنكة. صار الورق الذهبي شفافاً، لا يعكس الضوء بل يبدو هو مصدره؛ كل عرق ظاهر، كقطعة يشم رقيقة إلى الغاية تنمو فيها أوعية ذهبية.
— لا أحتاج أن أفعل شيئاً. جئت لأنظر فحسب. تكفيني نظرة.
لم يجب العجوز فوراً. وقف تحت الجنكة ينظر إلى تاجها، والشمس ترسم على وجهه ظلالاً متداخلة. لم تتحرك الظلال لأن الريح تحركت، بل لأن الضوء تحرك والشمس صعدت. لم يكن على وجهه تعبير، لكن تشن أدرك أن عبارة «تكفيني نظرة» طرقت قلبه؛ طرقاً خفيفاً كظفر ينقر جرساً قديماً.
— وبعد أن تنظر، ترحل؟
— أنظر أولاً ثم نرى.
أسند العجوز المكنسة إلى الجنكة، فانغرز خيزرانها في شق من اللحاء كأن موضعها الطبيعي هناك. استدار إلى البيت، مشى ثلاث خطوات، وتوقف. رأى تشن كتفيه يهتزان قليلاً، لا التفاتاً بل شهيقاً. ثم قال بصوت أخفض، كأنه يخاطب الجنكة لا الضيف:
— ادخل. لا يزال عندنا شاي.
كانت الغرفة الرئيسية صغيرة: مائدة مربعة تقليدية في الوسط، وأربعة مقاعد طويلة. المائدة من السرو، سطحها يلمع من المسح، وعلى طرفها علامة حرق مستديرة سوداء من مصباح زيت، غائرة في عروق الخشب. على الحائط صورة باهتة لعلها لغوان يو؛ ذهب نصف طلاء وجهه الأحمر ولم تبق سليمة إلا عين واحدة. أسفلها صورة أبيض وأسود لرجل وامرأة شابين بثياب أوائل الجمهورية. وقف الرجل مستقيماً وقد أدار وجهه قليلاً، كأنه التفت إلى أحد قبل أن تضغط الكاميرا. والمرأة شبكت يديها على أسفل بطنها، شفاهها مطبقة بلا ابتسام ولا توتر؛ سكون من يعرف أنه يُصوّر. غطت الصورة زجاجة قديمة فيها شق من الركن الأعلى يمضي مائلاً حتى كتف المرأة، خيط دقيق معلق هناك.
جلس تشن باوي إلى المائدة. كان المقعد ضيقاً لا يحتمل إلا ردفيه، فرفع قدمه اليمنى على ركبته ثم أنزلها وبدل وضعه. أنَّ المقعد المتعب. دفع العجوز إليه قدحاً من المينا، أبيض عليه حروف حمراء لم يبق منها إلا هيئات الضربات، وقد انكسر من حافته جزء صغير، فاسود تحته معدن الإناء.
— في الجبل شاي، ليس طيباً. اشربه على أي حال.
وضع العجوز يده على المائدة. جلد ظهرها رقيق حتى تظهر مسارات العروق الزرقاء الخضراء من اليد إلى المعصم ثم تختفي في الكم. مفاصله كبيرة، لا منتفخة بل عظام؛ يد إنسان عاش أكثر من مئة عام وانحسر عنها اللحم كله. أظافره مشذبة بإتقان، لا مقصوصة بل مقشورة بنصل.
شرب تشن رشفة. كان الشاي مراً، لا من كثرة الورق بل من قدمه حتى لم يبق فيه إلا قليل مرارة في عوده. ارتدت المرارة من أصل لسانه إلى حنكه ثم إلى حلقه. لم يعبس؛ فقد ذاق في حياته ما هو أمرّ: ماء الكوبتيس للحمى، وشاي الكودين الذي صنعه من لحاء شجرة وهو عالق في جبل ثلجي، وشاي الطوب الأخضر المتعفن الذي أخرجه راهب قديم من تحت وسادته في معبد متهدم بشانشي. لم يكن هذا الشاي مراً، بل قديماً؛ قديماً إلى حد أن عشرات السنين نُقعت في كوب ماء ساخن.
— يا عم، ما اسم عائلتك؟
لم يجب فوراً. حمل قدحه ونظر إلى بخاره، عمود رفيع يصعد مقدار كف ثم ينقطع، ثم عمود آخر. لامست شفتاه حافة الكوب دون أن يشرب، ثم وضعه.
— شِن.
— العم شِن، كيف أناديك؟
— لا حاجة لمناداة. اشرب وارحل.
قالها ثم بدا كأنه فوجئ بها، وسكت قدر نَفَسَين وشرب رشفة كأنه يتخلص بالشاي من حرج لا حرج الضيف بل حرج كلمته؛ لأنه يعرف أنها ليست صادقة. من يريد طرد شخص حقاً لا يصنع له الشاي.
لم يرد تشن. أفرغ قدحه، وبقيت طبقة من ثفل أسود كقشر يوسفي قديم مهشم. وضعه: طق، ثم قام إلى الباب. لم يخرج، بل وقف على العتبة الخشبية الملساء. غاص وسطها، على مر مئة سنة من أقدام تدخل وتخرج، بعمق ثلاثة أصابع تقريباً. وقف في الغور ورفع رأسه إلى الجنكة.
تسرب ضوء الصباح من فجوات تاجها فرسم على الأرض ذهباً مكسراً. لم يكن يتحرك من ريح، بل من الشمس الصاعدة؛ كلما صعدت مقدار إصبع تغير الرسم. مالت ورقة نصف بوصة إلى اليسار فتحولت بقعة الضوء من دائرة إلى بيضاوي، واتسعت الزاوية بين غصنين فاتسعت شقته الرفيعة من النور. كانت الجنكة كلها منظاراً حياً متعدد الألوان، تقطع الشمس إلى شظايا لا تحصى وتنثرها بالتساوي كأن يداً في السماء تنخل الضوء. وفجأة قال تشن، كأنه يحدث نفسه لكن العجوز سمعه:
— كم عاماً عشت تحت هذه الشجرة؟
لم يجب العجوز. لم يكن امتناعاً عن الجواب، لكن طريقة السؤال خاطئة؛ «كم عاماً» رقم للناس، أما لهذه الشجرة فالرقم فقد معناه. ما الفرق بين مئة ومئتين، أو بين مئتين وثمانمئة، إذا طال الأمر أكثر من عمر الإنسان؟
استدار تشن هذه المرة إلى العجوز:
— ما الذي تحت الشجرة؟
جلس العجوز إلى المائدة، يحمل قدحه ولا يشرب، يحدق ببخار الشاي. خف البخار وبرد الشاي. طال الصمت حتى سكن سطح الماء، وحتى انتقل ضوء النافذة من يسار المائدة إلى يمينها، وحتى رأى تشن أصابع الشيخ العشرة ترتعش برفق؛ ليست رجفة كبر، بل كأنها تمسك حبلاً خفياً، وفي الطرف الآخر شيء يريد الانفلات.
وكاد تشن يظن أنه لن يجيب، حين خرج صوته من الغرفة؛ لا من حنجرته بل من عمق صدره، ككلام يقال في قاع بئر جافة، يتسلق كل حرف من عمق بعيد، يقف في منتصفه ثم يصعد.
— كيف عرفت أن تحت الشجرة شيئاً؟
— أنا خبير فنغشوي منذ أربعين سنة. أرى الفرق بين شجرة وشجرة بنظرة. بعض الشجر يصارع إلى أعلى، ينهب الشمس والمطر ولا يكف عن النمو. هذه لا تفعل. تعرف أن وقتها طويل، فلا يهمها العلو. ما يهمها أن تضرب إلى أسفل. بل هي لا تتجه إلى أسفل، بل تفترش إلى الجانبين، كما لو أن إنساناً انبطح ومد ذراعيه ليضغط شيئاً؛ لا ليعانقه، بل ليمنعه من النهوض. رأيت مثلها مراراً، دائماً عند التقاء سلسلتي جبل؛ ويسمى في فنغشوي «فم القفل». لا تنبت شجرة فم القفل كيفما اتفق، بل تُغرس عن قصد. من غرسها يعرف أن في الأسفل شيئاً.
تقدم تشن إلى وسط الباحة ورسم بطرف حذائه خطاً متخيلاً حول الجنكة.
— انظر إلى اتجاه الجذور. في العادة يكون الغرب مجرى ماء، والشرق ناحية الشمس، والجنوب إلى أسفل الجبل. أما جذورها، وقد تحسست اتجاه التراب البارحة طوال الليل، فهي تضرب شمالاً. لا سبب لذلك: في الشمال جدار جبل، ولا ماء ولا شيء يفترض وجوده. لكنها تمد نفسها إليه. لا تبحث عن الماء؛ بل تبحث عن ذلك الشيء الذي تحت الأرض، الذي تضغطه، والذي ما زال يتنفس.
ساد الصمت ثانية. وضع العجوز قدحه، فجاء صوت ارتطامه أعلى مما توقع لأن يده ترتعش. قام ووقف إلى جانب تشن عند الباب. كان تشن أقصر من شِن تشينغشان بنصف رأس، لكن ظليهما الممدودين في شمس الصباح بديا متساويين: خطان طويلان عبرا بلاط الباحة إلى أصل الجنكة وتراكبا.
— القصاصة التي رأيتها أرسلتها أنا مع شخص.
— مع من؟
— لا أعرفه. في كل خريف يمر تاجر جوال يشتري منتجات الجبل عند مدخل القرية. هذا العام قطفت ورقة من الشجرة وكتبت على ظهرها بالسخام الأسطر الأربعة. وضعتها على حجر أزرق. رآها التاجر وسألني ما هي، فقلت إن أحداً طلب مني وضعها هنا. لم أعرف من هو. ظل ينظر إلى الورقة طويلاً، ثم قال إن في البلدة التالية نزلاً، وإنه يستطيع أن يسأل هناك. قلت نعم، ورحل. لا أعرف أذهب ليسأل بعد ذلك أم لا، ولا كيف وصلت الرسالة إلى يدك. الشجرة هي التي جعلتني أكتبها. قالت لي الشجرة: لا بد أن يأتي أحد.
التفت تشن إلى العجوز. كان وجهه الجانبي نحيلاً في الضوء، عظام وجنتيه بارزة ومحجرا عينيه غائرين، وبينهما جلد رقيق يكاد يشف. وعلى العظم ندبة قديمة تمتد قطرياً من الوجنة اليسرى إلى زاوية الفك، أقدم من بيت شِن تشينغشان، منذ اليوم الثامن من الشهر القمري الثاني عشر، السنة السابعة والثلاثين للجمهورية. ومع ذلك كان صوته هادئاً؛ لا هدوء شيخ تعب فيقول «دع الأمر»، بل الهدوء الذي يبقى بعد أن يفهم الإنسان كل شيء: كثفل الشاي في قاع الكوب، لا مرّ ولا حلو، حقيقته الهادئة التي لا تحتاج تفسيراً.
— وماذا قالت لك الشجرة أيضاً؟
— قالت: لقد حان الوقت.
حين نطق الكلمات الأربع تغير صوت شِن تشينغشان فجأة، لا ضعفاً بل خفة؛ كورقة جنكة تنفصل عن رأس شجرة علوها أكثر من مئة قدم، تتأرجح في هبوطها. تراها تهبط وتعرف أنها ستبلغ الأرض، لكنك لا تعرف متى بالضبط. لا ترى إلا دورانها مرة في الريح، ثم مرة أخرى.
لم يسأل تشن باوي المزيد. أخرج غليونه وحشاه وقدح النار. لم يستنشق النفس الأول، بل أبقاه في فمه منتظراً أن يواصل العجوز الكلام. وكان العجوز ينظر إلى الجنكة، وظلها يقصر ببطء مع ارتفاع الشمس.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.