كان شِن تشينغشان في الرابعة بعد المئة. لم يكن يبدو شاباً؛ وجهه وجه رجل بلغ المئة فعلاً، لكن عينيه لم تكونا كذلك. في أعماقهما شيء حي، لا رغبة في النجاة بل انتظار. انتظار أن تنتهي مسألة ما.
قاد تشن باوي إلى الجبل الخلفي، لا إلى أي موضع منه، بل إلى أبعد مكان امتدت نحوه جذور الجنكة، منخفض على بعد ثلاثة أميال. فيه فسحة تنبت فيها أعشاب غريبة بيضاء شاحبة، كأن لونها امتص منها. وقف شِن أمامها بلا كلام. قرفص تشن واقتلع عوداً؛ كان جذره أسود كسواد الحبر لا كسواد التراب. شمه فلا رائحة، ومضغه فخز لسانه. بصقه فرأى نقطة من عصارة سوداء لا تتبدد، كالحبر.
— ماذا تحت هذا المنخفض؟
لم يجب شِن مباشرة، وحدق في العشب الأبيض وقال ما بدا بلا صلة:
— السنة السابعة والثلاثون للجمهورية. كان عمري سبعة عشر عاماً.
انتظر تشن.
— كانت عائلتي في هوبي، في شِن جيايوان، عشيرة كبيرة تضم مئات البيوت. كان أبي شِن هوايتانغ كاتباً في القضاء. أغضب إنساناً، لا مسؤولاً عظيماً؛ أخطأ في نسخ وثيقة رسمية، فكتب اسماً خطأ، وكان وراء ذلك الاسم أمر كبير إلى حد أنه احتاج إلى موت أناس. في اليوم الثامن من الشهر القمري الثاني عشر من تلك السنة كان البرد شديداً. لم ينضج بعد حساء لابا، وكانت نار الموقد قد انطفأت لتوّها، حين جاء قوم بفصيلة إلى بيت شِن.
لم يكونوا جنوداً، بل رجالاً بثياب رمادية وبنادق طويلة. عرفت قائدهم، فقد جاء القضاء من قبل وصب له أبي الشاي. يومها لم يشرب. وقف في الصالة وفي يده ورقة من خط أبي، وقال: «شِن هوايتانغ، أأنت كتبت هذا؟» قال أبي: «نعم». لم يفسر. كان كاتباً منذ سبعة وعشرين عاماً ويعرف متى يفسر ومتى لا يفسر. وفي تلك اللحظة اختار ألا يفعل، لأنه عرف أن هؤلاء لم يأتوا للمنطق بل ليطلبوا أرواحاً.
أخفى أبي أخي الصغير شِن تشينغخه في القبو تحت المطبخ، ومدخله لوح حجر. كان في التاسعة ولم يرد النزول، قال: «أبي، أريد أن أبقى معك». قرفص أبي وحشر في يده كعكة من دقيق الذرة وقال: «انتظر هنا، سأناديك بعد قليل». ثم أغلق اللوح برفق حتى لم يصدر صوتاً. وخرج أبي بي وبأختي شِن تشينغمياو، وكان عمرها اثني عشر عاماً، لمواجهة القوم.
كان في الصالة ستة. جلس القائد عند المائدة التقليدية واضعاً ساقاً فوق ساق، لا ينظر إلينا بل إلى لوحة شعبية على الحائط: تشونغ كوي يصيد الأشباح. اصفرت اللوحة من دخان الموقد، لكنه ظل يتأملها طويلاً، ثم قال بصوت خرج من بين أسنانه: «شِن هوايتانغ، قلمك هذا، أتدري كم إنساناً أضر؟» لم يقل أبي شيئاً، بل جذبني خلفه وسترني بجسده. أحسست يده ترتعش، لا خوفاً بل كبتاً. لم يكن مقاتلاً؛ أثقل عمل في حياته طحن الحبر وقص الورق. لكن جذبه لي يومذاك كان قوياً حتى طقطقت مفاصله.
ثم لم تنفع المواجهة. أطلق أولهم النار في صدر أبي، لا في الهواء. ظل أذناي تطنان طويلاً بعد الطلقة. سقط أبي إلى الخلف فضرب رأسه العتبة، وسال الدم من صدره عبر بلاط الآجر إلى الخشب. لم يدخل الخشب، بل انتشر على عروقه في الجانبين كخريطة.
وسل الثاني سكيناً قديمة في ظهرها شقوق وعلى نصلها صدأ أحمر داكن، ليس صدأ الحديد. وقفت أمي أمامي. لم تصرخ ولم تبك، بل وقفت فقط. وحين هبط السكين انحنى جسدها، لا إلى الأمام بل انهار إلى أسفل كحزمة قش قطعت من وسطها.
خرج شِن تشينغخه من القبو. لا أعرف إلى اليوم كيف دفع لوح الحجر الذي لا يقل وزنه عن أربعين أو خمسين جيناً، وهو ابن تسع؛ لكنه دفعه وركض إلى الصالة. رأى أبي على الأرض، فانفتح فمه لا للبكاء بل كانفتاح سمكة ألقيت على الشاطئ. استدار الثالث وسدد البندقية إليه. دوى الطلق، فطار جسده إلى الحائط الطيني وشقه من ظهره إلى السقف. أخذ الدم يتسرب من الشق نقطة نقطة على غطاء قدر حديد عند الموقد: طِن، طِن، طِن.
وأصابني سكين من كتفي الأيسر مائلاً من الترقوة إلى الضلع. كان الجرح طويلاً لا عميقاً لأني تراجعت خطوة. مر النصل على بعد إصبعين من عنقي، ثم أغمي علي. آخر ما رأيته كان تشينغمياو، مختبئة وراء جرّة ماء زرقاء كبيرة نصف ممتلئة. سطح الماء يرتجف من دوي البنادق. كانت قرفصاء، جسدها ضئيل وعيناها مفتوحتان جداً، وشفتاها تتحركان بلا صوت. كانت تعدّ: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. قالت لي بعد ذلك إنها كانت تعد الطلقات؛ لا من الخوف، بل لأنها لم تعرف ماذا تفعل غير العد. بلغت الخامسة ثم انتهى الأمر. سمعت وقع أحذيتهم يبتعد، وسمعت أنين جار مسن دفعوه عند الباب، وسمعت ماء المطبخ يغلي زمناً ولا أحد يطفئه: غلغل، غلغل. ثم جف الماء واحمر قاع القدر، وانتشرت رائحة الاحتراق في البيت القديم.
رأت تشينغمياو كل شيء: كل طلقة وسكين وسقوط. لم تكن عينا طفلة في الثانية عشرة تتسعان لهذا القدر، فاتخذ دماغها قراراً: وضع كل شيء في صندوق غير مرئي وأغلقه، ثم ضاع مفتاح القفل إلى الأبد.
ظل صوت شِن هادئاً كأنه يروي حكاية غيره.
— حين أفقت كان نصف البيت قد انهار محترقاً. مات أبي وأمي وأخي. كانت تشينغمياو قرفصاء بجانبي، لا تتحرك. بقي جسدها لكن روحها غابت؛ نسيت كل شيء، اسمها واسمي، ولم تتذكر إلا أني أخوها.
صمت تشن ثم قال:
— ثم هربت بها.
— سنة كاملة، من هوبي إلى قويتشو، أكثر من ألف لي، حتى وصلنا يونشي.
— لماذا هنا؟
خفض شِن رأسه إلى العشب الأبيض.
— لأن شجرة الجنكة كانت تناديني.
لم يسأل تشن. خلال أربعين عاماً في فنغشوي رأى قبوراً لا ينبت فوقها عشب لأن تحتها عروق معدن، ورأى ماء بئر يحمر من صدأ طبقات الصخر، وبيوتاً قديمة تزعجها الأشباح لأن أساسها فوق قبر عتيق. لكنه لم ير شجرة «تنادي» إنساناً من مئات الأميال. فأشعل غليونه وسأل:
— ثم ماذا؟
— سكنت هنا وغرست الجنكة. وتعافت تشينغمياو يوماً بعد يوم، لكنها لم تتذكر ما مضى. قلت لها: أنت زوجتي، اسمك شِن تشينغخه. جئنا فارين وقد مات أهلنا ولم يبق سوانا. صدقتني، وصدقت كل شيء لأنها لم تعد تتذكر شيئاً.
— وإلى متى صدقت؟
— حتى اليوم. سبعة وثمانون عاماً.
اهتز صوته أخيراً، لا نشيجاً بل شيء أعمق وأثقل. أمضى سبعة وثمانين عاماً ينطق كذبة، حتى نمت في عظامه فلم يعد يعرف أي الكلام كذب وأيه حقيقة. أطفأ تشن غليونه بنعله.
— لماذا نادتك الشجرة؟
لم يجب. قرفص شِن وأزاح الأعشاب البيضاء، فكشف عند جذورها تراباً أزرق أسود، كأن شيئاً يتسرب من تحت الأرض. أدخل إصبعه فيه بوصة واحدة ثم توقف.
— ضع يدك هنا. المسها.
قرفص تشن ووضع يده على الطين. ما إن لامسه حتى سحبها. لم يكن حاراً بل بارداً؛ لا برد طين الخريف، بل برد الأعماق، لا درجة حرارة بل إحساس، كأن شيئاً في باطن الأرض نظر إليه بعينه.
— أحسست؟
لم يجب تشن، لكنه أحس. لم يكن ما لمسه تراباً، بل شيئاً يعرفه ولا يستطيع تسميته. مر عليه هذا الإحساس ثلاث مرات في أربعين سنة: عند مخرج مجرى ماء جوفي في سفح كونلون، وفوق تل ردم قبر كبير من أسرة تشو الغربية في شانشي، والآن.
— فما الذي تحت الشجرة؟
نهض شِن ونفض الطين عن يديه ونظر إلى الجنكة البعيدة، قائمة في الريح، أوراقها الذهبية تومض في ضوء الخريف كشيخ يرفض أن يقول شيئاً.
— ألم يكن مكتوباً في قصاصتك؟ تحتها شيء لم يستيقظ.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.