لم يرحل تشن باوي تلك الليلة. أعد شِن تشينغشان له الغرفة الغربية: سرير ومائدة ومصباح زيت، وفي ورق نافذتها ثقوب تدخل منها الريح فتدفع لهب المصباح جانباً ثم تعيده. لم ينم تشن، بل جلس يعيد قراءة القصاصة: «تحت هذه الشجرة شيء لم يستيقظ. الوليّ راحل، فمن الآتي؟» عرف الآن من هو الولي، أما الشيء فلم يعرفه. فتح النافذة؛ بدت الجنكة في ضوء القمر كرجل واقف منحني الرأس، لا نائم بل يحرس.
سمع خطوات شِن خلفه ولم يستدر.
— يا عم شِن، قل لي الحق. لم تعش كل هذه السنين لصحة جسد أو هواء الجبل. عشت لأنك لا تجرؤ أن تموت. أتخاف أن يخرج ما تحت الشجرة حين تموت؟
وقف شِن عند الباب، وظله طويل في القمر. لم يقل شيئاً، وكان صمته جواباً. استدار تشن:
— متى بدأ ذلك الشيء هنا؟
قال شِن بصوت آت من أعماق الأرض:
— لا أعلم. في عامي الأول، حين غرست الجنكة، ظلت جذورها تضرب إلى أسفل ثلاثة أيام وثلاث ليال. وفي الليلة الثالثة رأيت حلماً. لم يكن حلماً؛ نمت قرب الشتلة فأوصلت إليّ إحساسها. عبرت الجذور طبقة تربة رخوة، ثم رملاً أصفر جافاً كرماد لا ماء فيه، ثم حصى نهرياً مدوراً صقلته مياه جوفية عشرات آلاف السنين. تسللت الجذور بين شقوقه، وسمعت عندها صوتاً كعظم يعبر باباً ضيقاً.
ثم بلغت تربة سوداء، لا تربة عادية بل تربة غاب عنها الضوء دهوراً. ارتجفت الشتلة عند لمسها، لا خوفاً بل تعرّفاً، كمن يمشي ليلاً بعيداً فيرى ناراً أخيراً. ثم لمست الجذور ذلك الشيء.
كان ضخماً إلى حد أن كلمة ضخم لا تصفه. ليس صخراً ولا معدناً ولا حيواناً ولا إنساناً. كان نائماً، لكنه يتنفس؛ زفير طويل وشهيق طويل، لا تقاس مدتهما بالثواني بل بالسنين وبمئات السنين. إذا شهيق مال مجرى المياه الجوفية قليلاً إليه، وإذا زفير فاضت عيون الجبل بمزيد من الماء. وعند ملامسة الجذر له فتح عينه؛ لا عين حقيقية، بل شق دقيق في سطحه خرج منه ضوء أبيض بارد، ليس ضوء شمس ولا قمر، كأنه آت من عشرات آلاف السنين. أضاء طرف الجذر كيراعة ثم انطفأ. نظر إلي، أو نظر إليّ عبر الجذر. عرف أن إنساناً على السطح غرس شجرة لقمعه، فلم يغضب؛ ألقى نظرة وعاد إلى نومه.
منذ ذلك اليوم عرفت أن الشجرة لم تغرس لتنمو بل لتقمع. ثم فهمت أمراً آخر: لم تكن تقمعه فحسب، بل تكلمه. تنقل إليه ما فوق الأرض: صوت الريح، وثقل المطر، وأعشاش الطيور، والإحساس الدقيق لسقوط أوراق الخريف؛ تحوّل ذلك إلى لغة يفهمها ما في الأعماق وتقول له: لا يزال فوقك بشر، لم ينساك أحد، نم قليلاً وانتظر.
— وما الذي تقمعه؟
— تلك النَّفَس.
اقترب تشن، وضوء المصباح على وجه شِن الهادئ ويده المرتجفة.
— هل رأيته؟
بعد صمت طويل فرقعت فتيلة المصباح وأضاءت الغرفة ثم أظلمت.
— رأيته مرة في الثالثة والسبعين. هطل مطر عظيم سبعة أيام وسبع ليال، ففتح السيل التراب عند الجذور. لم يكن مطراً عادياً، بل كأن السماء ثقبت وانسكبت من رأس الجبل. قالت تشينغخه: «أخي، أخاف أن ينهار الجبل». قلت لا، لكن قلبي لم يكن واثقاً. في الليلة السابعة سمعت من المنخفض دويّاً مكتوماً، لا رعداً بل شيئاً تحرك في عمق الأرض، حتى خدر باطن قدمي. توقف المطر صباحاً فخرجت بعباءتي.
رأيت الجذور مكشوفة، لكن أنصافها السفلى تغيرت: لم تعد خشباً بل حجراً رمادياً أسود، أشد سواداً من البازلت وأصلب من الفحم، كحديد لا يصدأ. ملمسه بين المعدن والكائن الحي؛ تقول أطراف أصابعك إنه كان حياً. ولم يحدث التحجر دفعة واحدة؛ بدأ عند طرف الجذر، فكلما صعدت صار خشباً، وكلما نزلت صار حجراً، وبينهما انتقال نصف خشب ونصف حجر: بقيت عروق الخشب لكن مادة حجرية ملأتها كصورة تغطيها صورة أخرى.
وعلى الحجر خطوط، ليست محفورة بل نابتة من داخله، كعروق أو أوعية، كأن جذور الشجرة طبعت نقشتها فيه. لم تكن عشوائية، بل خريطة مركزها النقطة تحت الجنكة، تتشعب كأنهار: واحد إلى اثنين، ثم أربعة، ثم ثمانية، حتى تصير أدق من الشعر. غير أن نهاية كل خط حلقة صغيرة، كالنقطة أو العين. اتبعت بإصبعي الخطوط فلم تبلغ نهاية؛ كانت تعبر الحجر والرمل والماء الجوفي، ولا أدري إلى أين تمتد.
قرفصت عند الحفرة تحت شمس ما بعد المطر، وبخار عباءة القش يصعد إلى وجهي، ولم أتحرك لأن يدي بقيت على الحجر. أحسست شيئاً يسري داخل الخطوط، بطيئاً لزجاً، لا ماء ولا دم، بل شيء أقدم تمتصه الشجرة من الأعماق. يسري من الجذر الحجري إلى الجذر الخشبي ثم إلى الجذع والأغصان وكل ورقة جنكة. لهذا أوراق الخريف ذهبية؛ لم تصفرها الشمس بل صبغتها نَفَس الأرض. وكل ورقة تسقط تأخذ معها قدراً يسيراً من تلك النَّفَس، وبعد السقوط لا تعود الشجرة تطرده، فقد فرغت، حتى تمتص من جديد في الربيع.
طال صمت تشن ثم سأل السؤال الذي لم يرد سؤاله:
— وهل تعرف أختك، تشينغخه؟
هز شِن رأسه.
— لا تعرف شيئاً، ولا تعرف حتى لماذا تسمى القرية يونشي.
— ولماذا؟
— بعد ثلاثين سنة من مجيئي استيقظنا صباحاً فإذا فوق رأس الجنكة سحابة. رأتها تشينغخه أولاً وهي تنشر الغسيل؛ حجبت الشمس بيدها وقالت: «أخي، انظر، سحابة فوق الشجرة». كان الجو صافياً في كل مكان إلا هناك. خرجت أحمل قدح المينا لفرشاة الأسنان ورأيتها: سحابة بعرض نصف غرفة، على ارتفاع ثلاثة تشانغ تقريباً، زرقاء بيضاء كجليد بحيرة ذاب في الشمس، وحوافها شفافة يظهر من خلالها السماء.
لم ترحل. بقيت في الموضع نفسه؛ ظننتها ستتبدد بعد أيام، لكنها بقيت ثلاثة أشهر ثم سنة ثم ثانية وثالثة. ليست السحابة ذاتها، فقد رأيتها بأشكال مختلفة: في صباح الربيع زرقاء فاتحة رقيقة كالشاش، وفي عواصف الصيف سوداء حبرية ثم تعود زرقاء بيضاء بعد المطر. أشد ما تكون في غروب الخريف فتغطي نصف التاج، وفي الشتاء حين تحاصر الثلوج الجبل تطير كل السحب إلا هي: حلقة ثلج على الرأس، فوقها سحابة رقيقة، وفوقها سماء زرقاء؛ ثلاث طبقات جميلة. فسماها أهل القرية يونشي، موضع راحة السحاب.
لكنني أعلم أنها ليست سحاباً، بل ما تزفره الشجرة. تمتص النَّفَس من الأعماق ولا تستطيع حبسه، فتحوله إلى بخار ماء وتخرجه من ظهر الأوراق. يصعد إلى مستوى التاج ويتوقف، لا لأن الريح لا تدفعه بل لأنه لا يريد الرحيل؛ يحمل حرارة الشيء تحت الأرض، وهي أبرد من الهواء، فيبلغ طبقة لها حرارته فيطفو ولا يتحرك، كراية مغروسة في قمة الجنكة.
تقول السحابة لكل من يراها إن شيئاً في الأعماق حي، ليس ميتاً بل نائم، وإن نومه غير مستقر وقد ينقلب في أي لحظة. الشجرة والرجل مثل ذراع تضغط غطاء سرير؛ ما دام الذراع لا يرتفع، لا يستيقظ من تحته. حرس شِن سبعة وثمانين عاماً، ويعرف أن ذراعه لن تقوى على الضغط بعد الآن، ولذلك جاء تشن باوي.
وقف تشن عند الباب ونظر إلى الجنكة الساكنة كلوحة قمرية، لكنه عرف أن وراء اللوحة شيئاً يستيقظ.
— متى يستيقظ؟
جاء صوت شِن من خلفه خفيفاً بطيئاً:
— يوم أموت.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.