كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/12 · وصية روح الشجرة — الفصل 5
الفصل السابق

12 · وصية روح الشجرة — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

أقام تشن باوي في يونشي سبعة أيام. في الثلاثة الأولى لم يفعل إلا الدوران حول الجنكة، من الجذور إلى منخفض العشب الأبيض على بعد ثلاثة أميال ثم العودة، ببطء كأنه يقيس الأرض بقدميه ويرسم في قلبه خريطة شبكة الجذور. وفي الليلة الرابعة وجد ما يبحث عنه: إلى الشمال الغربي، على بعد ميلين، صخرة ضخمة لا تقل عن ألف جين، أسفلها شق لا تدخل فيه الإصبع. أدخل فيه شريحة خيزران دقيقة، فبلغت ثلاثة أقدام، وحين سحبها كان نصفها مبللاً بسائل رمادي أسود بلا رائحة. رفعها إلى القمر، فوجد السائل يضيء ضوءاً ضعيفاً من ذاته كيراعة، لا يعكس ضوء القمر.

قرفص عند الصخرة ونظر إلى النور الضئيل. فعرف: لم يكن «شيئاً» بل نَفَساً، كتلة نَفَس عتيقة محبوسة في باطن الأرض، أقدم من القرية والجنكة وعائلة شِن. ظل طويلاً ثم قال للقمر: «إذن أنت الذي ناديتني.»

وكانت شِن تشينغخه في الرابعة بعد المئة أيضاً، لكنها تبدو أصغر من شِن تشينغشان، لا في الجلد بل في الروح. في عينيها سكينة من عاش محمياً عمره كله؛ ليست براءة، بل كمن يعيش في بيت جدرانه غليظة فلا يسمع أعاصير الخارج.

وخلال الأيام السبعة لاحظ تشن ما لا يلاحظه الآخرون. في اليوم الأول كانت تنشر لحافاً وتضربه بعصا خيزران: طق، طق، طق، فيطير الغبار ذهباً دقيقاً في الشمس. مر بها فتوقف نَفَسها لحظة. نظرت إليه ثم عادت، لكن نظرتها لم تكن نظرة عجوز لغريب؛ كأنها شمّت فيه رائحة مألوفة. عرف لاحقاً أنها رائحة التربة الأزرق السوداء من تحت الشجرة، تلك التي علقت بأطراف أصابعه يومين. شمّتها ولم تقل شيئاً.

وفي اليوم الثاني كانت تخيط تحت الإفريز معطفاً رمادياً بالياً. جلست إلى كرسي خيزران، وسلة الإبر والخيوط والمقص والثِّمبل عند قدميها. كانت غرزها دقيقة، وشفاهها تتحرك كأنها تعدها. مر بها تشن عائداً من الجنكة فقالت من غير أن ترفع رأسها:

— نعل حذائك رقيق. سأصنع لك زوجاً مبطناً حين أفرغ.

نظر إلى حذائه؛ كان النعل قد اهترأ فعلاً من طريق الجبال وثلاثة أيام المشي حول الشجرة. لم يخبرها ولم تنظر إلى قدميه. شكرها فلم تجبه، قلبت المعطف وأكملت. وبعد بضع خطوات التفت فرآها توقف الإبرة فجأة وترفع رأسها لا إليه بل إلى الجنكة، تحدق طويلاً بنظرة تعرّف، كأنها تنظر إلى شخص تعرفه منذ زمن بعيد، ثم تخفض رأسها كأن شيئاً لم يحدث.

وفي اليوم الثالث أمطر الخريف مطراً ناعماً على أوراق الجنكة. جلست تشينغخه في الصالة تخيط، لا كمن يخيط ثوباً للبس بل كمن يؤدي طقساً؛ في كل غرزة ثقل، لا ثقل القماش بل ثقل الزمن. جلس تشن عند الباب يقيه المطر، وبينهما مائدة، لا كلام إلا صوت الإبرة تخترق القماش وصوت الخيط يشد: تش، تش، كأن شخصين يتنفسان بإيقاعين مختلفين.

— أنت خبير فنغشوي؟

— نعم، منذ أربعين عاماً.

— كان العجوز شِن ينظر في فنغشوي أيضاً.

لم يصحح لها تشن؛ لم يكن شِن خبيراً، بل رجلاً دفعه القدر إلى هذه الشجرة. قالت إنها تعرف أن الجنكة لا تقطع، وأن زوجها قال إن قطعها يجلب كارثة ثم ابتسم ولم يشرح؛ «أشياء كثيرة لا يقولها، وأنا لا أسأل.» لم يكن في صوتها استسلام ولا شكوى، بل هدوء من جلس طويلاً إلى بئر وعرف أن في قاعها ماء ولم يفكر قط أن ينزل ليراه.

كانت تخيط معطف رجل، في أكمامه ثلاث طبقات من الرقع وعلى كتفيه رقع أخرى. الأزرق الداكن للرقعة والرمادي الفاتح الأصلي صارا بغرزها ملتحمين حتى لا يرى المرء وصلاً. سألها: «منذ كم تصلحين هذا المعطف؟» توقفت يدها وقالت: «لا أذكر. يتمزق فأرقعه، ثم نلبسه فيتمزق فأرقعه.» رفعت الثوب إلى الضوء، فصنعت الرقع الرقيقة والسميكة ظلالاً متفاوتة على المائدة، ثم قالت وهي تبتسم قبل أن يخبو فمها: «انظر، رقعت ثوباً طوال هذه السنين. لم يبق القماش الأول؛ الذي نرتديه الآن خيط لا قماش. والإنسان كذلك. إذا عاش طويلاً لم يبق منه نفسه الأولى، لا يبقى إلا الرقع.»

عندئذ فهم تشن أن تشينغخه ليست أخت شِن ولا زوجته بالاسم فقط، بل الحارس الآخر للجنكة. لم تحرس ببوصلة ولا تعاويذ، بل بإبرة وخيط، بطبق ساخن، وبكلمة لا تسأل. حرس شِن ما تحت الشجرة؛ وحفظت تشينغخه ما فوقها. أحدهما ثبّت الأرض، والأخرى رتقت السماء.

عاد تشن من شق الصخرة في آخر الليل، فرأى تحت الجنكة وعاء نودلز بارداً فوقه بيضة مقلية، وإلى جانبه قصاصة بيضاء لا حروف فيها بل سهم يشير إلى الوعاء. حمله وعرف صاحبه. لم تعرف تشينغخه أين ذهب ولا ماذا يبحث، لكنها عرفت أنه سيعود ليلاً جائعاً. أكل النودلز البارد تحت الشجرة؛ تجمد صفار البيضة، ومع ذلك كان أطيب نودلز أكله.

في صباح اليوم الخامس قال لشِن تشينغشان:

— لا داعي أن تحرس وحدك. سأجد طريقة.

لم يكن ذلك وحشاً ولا شبحاً، بل عرق الأرض، محبوساً فيه نَفَس منذ الأزمنة الأولى. اخترقت جذور الجنكة طبقة حصاه وغرزت أطرافها في النَّفَس، فصارت الشجرة هوائي عرق الأرض الوحيد فوق السطح. حين يتحرك العرق تتبدل عصارتها من رقيقة إلى لزجة كالدم إذا تحول من وريد إلى شريان، ثم يطلق تاجها رائحة لا يشمها الناس وتحملها الريح ثلاثة أميال. ولهذا رأى شِن في المنام؛ لم يكن حلماً، بل نشاط عرق الأرض يعرضه دماغه كحلم لأنه لا يملك عضواً آخر لتلقيه.

— ولماذا نحرسه؟

— كي لا يستيقظ. إن استيقظ تغيرت عروق الأرض هنا، انهارت الجبال وتحولت مجاري الماء واضطرب نَفَس الأرض لمئات الأميال. وستحس الأشياء القديمة المدفونة بذلك، فتعرف أن ما فوقها تغير وتحاول الصعود.

— وما تلك الأشياء القديمة؟

لم يجب تشن، بل أخرج حجراً بحجم كف مصقولاً، عليه رسم وحش بأربع قوائم وقرون تنمو إلى أسفل لا إلى السماء. قال إنه وجده عند سفح كونلون، وإن الرعاة قالوا إن أسلافهم تركوه مع قول: تحت الأرض أشياء ليست أشباحاً ولا شياطين ولا خالدين، بل أقدم منها؛ كانت على الأرض يوم انفصلت السماء عن الأرض، ثم نزلت حين كثر البشر، ولم تمت بل تنتظر أن يقل الناس وينسوها، ثم تعود.

وضع الحجر على المائدة، فصنع الوحش في ضوء المصباح ظلاً مائلاً.

— جنكتك لا تضغط شيطاناً؛ إنها تسد طريقاً إلى تحت الأرض.

— وماذا تقصد من قولك هذا؟

— أنك حَرست عمرك كله وحَرست جيداً. الآن جاء وقت تبديل الحارس.

— بمن؟

نهض تشن وأعاد الحجر إلى صدره، ونظر إلى شِن وفي عينيه ضوء:

— بي.

في صباح اليوم السابع رحل شِن تشينغشان. لم يمت، بل اتخذ قراراً. أخرج من عمق الخزانة صندوقاً خشبياً فيه صورة صفراء ودفتر مهترئ ومفتاح، وسلم المفتاح إلى تشن. «مفتاح البيت القديم في شِن جيايوان بهوبي. أساسه لا يزال قائماً، قد تحتاج إليه يوماً.» أخذه تشن ولم يسأل؛ عرف السبب.

جلس شِن طويلاً ينظر إلى الجنكة من النافذة، ثم قال: «قلت لتشينغمياو… لا، تشينغخه… سأخرج لأتمشى. سألتني إلى أين؟ قلت إلى مدخل القرية. ابتسمت وقالت: عد مبكراً، الطعام في القدر. قلت نعم، ثم خرجت.» تأمل تشن أوراق الجنكة تسقط ورقة بعد ورقة، كأن الشجرة تخلع ثيابها حتى لا يبقى سوى أغصان كهيكل عظم. قال شِن: «هي لا تعرف أني لن أعود.»

— أتندم؟

لم يجب. مضى إلى الجنكة ووضع يده على لحائها الخشن، عروقه المتشققة كعروق يد شيخ، وربت على الجذع كوداع صديق. «رافقتني سبعة وثمانين عاماً. حين غرستها لم تكن أعرض من عود طعام، والآن لا تستطيع أن تطوقها.» سكت ثم قال: «تعرف الشجرة كل شيء، لكنها لا تقول شيئاً.»

انزلقت يده عن الجذع. استدار لا إلى البيت بل إلى مدخل القرية. مشى ببطء، كأن كل خطوة تشدها قوة، ولم يتوقف. عند المدخل وقف من غير أن يلتفت. حملت الريح نصف صوته المتكسر إلى تشن، وكان نصفه كافياً:

— قل لها ألا تنتظر الطعام.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.