كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/12 · وصية روح الشجرة — الفصل 6
الفصل السابق

12 · وصية روح الشجرة — الفصل 6

ما وراء الليل

الفصل التالي

وقف تشن باوي عند الباب لحظة.

— يا جدة تشينغخه.

رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة ضحلة كتموج يلمع على الماء ثم يختفي.

— أنت صديق العجوز شِن؟

— يمكن أن يقال ذلك.

— وأين هو؟

— خرج يتمشى عند المدخل.

— آه.

عادت إلى ترقيع الثوب، وغرزها محكمة ويدها ثابتة على غير يد من قاربت المئة. قالت إن شِن في الآونة الأخيرة صار يخرج كثيراً، بعدما كان يمضي النهار في الباحة يكنس أو يقطع الحطب أو يجلس تحت الجنكة؛ في نصف السنة الأخير صار يذهب وحده إلى المنخفض ويعود بعد زمن، وتسأله فلا يجيب إلا بابتسامة. ثم قالت: «إذا عاش المرء إلى عمرنا، فما الذي بقي ليخفيه؟»

سألها تشن: «هل كنت سعيدة معه؟» توقفت الإبرة لحظة ثم مضت: «سعيدة. وهل يمكن أن يعيش اثنان سبعة وثمانين عاماً إن لم يكونا سعيدين؟» فسألها برفق: «وإن اكتشفت يوماً أن بعض الأمور ليست كما ظننت؟» توقفت يدها، ثم رفعت إليه عينيها. لم تكونا عينَي عجوز، بل عينين هادئتين على نحو مخيف؛ لا هدوء من يجهل، بل من يعرف ولا يقول.

— بعض الأمور، ألا نعرفها خير من أن نعرفها. سبعة وثمانون عاماً… ما ينبغي أن أعرفه عرفته، وما لا ينبغي لا أريد معرفته. هو لا يريد الكلام، وأنا لا أسأل.

فهم تشن فجأة: لم تكن تجهل قط، بل اختارت ألا تعرف. كي يبقى السر محفوظاً فتعيش مطمئنة. أكان أخاً أو زوجاً أو أيّاً كان، فقد منحها حياة كاملة، وكانت هذه «الكمال» أهم من «الحقيقة».

خرج تشن إلى الجنكة، وهبت الريح من المنخفض فارتجت الأوراق الذهبية جميعاً، لا تسقط بل ترفرف كأن الشجرة تتكلم بلغتها. لم يسمع بأذنيه بل بحدسه الذي جمعه فوق عشرات القمم وبين مئات عروق الأرض. جاء شِن ووقف إلى جواره.

— أخبرتها.

— فصدقت؟

— صدقت. قالت: عد مبكراً، الطعام في القدر.

ابتسم شِن ابتسامة قصيرة كأنها آخر ما بقي له من نفس.

— لنذهب.

لم يقل تشن «حافظ على نفسك». لم يحتج شِن إلى ذلك؛ قضى عمره حارساً لشجرة وكذبة وأخت، وقد سلّم الثلاثة. لم يكن يذهب، بل كان يُطلق سراحه. عند المدخل انحنى لا ليحيي بل ليلتقط ورقة جنكة، تأملها ووضعها في صدره ثم مضى.

عاد تشن إلى الجذع ووضع كفه عليه وأغمض عينيه. لم يكن عملاً من أعمال فنغشوي المعتادة؛ لم يتسلم مهمة لقمع شيء، بل تسلم إنساناً حرس ثمانية وسبعين عاماً. لم يكن ثقل الأمر في التراب، بل في بصمات أصابع الرجل، وفي حفر اللمس الكثيرة على اللحاء، وفي طين الأرض المدكوك بخطاه، وفي كل غصن من المكنسة الخيزرانية.

رفع كفه فوجد عليها غباراً ذهبياً دقيقاً، ليس غبار لحاء بل إفراز الشجرة: جوهر الخشب. للأشجار القديمة روح، وهذا الجوهر لا ينبت الفروع بل ينقل الرسائل من التاج إلى الجذر ومن الجذر إلى الأعماق، رسول الشجرة الوحيد إلى ما تحتها. مسحه في كمه لا ليمحوه بل ليبقيه؛ أراد أن تخبر حرارة جسده الشجرة أن الحارس تبدل.

عاد إلى الباحة، وكانت تشينغخه لا تزال تخيط. وقف عند الباب وقال:

— يا جدة تشينغخه، سأقيم في الغرفة الغربية من اليوم. لن أغادر. أوصاني العجوز شِن أن أبقى وأن أساعد في مراقبة الشجرة والبيت.

توقفت إبرتها، ثم هبطت: تش، وشد الخيط: تش.

— آه.

كان «آه» هذه غير الأولى؛ الأولى أغلقت حديثاً، وهذه بدأت أمراً. لم تسأل متى يعود ولا أين ذهب. ظلت تخيط، لكن غرزها صارت أدق وأكثف، كأنها تخيط ثوباً سيُلبس زمناً أطول.

رتب تشن أشياءه في الغرفة الغربية: وضع بوصلة فنغشوي على حافة النافذة، محفور عليها الجبال الأربعة والعشرون، حروف تركها معلم معلمه بنصل حتى يستطيع أن يتحسس عمقها مغمض العينين. ووضع إلى جوارها حجر كونلون، والوحش ذي القوائم الأربع والقرون النامية إلى أسفل. ثم أخرج ثياباً وغليوناً ونسخة مخيطة مهترئة من «كتاب هزّ التنين». في آخر صفحة بيضاء كتب:

> قرية يونشي. شجرة الجنكة. شق عرق الأرض. الحارس شِن تشينغشان. > وصل في السنة السابعة والثلاثين للجمهورية. حرس سبعة وثمانين عاماً.

رسم تحت العبارة خطاً وكتب: «اليوم يتسلمها باوي.» أغلق الكتاب. لم يعد خبير فنغشوي العابر، بل تشن باوي خليفة شِن حارس الجنكة. لن يسافر ولن يأخذ عملاً جديداً أو يذهب إلى قرى أخرى ليفحص المياه والأرض. تسلم نوبة شِن كحارس ليل يأخذ فانوساً من حارس آخر؛ الزيت باق والنار لم تنطفئ، وكل ما عليه أن يقف.

تأمل الشجرة تحت القمر، والضوء يتسرب من تاجها فيقطع الأرض فضة. ثم فهم أن شِن كان يحرس «ألا يخرج» ما تحتها، أما هو فعليه أن يحرس «أن يظل حياً في الأسفل». كان شِن سداً يسد الفتحة؛ وكان تشن حارس مصباح، مصباح في عمق الأرض، يقف فوقه ليعرف أن هناك بشراً لا يزالون يذكرونه ويرضون بحراسته، فلا حاجة به أن يخرج.

ألصق أذنه بالجذع. لم يسمع نبضاً ولا تنفساً، بل أنيناً بطيئاً للغاية، كأنه يتحرك مرة كل مئات السنين. كانت الجذور المتحجرة تتمدد إلى أسفل بوصة بوصة، عبر الرمل والصخر والحجر الأسود الذي لا يخترقه مثقاب، إلى عمق لا يعرفه. عرف فقط أنه ما دامت الجذور تنمو إلى أسفل فلن تصعد النَّفَس؛ فالجذور ترشدها إلى طريق أعمق وأكثر أماناً.

ربت تشن على الجذع، لا مودعاً إنساناً بل معلناً حضوره لشجرة:

— وصلت. لقد عرفتني.

ارتجت أوراق الجذع مرة، لا من الريح بل لأن الشجرة سمعت.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.