كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/16 · 16 ـــ التنين ذو الشمعة يفتح عينيه
الفصل السابق

16 · 16 ـــ التنين ذو الشمعة يفتح عينيه

ما وراء الليل

الفصل التالي

حين انفتقت السماء والأرض للمرة الأولى، لم يعرف أحد أيَّ ألفية كانت. انقشع الخلط البدئي، فصعد الصافي منه سماءً وهبط الكدر أرضاً. غير أن ما بينهما كان خالياً شاسعاً؛ لا شيء فيه إلا الريح، تهب من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ثم تعود منه، لا جبل يصدّها ولا شجر يوقفها، وظلت كذلك ثمانية آلاف عام. وفي ذلك الفضاء امتدّ تشو لونغ، التنين ذو الشمعة.

التفّ جسده من جبل تشانغوي، واخترق جسده الأفعواني السحاب، وتدلّى زعنفة ذيله فوق قمة جبل تشونغ. كان طويلاً إلى حدّ أنه لا يعرف أين تنتهي ذاته؛ يحس أحياناً أن ذيله يتجمد في سهوب الثلج في أقصى الشمال، فيما رأسه يُشوى فوق مستنقع النار في أقصى الجنوب. وكان وجهه البشري نحو الشرق، يوماً بعد يوم. عند نهاية الشرق سحاب، وبعد السحاب فراغ، وبعد الفراغ لا شيء. لذلك ظل محدقاً بعينيه، وفي بؤبؤيه العموديين نار حمراء ذهبية؛ تضيء السحاب فتضيء الغيوم، وتدفئ الأرض إذا بلغتها. ذلك هو النهار.

كان يرمش، نعم، وكل رمشة تُظلم معها السماء والأرض؛ لكنه لم يجرؤ على إطباق عينيه طويلاً. خاف أن يغلقهما فلا يبقى شيء، حتى الضوء. فبقي مفتوح العينين ثمانية آلاف عام. وفي البرية العظمى كانت الطاقة الروحية غزيرة كنهر جارٍ: ترشح من باطن الأرض، وتتسلل من شقوق الصخر، وتتصاعد من فقاعات المستنقعات؛ لا هي ضباب ولا ماء. كانت بيضاء حليبية شفافة، تصير جداول على ارتفاع ثلاثة أقدام عن الأرض وبحيرات على ارتفاع مئات الأذرع.

رأى تشو لونغ كل جريانها: أرق في الشرق، أغزر في الغرب، متجمداً بلورات في الشمال، وغالياً في الجنوب؛ لكنها لم تفعل غير الانحدار من العالي إلى المنخفض، ومن الحار إلى البارد، في دورة لا بدء لها ولا نهاية. كان السكون عظيماً. فتح فمه مرة يريد صوتاً، لكن صوته كان هائلاً حتى ارتجّت السماوات والأرض، وتساقطت الصخور وتمزق السحاب، فأطبقه مسرعاً ولم يعد يتكلم إلا نادراً. كان صوته الرعد، ونفَسه الريح والمطر. أما دموعه، فلم يعرف بعد ماذا يمكن أن تصير؛ فلم يبك منذ ثمانية آلاف عام.

ثم ظهر البشر الأوائل. رآهم: تراكمت الطاقة الروحية حتى تجسدت؛ بدأت كتلة ضباب، نمت فيها العظام، ولحمٌ على العظام، وجلد يكسو اللحم. نهضوا على الأرض عراة، تغطيهم ندى الطاقة الروحية. فتحوا عيونهم فلم يروا إلا العتمة، لأن تشو لونغ كان ينظر غرباً والشرق غارق في ظله. أحسوا بالريح وببرودة الأرض وبشيء يسري في الجو، لكنهم لم يبصروه، ومدوا أيديهم يتحسسون.

لامست أصابعهم الحجارة، وابتلت الأكف بالماء، واصطدمت الأذرع بآخرين. أصدروا أصواتاً قصيرة ماتت في الفراغ كقطرات ماء تقع في الرمل. وسرعان ما تعلموا التجمّع، ظهورهم إلى ظهور بعضهم، يستمدون الدفء من الأجساد. وانفصل أجرؤهم وسار حيث شعر بأن الريح أدفأ. رأى بعد مسير نقطة ضوء واهنة، كلؤلؤة تحت الماء. التصق وجهه بالطين فعرف أنها طاقة روحية تتسرب من باطن الأرض.

فالطاقة نفسها لا تشع، لكن حين تندفع سريعاً وتصطدم بهواء السطح تولّد وهجاً خافتاً. لم ينر إلا مساحة كف، لكنه كان كافياً: رأى الرجل يده. زحف آخرون يبحثون عن المواضع المضيئة، ألصقوا وجوههم بالأرض وحفروا الطين لتخرج الطاقة أسرع، فتجمعت الأضواء وأنارت رقعة صغيرة من العالم.

عندها أدار تشو لونغ رأسه إلى الشرق. طلع النهار، ورأى البشر النور لأول مرة: لا الوهج الضئيل، بل نوراً حقيقياً جاء من الشرق وملأ الدنيا، صبغ السحاب بالذهب والحمرة، وأظهر حدود الجبال وكل حجر وكل حبة رمل. رأى بعضهم وجوه بعض والسماء والغيوم والجبال البعيدة؛ ارتخت سيقان بعضهم فسجدوا، وسال ماء من عيون آخرين. لم يكن لديهم اسم للدموع، ولم يعرفوا لماذا انتفخ شيء في صدورهم حتى حناجرهم ومحاجر عيونهم ثم فاض.

رفعوا رؤوسهم يفتشون عن مصدر النور، فرأوا تشو لونغ ممتداً بين طرفي الوجود، لا رأسه يُرى ولا ذيله؛ وجهه البشري مرسوم في قبة السماء وعيناه العموديتان مشتعِلتان. كانت النار حية تدور في محجريهما وتبث في كل دورة آلاف الأميال من الضوء. لم يجرؤ أحد على الحركة أو الكلام؛ منهم من دفن وجهه في التراب، ومنهم من ارتعش، ومنهم من وقف جامداً. لكن تشو لونغ انتبه إليهم: كانوا صغاراً جداً، ومع ذلك كانوا أول شيء حي يراه يتحرك على الأرض خلال ثمانية آلاف عام.

انحنى لينظر أوضح. هبط وجهه الهائل من السماء ضاغطاً الغيوم والسماء معه. رأى البشر وجهاً لا يمكن وصف ضخامته، ونور عينه أشرس من الشمس، فأطبقوا عيونهم، لكن الضوء اخترق جفونهم وحوّل العالم إلى أحمر. لم تكن له نية أذى، لكنهم لم يستطيعوا معرفة ذلك. ارتعشوا ظانين السماء ستسقط، بينما رأى هو أطرافهم ورؤوسهم وملامحهم، ورآهم يمشون ويصدرون صوتاً ويتجمعون، وعلى أقدامهم طين مضيء. صار بين السماء والأرض مخلوق حي آخر.

توقفت النار الدوارة في عينيه، وحدق طويلاً، ثم رفع وجهه ببطء إلى موضعه وعاد الضوء طبيعياً. فتح البشر عيونهم فوجدوا السماء والغيوم والجبال باقية، وراحوا يشيرون إلى الأعلى ويطلقون صيحات «آه». صاح الجميع، يشيرون إلى التنين وإلى أنفسهم وإلى بعضهم، يريدون قول الكثير ولا يملكون الكلام. ومن ذلك اليوم تعلم البشر أن يرفعوا رؤوسهم.

كانوا ينظرون كل يوم إلى النور الخارج من عينيه، يطلع من الشرق ويمسح السماء إلى الغرب. عرفوا أن للضوء مساراً: إذا أتى من الشرق صار نهاراً، وإذا ذهب إلى الغرب صار ظلاماً. هكذا عرفوا الليل والنهار بأنفسهم. وللمرة الأولى وُجدت الأسماء؛ سُمّي اتجاه الإنارة «الصباح»، واتجاه العتمة «الغسق»، وتدحرجت الأصوات على الألسن حتى ثبتت: الكلمات الأولى. سمعها تشو لونغ، ولم تكن كالريح أو الرعد؛ كانت منظّمة ودالة، يتبادلها هؤلاء الصغار ليخبر بعضهم بعضاً.

شعر، لأول مرة، بأن صدره لم يعد فارغاً بالقدر نفسه. لم يكن ذلك «وحدة»؛ فالوحدة فقدان، أما هذا فشيء نشأ فجأة من العدم، كأن شيئاً شدّ صدره الخالي. تعلّم البشر بعد ذلك البحث عن الظلال، حيث يبقى وهج الطاقة أقوى بعيداً عن ضوء تشو لونغ؛ يحفرون الأرض ويدهنون أجسادهم ووجوههم وحجارة طقوسهم بالطاقة المضيئة كي يراهم. وكان يراهم بالفعل: نقاط زرقاء خافتة تتحرك وتتجمع وتفترق، كأن للأرض عيوناً صغيرة لا حصر لها تحدق به.

مرّت ثمانية آلاف سنة أخرى. لم يتعب جسده الإلهي، لكن عينيه اللتين رأتا كل شيء مرات لا تحصى أصابهما سآم أعمق. صار البشر من عشرات إلى مئات وآلاف، يسكنون الجبال والماء والكهوف، لكنهم جميعاً يرفعون رؤوسهم إليه؛ كان نورهم واتجاههم الوحيد في العتمة. عندئذ خطرت له للمرة الأولى فكرة أفزعته: «ماذا لو لم أكن هنا يوماً؟» وهو المولود مع السماء والأرض! لكن جفونه أخذت تثقل؛ لا نوماً، بل ثقل ثمانية آلاف عام من النور المتراكم في محجريه. أراد أن يغلق عينيه.

أقنع نفسه أنها لحظة صغيرة: لدى البشر وهج الأرض والطاقة التي يدهنون بها أنفسهم، ولن يغرقوا تماماً في الظلام. وفي يوم، بعدما مرت عينه العمودية في مسارها المعتاد، لم تظل مفتوحة. بدأ جفنه العظيم، الذي يحجب نصف السماء، يهبط ببطء. في الأرض كان البشر ينحتون الصخر ويحفرون طين الطاقة، وبعضهم يشعل النار المكتشفة حديثاً بشرارات حجرين على العشب الجاف؛ ضوء أصفر حار ومؤقت.

كان أول من رأى التغير رجلاً جريئاً: أظلم الشرق فجأة، كأن يداً محَت الضوء من السماء. أطلق صيحة فرفع الجميع رؤوسهم، فرأوا عين تشو لونغ الأبدية تُطبق. انكمش النور الأحمر الذهبي شِبراً شِبراً، من الجبال والأنهار ومن فوق الرؤوس إلى تحت الأقدام. تمدد الظلام من الشرق كمدٍّ وطوفان وسقوط سماء؛ ركض الناس إلى الكهوف والقمم، وانطرح بعضهم وعانق بعضهم، وبكى الأطفال وصرخ الشيوخ، ورفع الشباب حجارةً عبثاً، ودفنت النساء وجوههن في الطين.

رآهم تشو لونغ وجفنه في منتصف الطريق؛ حاول التوقف وفتح عينه، لكن الأوان فات. اندفع نعاس ثمانية آلاف عام دفعة واحدة، وثقل جفنه كالجبل. خرج آخر خيط نور من بؤبؤه على وجوه شيوخ في المقدمة، عليها طين ودموع ورسوم ضوئية، ثم انطفأ. لم يكن ظلاماً عادياً، بل سواداً مطلقاً لم تعرفه البرية العظمى: سماء سوداء كالقماش وأرض كهاوية، لا غيم ولا جبل ولا إنسان مرئي، كأن الفوضى البدئية عادت.

انفجرت الصيحات. حفر الناس في الظلمة طيناً مضيئاً، لكن وهجه بدا كشعلة على وشك الموت. في الليلة الأولى لم ينم أحد؛ جلسوا متلاصقين، يسمعون أنفاسهم ويبكون ويرتجفون ويكررون الكلمة التي تعلموها لتوهم: «نور، نور، نور». لكن النور لم يعد. أحس تشو لونغ، وهو مغمض العينين، أن الظلام الذي كان الضوء يكبته قد عاد فملأ كل شق؛ سمع بكاء البشر الصغير البعيد، وانقبض صدره بإحساس لا اسم له، لكنه كان متعباً جداً. وكانت آخر فكرة له قبل النوم: «لحظة أخرى فقط، ثم سأفتح عيني.»

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.