كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/18 · انكسار جبل بُوتشو — الفصل 2
الفصل السابق

18 · انكسار جبل بُوتشو — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

في تيار معتم بأقصى قاع النهر، رقد يو فو. انكمش ذيله حول جسده كجنين، وغلفه طين كثيف في شرنقة، ولم يكن حوله إلا الظلام. ثم تحركت خياشيمه قليلاً، فدخلت معها ذرات ذهبية دقيقة كالغبار: شظايا ذاكرة تشوان شو.

دخلت شظية إلى رأسه، إلى قصر الوعي المنهار الذي كان مستودع الروح والذكريات، فسقطت كورقة في بئر جافة. ارتعش يو فو ورأى فتى بثوب خشن، يحمل شرائح الخيزران ويجلس في كوخ يدرس أمام شيخ أبيض الشعر يتلو «ذخائر الداو الغامض اليِن»، سر عشيرة غونغ غونغ. ثم انطفأت الصورة.

عند موت تشوان شو تحطم بحر وعيه تماماً، وتبعثرت حياته في مئات الملايين من القطع مع ماء النهر إلى أنهار المقاطعات التسع. غاصت قطع في القاع أو طفت أو علقت بالعشب والحصى. وابتلعتها الأسماك.

ابتلعت سمكة شبوط زرقاء شظية ظنتها برغوث ماء، فذاب الدفء في بطنها وصعد إلى رأسها. فجأة عرفت مدينة: أسواراً عالية وأعلاماً عليها الشمس والقمر؛ إنها دي تشيو، عاصمة الإمبراطور. لم ترها قط، ومع ذلك رأت كل لبنة وقرميدة وراية، لأنها ابتلعت ذكرى استعراض تشوان شو للوزراء فوق سورها.

وابتلعت سمكة فضية شظية من طفولته، حين مات الإمبراطور الأصفر وتولى شاو هاو. سار الصبي تشوان شو خلف نعش جده في ثوب الحداد، لا يفهم الموت إلا أن جده لن يوقظه أو يروي له حكايات الفوضى الأولى. فعرفت السمكة الحزن وبكت، وضاعت دموعها في الماء.

وعرفت ثالثة الغضب: حرب تشوان شو وغونغ غونغ، حين صدم غونغ غونغ جبل بُوتشو فقطع عمود السماء وانفصلت دعائم الأرض، فمالت السماء شمالاً غربياً وغاصت الأرض جنوباً شرقياً. وعرفت رابعة الخوف، وخامسة الشك، وسادسة الحب والبغض، وسابعة الربح والخسارة. وعرفت أخرى حلماً وقت القيلولة، وأخرى طعم ثمرة برية أكلها الفتى، وأخرى صقيع صباح انقلاب الشتاء في فناء القصر.

هكذا فرّقت الشظايا حياة كاملة: ساعة أو لحظة أو فكرة أو شعور أو لحن أو رائحة أو وجه أو ذيل جملة. ابتلعتها الأسماك كلها.

لاحظ الصيادون أولاً. في مساء عادي ألقوا شباكهم، فلما رفعوها وجدوا السمك ساكناً يحدق بهم بعيون تثير قشعريرة الظهر. مد صياد جريء يده إلى أكبر شبوط، فنطق الشبوط:

— سور دي تشيو أعلى من هذا الجبل. بُني من تراب الألوان الخمسة: الأزرق شرقاً، والأحمر جنوباً، والأبيض غرباً، والأسود شمالاً، والأصفر في الوسط. حمله الأمراء بأيديهم، ودوّت الطبول عشرة أيام وعشر ليال.

صرخ الرجل: «وحش!» وتراجع. وقالت السمكة الفضية بصوت امرأة باكية: «يا جدي، لا تذهب. لم أتعلم كل تعاويذك ولا سمعت كل حكاياتك». وصاحت ثالثة بصوت شيخ مهيب: «غونغ غونغ! لقد هدمت عمود السماء، وموضع دفنك اليوم عند بُوتشو!» وقالت رابعة بصوت صبي: «يا أمي، أرز الدخن اليوم عطر». وهمست خامسة بصوت فتاة: «من هذا؟ لماذا يجعلني نظره أرتبك؟».

تكلمت مئات الأسماك دفعة واحدة، تبكي وتضحك وتنشد وتتشاتم وتخطب. قفز الصيادون مذعورين إلى الماء. وبقيت الشبكة على القارب في ضوء القمر، تتلألأ فيها شرارات ذهبية وأسماك لا تكف عن الكلام.

قيل إن في النهر أسماكاً شيطانية تقلد البشر، لكن الأمر أفظع: كانت تقلد الذكرى. امتلكت ما ليس لها فلم تعد تعرف ذاتها. سمكة ابتلعت طفولته حسبت نفسها إنساناً؛ انفصلت عن قطيعها وبنت في القاع كهفاً فيه مكتب من حجارة، وتلوت كل يوم فصول «ذخائر الداو الغامض اليِن». وسمكة ابتلعت ذكرى إحدى محظياته طاردت كل أنثى بصوت رقيق مخيف وتنادي اسم المحظية.

وكان الأخوف سمكة سلور ضخمة ابتلعت ذكرى الحرب. جنّت وصارت تفترس كل حي، تصرخ عند كل فريسة: «غونغ غونغ، إلى أين تهرب؟» حتى صار في النهر ملك سلور طوله خمس قامات، تفوح منه هالة قتل.

أما يو فو فظل نائماً في شرنقته، لا يدري أن ذاكرته تسلبها بلايين الأسماك، وأنها تتكلم وتضطرب وتتأرجح بين الإنسان والبهيمة. كان يمتص شظايا قليلة ويحلم بحلم طويل مشوش: مرة سمكة تسبح حرة، ومرة إمبراطور على العرش، ومرة سمكة على عرش التنين أو إمبراطور يغرق في النهر.

أخذ قصر وعيه يعاد بناؤه بغير نظام، ككتاب ممزق جُمعت منه أوراق عشوائية. وأحياناً يفتح عينيه الحمراوين فيسأل الظلام: «من أنا؟» فتسمع كل أسماك النهر سؤال تشوان شو، وترفع رؤوسها مجيبة معاً: «أنت الإمبراطور»، «أنت السمكة»، «أنت زوجي»، «أنت عدوي»، «أنت أنا». لم يسمعها يو فو، وغاص في النوم من جديد، بينما ظل العرق الروحي يتدفق.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.