العروق الروحانية مسالك طاقة منذ فتح السماء والأرض: ارتفع الصافي سماءً وهبط الكدر أرضاً، وتكثف خالصه عروقاً مدفونة كعروق الجسد، تغذي النبات والحيوان والإنسان. شهدت العصور الأولى اندفاعاً عظيماً منح الكائنات الإدراك، ثم استقرت العروق مئات آلاف السنين. موت تشوان شو وعودته كحجر في ماء ساكن أيقظاها.
تغير ماء النهر الأحمر إلى ذهب أحمر؛ صارت طاقته كثيفة تكاد تسيل، والمغرفة منه لزجة كالعسل ومضيئة، وجرعة واحدة تعدل أشهراً من تنفس الممارس. نمت الأعشاب والأشجار بجنون؛ ارتفع ذيل الثعلب تسع أقدام في ليلة، وتضاعف تاج صفصاف عتيق في ثلاثة أيام وصارت أغصانه المغموسة تشع ذهباً.
اجتمعت الطيور والوحوش لتبدّل أجسادها. نبت لغزال شرب الماء قرنان يَشميان؛ وبدلت كركية حمراء التاج ريشها بعد ثلاثة أيام بريش أبيض كالثلج تتألق أطرافه كالنجوم؛ وسلخت حية ترابية جلدها في اليوم السابع وصارت تنيناً صغيراً وبروز قرنين في رأسها.
ثم مسّت الطاقة الأسماك الحاملة للذكريات. أولها شبوط ملوّن عاش ثمانين سنة، هرم، باهت الحراشف، ابتلع ثلاث شظايا من حروب الإمبراطور. أحاطته الطاقة فتشقق جلده وتجددت حراشفه مراراً، حتى صار وحشاً أحمر ذهبياً طوله عشر قامات، وحراشفه كأحجار الرحى، وله شوارب ذهبية طويلة وأنياب وزعنفة كالرماح. وصارت عيناه عينَي إنسان، عينَي إمبراطور.
صعد إلى السطح وقال بصوت عميق: «قدتُ جيشي شمالاً وراء الهون، فقطعت ثلاثين ألف رأس. كانت الريح يومها باردة كهذه». ففرت الطيور والوحوش من الضفة.
وتحولت سلحفاة قديمة ابتلعت ذكريات معالجة الطوفان؛ ظهر على درعها رسم جبال وأنهار يوافق مجاري المقاطعات التسع، وقالت بصوت تشوان شو: «معالجة الماء لا تكون بالسد بل بالتصريف؛ فالسد يغضبه والتصريف يسويه». وابتلع ثعبان ماء أبيض ذاكرة الموسيقى، فتحرك بين الأعشاب على إيقاع النغمات الخمس والأنغام الاثني عشر، وصار خرير الماء لحناً سماوياً حزيناً. وابتلعت سمكة سوداء خوف الموت فجنّت وراحت تصيح طوال الليل: «لا أريد أن أموت! بقي الكثير!».
لم تعد الأسماك ناطقة وحسب، بل مخلوقات بين السمكة والإنسان والروح الشيطانية؛ بعضها ظل سمكاً بعقل البشر، وبعضها نبت له وجه أو أطراف، وبعضها صار نصف إنسان نصف سمك. وابتلعت سمكة خضراء ذكرى «فصل الأرض عن السماء»، أعظم أعمال تشوان شو، حين أمر الإلهين تشونغ ولي بقطع طريق السماء: فلا تنزل الآلهة لتعيث بين البشر ولا يصعد البشر للتجسس عليها. قفزت وصاحت: «للسماء والأرض ناموس، وللإنسان والآلهة حد!» فتجمعت السحب مئات الأميال. ثم اختفت في القاع، ولا أحد عرف هل سلكت العروق أو صارت إنساناً.
شعر المتنسكون في الجبال بارتفاع الطاقة إلى ستة أو سبعة أعشار ما كانت في القدم، فاخترق الشيوخ عتباتهم وظهرت أعمدة نور بين القمم. لكن الطاقة فقدت صفاءها؛ فيها جنون الوحش المستيقظ. من استنشق كثيراً رأى شظايا ليست له: قتالاً ووحشة إمبراطور وخوف موت وحيرة بعث؛ فيصاب بعضهم بضرر المسالك وبعضهم بالانحراف.
وتقاطر وحوش الأرواح من الغابات والمستنقعات والصحارى إلى النهر: أفاعٍ برأسين وقرن، وثعالب تسعة الذيول بيضاء تتقد ناراً ثعلبية، وتنانين مجنحة تحجب السماء، وقرود تنشد الشعر للقمر. شرب بعضهم في هدوء، وغاص بعضهم يطلب أصل العرق، وطمع بعضهم في الأسماك ليأخذ ميراث الإمبراطور. فاندلعت معارك: عضّ سلور الملك ساق كيلين مائي وجره للقاع؛ وحاول طائر بنغ ذهبي خطف الشبوط الملك فضربه الذيل إلى الماء مبلل الريش.
لكن الجميع تجنب أعمق موضع في النهر، حيث ينام يو فو. أحسوا بسلطة الإمبراطور وغريزة السمك المتشابكتين في الظلام، فلم يجرؤ وحش على إيقاظه. وكان يحلم حلماً طويلاً.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.