كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/18 · انكسار جبل بُوتشو — الفصل 4
الفصل السابق

18 · انكسار جبل بُوتشو — الفصل 4

ما وراء الليل

الفصل التالي

كم نام يو فو؟ عشر سنوات أم خمسون أم مئة أو أكثر؟ لم يكن الزمن يعني شيئاً داخل الشرنقة: لا شمس ولا قمر، لا ربيع ولا خريف، بل طين وماء وظلام. ومع القرون ازدادت الشظايا التي امتصها، وأعاد قصر وعيه المنهار جمع أقل من نصفه، مشوشاً مقلوباً لكنه كافٍ لقدر من معرفة الذات.

صار يستيقظ أكثر، ويزداد حيرة: هل الفتى في الكوخ هو هو؟ وهل الإمبراطور على السور هو هو؟ وهل السمكة السابحة هو هو؟ فيضرب ذيله فيثير طين القاع ويجعل النهر يهيج، أو يزأر فتنبثق أعمدة الماء، أو ينكمش مرتعشاً كرجل عجوز فقد ذاكرته في ظلامه.

شعرت الأسماك بألم إمبراطورها، فطافت حول الشرنقة تهمس بصوته القديم: أغاني طفولته، وعرائض قرأها، وكل قول مهم نطق به. أرادت إيقاظه، لكنها زادت فوضاه. ومضى أكثر من مئتي عام.

ثم جاءت سمكة كروسيان صغيرة عادية، بحجم الكف وحراشف رمادية. لم يلتفت إليها أحد، لكن في بطنها شظية خاصة بالغة الصغر: اللحظة الأخيرة من تفكير تشوان شو قبل انطفاء وعيه. طافت مئة سنة، غاصت في الطين وعلقت بالعشب وابتلعتها الأسماك وأخرجتها، ولم تهضمها واحدة، لصغرها الذي يقارب العدم. لكنها كانت لب الذكرى كلها:

«لست إلهاً؛ أنا إنسان فحسب.»

لامست السمكة الشرنقة بشفتيها، فانشق فيها صدع. نظر إليها يو فو بعينين حمراوين، فتيبست خوفاً. جذبتها قوة خفية إلى خياشيمه، فابتلعها مع الشظية.

دوّى رعد في بحر وعيه. كانت الشظية مفتاحاً فتح باباً أُغلق قروناً. تجاوبت كل الشظايا في الوقت ذاته؛ أضاءت ملايين القطع في كل أنهار المقاطعات التسع، مأكولة أو طافية، واخترق نورها الماء إلى القاع. وفي النهر الأحمر رفعت عشرات آلاف الأسماك رؤوسها وهتفت بصوت واحد:

— أنا تشوان شو!

ارتج جسد يو فو، وتهشمت شرنقته، وانكشف جسده نصف الأفعى نصف السمكة. أعيد بناء الذكريات لا وفق الزمن بل وفق المشاعر: اجتمع الغضب مع الغضب والحزن مع الحزن والفرح مع الفرح والخوف مع الخوف، كجداول تصب في بحر وعي كامل.

استعاد تشوان شو نفسه: الإمبراطور الأسود، حفيد الإمبراطور الأصفر، وزير شاو هاو، واحد الأباطرة الخمسة وصاحب فصل الأرض عن السماء. عادت إليه أمجاده وإهاناته وحروبه ومعالجة الماء، من أحب ومن كره، ما أنجز وما لم ينجز، وموته في النهر وتحوله إلى يو فو، وقرون نومه وحيرته. بعث من جديد، في هيئة لم يخترها.

تأمل جسده، وشعر بالماء يجري في خياشيمه وبالحراشف تحتك بالتيار وبقوة ذيله وبنبض النهر يجيبه.

— فهمت، ضحك بمرارة. لم أعد أنا القديم.

حرّك ذيلاً لم يتحرك قروناً، فكوّن دوامة وصعد سريعاً. انفجر سطح النهر، وخرج الوحش ذو التسع قامات في ستار ماء وقوس قزح. رأى السماء لأول مرة بعد البعث؛ السماء والأرض كما هما، وهو ليس كما كان.

رأى نباتات ووحوشاً فتح هو عقلها، والأسماك التي ابتلعت ذاكرته، والنهر وقد اتسع عشرة أمثال وصار ذهبياً تتصاعد طاقته كضباب. وقال: «لقد ولّد سقوطي هذا التحول؛ ولا أعلم أهو نعمة أم نقمة».

جاءه شبوط الملك الذهبي، الذي ابتلع ذكريات الحرب، وانحنى: «يا مولاي، استيقظت». سأله تشوان شو إن كان ابتلع ذاكرته. قال: «ثلاث شظايا من حروبك. بها ثبتُّ وصرت ملكاً، وبها حبست؛ لا أدري أأنا سمكة أم إمبراطور».

صمت تشوان شو طويلاً، ثم نظر إلى السحب حيث أحس بأنفاس سلالته من ملوك البشر. قال للشبوط وللأسماك: «لست إمبراطوركم بعد اليوم. أنا سمكة عادت إلى الحياة». هزت هذه العبارة النهر كله، فهي صدى العبارة الأخيرة: لست إلهاً، أنا إنسان؛ أما الآن: لست إمبراطوراً، أنا سمكة.

اختار أن يترك التعلق. فقد رأى خلال نومه وتشظي ذاكرته أن مجد العرش زائل وأن فصل الأرض عن السماء موجة في نهر التاريخ. مات واستمر العالم، وعاد لكنه تبدل؛ فلم الإصرار؟

تحول جسده. انكمش الجسد الأفعواني السمكي، وانطبقت الحراشف وتشكّلت، وانشق الذيل وصارت العظام ساقين. صارت الحراشف رداءً أخضر داكناً، وصارت الخياشيم زخارف على ياقته، وعاد القرنان إلى الجمجمة. وبعد أنفاس وقف على الماء رجل في منتصف العمر، نحيل مهيب، طويل الشعر وعيناه ذهبيتان فاتحتان، حافي القدمين لا يغوص، تحيط به سكينة جبل قديم.

صاحت الأسماك: «يا إمبراطور!» فهز رأسه: «لا تسموني كذلك. مات تشوان شو؛ والذي عاش سمكة فقط». وأمر الشبوط الملك، لأنه يحمل ذكريات الحرب، أن يحرس النهر من المعتدين. وقال للأسماك إن ذكرياته منحتها عقول البشر، فلم تعد سمكاً عادياً بل أرواح النهر؛ عليها أن تعيش متآلفة وتتساند، فلا تستقوي ولا تفتح القتل.

ثم أحس أن شظاياه في كل مياه الأرض، وأنها فجرت العروق وأن العروق أنجبت أرواحاً لا تعد. قال: «ظننت، وأنا إمبراطور حياة كاملة، أني أتحكم بكل شيء، ثم عرفت أني لا أتحكم حتى في موتي. ما مضى يكفيني. سأبحث عن منبع العروق، عن القوة التي تدير السماء والأرض». ومشى فوق الموج شمالاً بلا التفات، بينما أنشد ملك الشبوط وجموع الماء مرثية ثلاثة أيام.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.