كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/18 · انكسار جبل بُوتشو — الفصل 5
الفصل السابق

18 · انكسار جبل بُوتشو — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

رحل تشوان شو، لكن الرحيل كان بداية أسطورة أخرى. مضت قرابة ألف وخمسمئة سنة. ظل النهر الأحمر نهراً أحمر، لكن ضفتيه تبدلتا: بسبب الاندفاع الروحي صارت الأرض مقاماً مقدساً للممارسين، وبنيت مدن وراء مدن لمن وفد من المقاطعات التسع، يؤسسون المدارس أو يتنفسون الطاقة أو ينقبون عن آثار الإمبراطور القديم.

وظلت الأسماك لا تحصى، تورث شظايا الذاكرة في الدم جيلاً بعد جيل. صارت أذكى من أسماك الأنهار الأخرى، تتكلم وتقرأ وتعرف تاريخ العصور الأولى. يسمع الملاحون من القاع أصوات الدراسة، وتخرج سمكة أحياناً لتحيي المسافرين بصوت أجش ثم تسقط فتتطاير رشاشات ذهبية.

جاء الشعراء والكتّاب من كل مكان ليسمعوا، فدوّن بعضهم أقوال السمك في كتاب «لغة السمك»، وفيه أسرار من زمن تشوان شو، منها ما عرفه المؤرخون ومنها ما جهلوا. وركب دارس يدعى جي شيوان في النهر، فحادثته سلحفاة عجوز يوماً وليلة عن حرب غونغ غونغ، فكتب «قصيدة حديث سلحفاة النهر الأحمر». وكان أبلغ ما فيها قول السلحفاة: «قال الإمبراطور: من كان إمبراطوراً فليس إلهاً بل إنسان؛ والإنسان ينبغي أن يعرف بؤس الناس ورغباتهم وهمومهم وأفراحهم. إذا عرفها استحق أن يكون إمبراطوراً».

وتجددت طاقة المقاطعات كلها: ينابيع في الوديان، أعشاب جامحة في الغابات، طيور روحانية في السماء ووحوش تحت الأرض. استفاد شيوخ كسروا حواجزهم وشبان تسارعت ممارستهم، بل طال عمر العامة ممن تنفسوها. لكن تحت الازدهار كمين: فمصدر الطاقة موت تشوان شو وعودته، وفيها ألمه وذاكرته المكسورة وحيرة بعثه. لذلك حلم بعض الناس بالحرب والذبح، واستيقظ بعضهم يبكي وحشة الإمبراطور، واستولى خوف الموت على آخرين. ومع الزمن هدأت هذه الآثار، إذ استمر الاندفاع نحو خمسين عاماً ثم استقر العرق وشفي جرح الأرض.

أما الذاكرة فلا تفنى. غنت الأسماك حياته: «وُلد الإمبراطور في شو تشيو، ونشأ في تشيونغ سانغ، وتعلم في شوان يِن، وحارب عند بُوتشو، وحكم في دي تشيو، ومات في النهر الأحمر، وصار يو فو». وغنت: «جسد الإمبراطور أفعى وسمكة، قلبه شمس وقمر، ذكراه أنهار، وتنهدُه رعد». وغنت: «ليس الإمبراطور إمبراطوراً، وليست السمكة سمكة؛ الإمبراطور هو السمكة والسمكة هي الإمبراطور».

وأين كان تشوان شو؟ سار شمالاً وراء مسالك العروق، عبر البرية والجليد والمستنقع والمحيط، بثوب أخضر وآثار تضيع في الأعوام. لم يمشِ كإمبراطور، بل كسمكة عاشت، ينظر إلى الأشياء بندّية؛ يجالس الحطّابين، ويعلم الرعاة الصغار الكتابة، ويشرب مع الشعراء التائهين تحت القمر، ويدل المسافرين الضائعين في المطر. لم يعرفه أحد؛ حسبوه ناسكاً جوالاً ذا هيبة وكلام غير عادي لا يقول اسمه.

كان يجد في العيش العادي فرحاً لم يعرفه في حكمه. واتبع العروق إلى جبل مجهول، وفي بطنه شق عميق يفور منه طاقة لها رائحة الطاقة التي انفجرت يوم موته. وضع يده على صدره، فوجد أن نبض ما في الأرض يوافق نبضه تماماً.

فهم: قلبه الإمبراطوري سقط عند موته في أعماق الأرض، فصار منبع عرق. ظل القلب ينبض، وكل نبضة تطلق طاقة إلى الجهات، وتحمل أعمق عواطفه: تنهدات لا تنتهي. تنهد لموته، ولصيرورته يو فو، ولتشظي ذاكرته، ولعودته، ولصعود الكائنات وهبوطها. من ألصق أذنه بالأرض يسمع تنهد الإمبراطور منذ أكثر من خمسة آلاف عام.

وقف عند الشق ثم ابتسم، أول ابتسامة حقيقية بعد بعثه، ومضى شمالاً. خلفه استمر النهر والأسماك تغني، ووصل نشيدها إلى أذنه عبر الجبال والسهول والقرون.

في طريقه مر بالنهر بعد أزمان، فرأى غرسة خوخ كان قد غرسها صارت شجرة ضخمة، ورأى صبية من البشر والأسماك يتبادلون الحكايات. قال لسمكة صغيرة سألته من يكون: «كنت سمكة ذات يوم». ولما قالت متعجبة: «كيف صرت هكذا؟» أجاب: «لأني مشيت طريقاً طويلاً». قفزت السمكة إلى الصخر تريد أن تمشي فسقطت عائدة إلى الماء، فضحك ضحكة طفل، وقال: «لا تعجلي. اسبحي الآن، فإذا طال عمرك عرفت معنى المشي».

كلما اتجه شمالاً قل الناس حتى صار وحيداً على سهل الثلج. لم يحس بالبرد، فكل نبضة من قلبه المدفون ترسل فيه دفئاً؛ لكنه أحس بفراغ خافت عند حافة الوعي. رأى بحيرة مجمدة تحتوي في عمقها هيكلاً هائلاً لتنين. وضع كفه على الجليد وشعر بهالة التنين الباقية. انحنى وقال: «ارقد بسلام. تغيرت السماء والأرض، لكن هيبة التنانين لن تمحوها السنون».

اشتدت العواصف، وثقل الثلج، وتشرب ثوبه مراراً ثم جف بحرارة جسده حتى صار كدرع رقيق. ومع ذلك مشى. وفي يوم رأى نقطة سوداء في البياض: كوخ خشبي صغير يخرج الدخان من مدخنته.

فتحت له امرأة عجوز، نحيلة كغصن يابس، بيضاء الشعر محدبة الظهر، لكن عينيها حادتان لامعتان. أدخلته إلى كوخ نظيف فيه سرير وموقد وقدر أعشاب ولحوم مجففة، ولاحظ في الزاوية عظاماً مصقولة منقوشة بأقدم كتابة عظمية، لم ير مثلها منذ ألف عام.

قالت: «نادراً ما يبلغ أحد هذا المكان؛ آخر من جاء قبل ستين سنة. اجلس، حساء الأعشاب يطرد البرد». ثم تفحصته وقالت: «عشت هنا حتى نسيت عمري، لكني أصغر منك على الأرجح؛ فقد أتيت من النهر الأحمر».

ضيّق عينيه ولم يتكلم. قالت بهدوء: «أنا ساحرة من الشمال، خدمت سلالتي دماً قديماً انقطع، لكن الساحرات يرثن ذاكرة من سبقهن. لا أعرف اسمك؛ أعرف أن فيك رائحة سمك ورائحة إمبراطور، نغمتان في أغنية قديمة. لن أسأل عن الاسم، فما قيمته لأمثالنا؟».

شرب الحساء المر فانتشر دفؤه. قالت وهي راضية: «وصفة أجداد». ثم جدّت: «إن واصلت شمالاً بلغت نهاية العالم». سألها: «وماذا فيها؟» قالت: «شق؛ كأن فأساً هائلة شطرت الأرض. لا قاع تحته ولا جسر فوقه، ويخرج منه برد يجمد الإنسان تمثالاً في لحظة».

سألها عن الشق، فصمتت ثم قالت: «تقول سلالتنا إن ختم فصل الأرض عن السماء اهتز عند سقوط الإمبراطور تشوان شو؛ شق الاهتزاز الأرض من هنا حتى الجنوب، وبلغ ذروته عند النهر الأحمر. ذلك الشق ندبة موت إمبراطور». توقفت يده فوق الوعاء.

بكت العجوز حين أتم حساءه، ثم أخرجت لوح عظم عتيقاً منقوشاً وركعت أمامه: «احتفظ به. ورثت ساحراتنا هذا العظم. قالت الجدات: إذا جاء ذات يوم رجل من الجنوب يحمل رائحة السمك والإمبراطور فأعطوه إياه».

قرأ تشوان شو دعاءً قديماً، لا يطلب حماية الإمبراطور بل راحته:

«ليبلغ من مات في النهر وصار سمكة يوماً ممشاه البعيد.

ولتقع تنهدته في ريح الشمال فلا تعود صدى.

ولتغرق ذكراه في قاع البحر فلا تضطرب.

وليصر نبض قلبه ونبض الأرض واحداً، لا ينقطع ولا يفنى».

كان دعاء له. منذ صار يو فو وغاص بلا وعي، ومنذ تكسرت ذاكرته بين السمك ونام ثلاثمئة سنة، كانت سلالة ساحرات على البرية تصلي من أجله، لا تعرف هل يعود أو بماذا صار أو هل يمر ببابها. ألصق العظم بصدره وحس بحرارة أيدي أجيال تلت الدعاء. قال: «انهضي. لقد دعت لي أسلافك ألف عام؛ وأنا من ينبغي أن يشكركن».

بات عندها. طبخت حساء لحم الوحش، وحكت له كيف حفظن السلالة والنقوش في فجوات العواصف وانتظرن من قد لا يأتي. قالت: «لا ندري هل يأتي المنتظَر، لكن جدتي قالت إن الانتظار نفسه معنى؛ به لا تصبح أيام الجليد طويلة إلى حد لا يحتمل». قال: «صدقت جدتك».

وأخرجت مزماراً عظمياً صغيراً وعزفت لحناً كريح وماء، تارة كتنهد وتارة كطائر. فرأى في قلبه النهر والأسماك وأغنيتها. سألته بعده: «أما زلت ستمضي شمالاً؟» قال: «نعم». قالت: «الشق خطر، وقد تموت في الطريق». ابتسم: «مت مرة، فلا بأس أن أموت ثانية».

تنهدت وقدمت له المزمار، الموروث عبر سبع وأربعين جيلاً: «يسمع في أبرد الريح ويهدي في أظلم الليل، خذه؛ لعله ينفعك عند الحافة». وضعه في صدره. وقبل الفجر رحل، وبقيت العجوز عند الباب بعينيها المضيئتين تشاهد ظهره يضيع في الثلج. لم يلتفت.

بعد يوم انقشع الثلج ورأى تحت النجوم شقاً. بل هاوية تقطع العالم نصفين، عرضها عشرات الأميال وطرفاها يغيبان خلف الأفق. بلغ الحافة، فنظر فلم ير إلا سواداً ورياحاً باردة لا تجمد الجسد فقط، بل الذاكرة والعاطفة ومعنى الوجود. أدخل كفه فيها، فصعد البرد إلى كتفه واصطدم بدفء طاقته بفحيح، ومد وعيه عشرات ومئات وآلاف الأميال إلى أسفل بلا نهاية.

كانت ندبة تمزقت في الأرض يوم موته. وقف طويلاً، وثوبه الأخضر يجلجل في الريح، ذرة عند حافة الهاوية. قال: «مشيت أكثر من ألف عام من النهر الأحمر، من الجنوب إلى الشمال. ظننت أني إذا ابتعدت رأيت شيئاً آخر. لكنني أمام الشق لا أرى إلا نفسي». ونظر إلى الهاوية، وكأنها تنظر إليه.

قرر أن يهبط: فهو أعمق وأبرد موضع وأقرب إلى الموت، والمكان الوحيد الذي يمكن أن يهدئ حرارة الطاقة فيه كما في حوض تقسية. أخرج المزمار ونفخ نفخة ابتلعتها الهاوية بلا صدى، ثم ضم رداءه وقفز.

سقوط. سقوط لا ينتهي. احتواه الظلام من كل جهة، وفقد الشكل كما فقده حين غاص في النهر قبل أربعة قرون. اشتد الجليد، فتجمد شعره وتشققت بشرته ثم أغلقت الجروح بالبرد. وضعت حواسه، ورأى طفولته في شو تشيو، أول مقبض سيف، أعلام دي تشيو، جثث بُوتشو، ختم فصل الأرض عن السماء وهو ينغلق، سقوطه عند النهر، نوم القاع، والأسماك تغني جيله بعد جيل.

فتح عينيه فرأى في القاع ضوءاً أحمر ضعيفاً يومض بنبض ثابت: دق... دق... قلبه. كان قلب الإمبراطور الذي سقط في الأرض وظل ألف عام يفرز الطاقة، على صخرة في القاع، أحمر مشققاً تتوهج شقوقه كحمم.

هبط إلى جانبه ورفعه بيديه. كان حاراً، وكل نبضة تحمل وحشة الحاكم وحيرة يو فو وسكينة المسافر وكل تنهدات ألف سنة. فهم أنه ظل ينبض وحيداً، لا يدري هل عاش صاحبه أو أين سار، ولا وظيفة له إلا إرسال الطاقة إلى الأرض. مسح الشقوق وقال: «لقد تعبت». فنبض القلب بقوة كأنه يجيب.

قربه من صدره، حيث حفرة بحجمه ظلت من جرح سقوطه، ثم ضغطه إلى جوفه. اندفعت حرارة في العروق، ودوّت العظام وتجدد اللحم وعاد القلب إلى مكانه. عادت معه كل التنهدات المدفونة؛ قبلها تشوان شو، لا محواً ولا نسياناً، بل جزءاً من ذاته.

فتح عينيه فانحسر ظلام القاع وصار ضوءاً رقيقاً يخرج من قلبه، ينير الهاوية. نظر إلى الشق فوقه، شريط نور كالـمجرة. وسمع مزمار العظم من سطح السهل، أو لعله ريح أو خيالاً؛ لكنه كان نداء ميلاد جديد. مد ذراعيه، وصار كل نبض له موافقاً لنبض الأرض ويرسل دفئاً إلى الجهات.

في تلك اللحظة تصالح مع نفسه: الإمبراطور الذي مات في النهر، والوحش يو فو، والمسافر الذي عاش، والعجوز الذي مشى ألف عام؛ صاروا تشوان شو واحداً، كاملاً وحقيقياً.

انتشر النور في الطبقات والعروق، فأذاب الصقيع وأنبت العشب وأيقظ الوحوش الصغيرة. وفي الأعلى فتحت العجوز بابها ورأت عموداً أحمر ذهبياً يصعد من جهة الشق، فدمعت وقالت: «نجح». ونفخت المزمار الأخير حتى بلغ القاع. سمعه تشوان شو وابتسم ابتسامة دافئة ساكنة، لا تهز السماء بل تذوب في الريح.

ثم اندفع من القاع، محمولاً بقوة خفية عبر البرد والظلام إلى السماء. وخارج الشق وقف في العلو، ثوبه يرفرف وشعره طائر. تحت قدميه بدأت الندبة العظيمة تلتئم ببطء، كجرح عميق يتقشر؛ قد يلتئم يوماً أو يترك أثراً كحفرة صدره، لا يؤلم ولا يزول.

نظر جنوباً فرأى النهر الأحمر خيطاً فضياً بعيداً، وعرف أن الأسماك لا تزال تغني. لوّح للخيط، ثم استدار إلى الشمال ومضى. لم يعد له واجب غير منجز ولا هرب؛ أراد فقط أن يرى ما وراء أقصى الشمال، وما بعد نهاية العالم، وكم يطول الطريق.

حمل لوح العظم تحت القمر وقرأ الدعاء، ثم نفخ عليه. سقطت حروفه وصارت نقاط ضوء كيراعات طارت إلى الجنوب، إلى النهر، لتسقط في طينه وتبتلعها الأسماك وتبعث في أغانيها. سار فوق الجليد، والنهاية تتراجع والطريق يمتد. وتدلت الشفق القطبية، خضراء وبنفسجية وقرمزية، كأن السماء والأرض تتحاوران. وقف ينظر إليها بعين طفل، ثم تابع.

مرّت خمسون سنة أو مئة أو ثلاثمئة. مات نسل الصيادين، وطمس الثلج كوخ العجوز وسكت مزمارها وصارت ساحراتها أسطورة. تغيرت أغاني السمك وضمت حكايات جديدة. قال قوم إن الإمبراطور صار نجمة، وقال آخرون إنه وجد باباً في نهاية العالم، وقال غيرهم إنه يمشي ولن يقف. لم يهتم؛ عبر الجليد والجبال والمضائق والتندرا، وصار وجهه أصغر مع عودة القلب، من شيخ إلى رجل إلى شاب. المشي هو وجوده.

وفي أقصى الشمال رأى بحراً أزرق قاتماً فوقه جبال جليد، وتحت مائه مخلوقات ضخمة ظهورها كالجزر تقذف الماء عشرات القامات. أخذ خشبة عائمة وسبح في الماء البارد. سبح تسعة أيام وتسع ليال حتى بلغ قارة ثلجية تحت سماء بنفسجية شاحبة. مشى إلى مركزها، حيث نهاية الأرض: سهل أبيض ثم جرف عميق، وتحته ليس بحر بل عدم خالص، لا ضوء ولا ظلمة ولا برد ولا دفء.

جلس عند الحافة للمرة الأولى منذ بدء رحلته، ودلّى ساقيه في العدم كصبي عند نهر. مكث حتى قامت الشفق وسقطت وتبدلت النجوم. ثم أخرج المزمار، وعزف طويلاً عند حد العدم. لم يأت صدى ولا جواب، لكن الصوت ظل ثابتاً، كنَبض قلب أو جريان نهر. ولما انتهى وضعه عند الحافة، واستدار جنوباً.

كان عائداً إلى البيت: إلى موته وحياته، إلى النهر الأحمر. كان الطريق طويلاً، لكنه ترك القدم تقوده. تغيرت الجبال والأنهار والغابات والمدن والأسر الحاكمة، وانهدرت أسوار دي تشيو وقامت مدن وعروش جديدة؛ لكن الأرض أرض والسماء سماء.

وفي غروب عادي شم رائحة ماء دافئ وطين وعشب. رأى النهر الأحمر يلمع ذهباً إلى الشرق، وقصبه أوفر من ذي قبل، وكسوره البيضاء تطير في الريح كثلج لا ينتهي. خلع رداءه البالي ودخل عارياً. تقهقر السمك أولاً ثم اجتمع حوله فضولاً.

غاص إلى القاع واختار حجراً أملس واستلقى، وأغمض عينيه كأنه عاد إلى مهد أول. جاءت سمكة عجوز وسألته: «من أنت؟».

— صديق قديم عاد من طريق طويل.

— وهل سترحل ثانية؟

— لا. يكفيني أن أنتهي هنا.

أطلق نفساً طويلاً، فتحول في الماء إلى فقاعات صغيرة تحمل تعب الدنيا إلى السطح ثم الهواء. غربت الشمس تماماً، وانكمش آخر ذهبها في تموج عابر على النهر. ظل النهر يجري.

استقر نفس تشوان شو في القاع ونام. لم يكن نوم يو فو الجاهل بعد الموت، بل راحة من أتم كل شيء. تحلل جسده ببطء في الماء: عاد اللحم إلى النهر والعظم إلى الرمل، ونبض القلب مرات أخيرة ثم هدأ وصار حصاة مستديرة عليها خطوط دقيقة كخريطة جبال وأنهار.

مر وعيه بكل عشب مائي وحراشف وحصاة: هو النهر والنهر هو هو؛ الإمبراطور هو السمكة والسمكة هي الإمبراطور. لم تعد الأغنية القديمة تحتاج مغنياً، لأن الماء صار الأغنية. خرير الموج على الضفة، وهمس الذيل، ونحيب الريح فوق السطح، كلها لحنها، تصل إلى كل من يغرف الماء بيده فيحس دفئاً خفيفاً ويسمع همساً بعيداً عتيقاً كحكاية تُروى.

وكان أول الحكاية دائماً:

«في قديم الزمان، مات إمبراطور في النهر الأحمر، وصار نصف أفعى ونصف سمكة اسمها يو فو...»

أما نهايتها، فلا يعرفها إلا ماء النهر الذي لا يزال يجري.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.