كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/19 · ثعلب تشينغ تشيو ذو الذيول التسعة
الفصل السابق

19 · ثعلب تشينغ تشيو ذو الذيول التسعة

ما وراء الليل

الفصل التالي

يقع جبل تشينغ تشيو في شرقي البراري العظمى. أشجاره تضيء، وأوراقه كاليشم، وحجارته ذات روح؛ والضباب بين شعابه هيئةُ الطاقة الروحية، يرشح من باطن الأرض، ويتسلّق الجذور، ويقطر من البتلات. هناك يقيم الثعلب ذو الذيول التسعة.

نام ألف عام، أو أكثر، ولم يعد يذكر. وفي مساء يوم استيقظ لأن عِرق الطاقة الروحية اهتزّ: أزيز من أعماق الأرض، كضرب البرونز أو تقلّب وحش عظيم. فتح عينيه الذهبيتين، وانبسطت وراءه ذيوله التسعة، بيضاء كالثلج والقمر وسحاب القمم. تحركت ببطء فحرّكت الطاقة في الجبل كله، فصار مضيئاً. وحين وطئت قائمته الصخر نبت عليه طحلب أخضر رطب مبلل بالندى؛ وكل طريق يمر به يزهر بأعشاب روحية وأشجار ميمونة من نباتات القدماء التي لا يعرف الناس أسماءها. شرب من الجدول، فتحوّل ماؤه إلى فضة وسرى إلى القرى والحقول وأحلام البشر.

رفع رأسه وطلق من حنجرته صوتاً كصراخ رضيع: «واه— واه— واه—». كان صوته يطول ويرتد في الوديان. توقف أهل القرى عند أسفل الجبل عن أعمالهم. قال شيخ: «إنه الثعلب ذو الذيول التسعة، إنه ينادي». سأل طفل: «من ينادي؟» وهز الشيخ رأسه؛ لعلّه ينادي رفيقاً، أو يستدعي عِرق الطاقة، أو لعلّه لا ينادي أحداً، بل أراد الصياح فحسب. صاح ثلاثاً ثم اضطجع عند الجدول، وذيوله في الماء، فجاءت أسماك فضية تقبّلها.

كانت كثافة الطاقة في الجبل تبلغ نصفها، وأحياناً ستة أعشارها؛ في مثلها تعيش العشبة ثلاثمائة سنة والشجرة ثلاثة آلاف، بل تحلم الحجارة. كان حارس عِرق تشينغ تشيو منذ بدء البراري، منذ انفصال السماء عن الأرض وانبثاق أول خيط من الطاقة. يتذكر كل شروق ومطر وطائر، وصوته كصوت الرضيع، أما عيناه فقديمتان كالنجوم والهاوية والزمن نفسه.

وكان ينزل أحياناً في هيئة امرأة بثوب أبيض وشعر أسود منسدل، فيحييها الناس باسم «غو شِه، سيدة تشينغ تشيو». لا تقول شيئاً؛ تبتسم وتشتري الملح والقماش ولعب الصغار. لم يعرفوا أنها الثعلب ولا أن صرخة الجبل صوتها. كانت تحب الأطفال، يركضون في الطين ويصطادون الفراشات ويبكون ويضحكون؛ أعمارهم قصيرة كالندى وصخبهم كصرير الزيز، لكنها لم تفهم بهجتهم، فقد عاشت طويلاً حتى نسيت الضحك والبكاء.

وكان أهل السفح يقولون: «من أكل لحمه لا تصيبه السموم»، وهي كلمات منقوشة على الخيزران والحجر والقلوب. لم يأكله أحد ولم ير أحد من أكله، لكن القول تناقلته العصور حتى وصل إلى الصيادين. صعدوا بالأقواس والرماح والحبال والأقفاص، مستدلين بصوت الرضيع. في المرة الأولى صار ريحاً مرّت بهم، وفي الثانية صار ضباباً أضاعهم يوماً وليلة. وفي الثالثة وقف على القمة وذيوله مفتوحة؛ أطلقوا السهام فمرّت في جسده كأنها تمر في الهواء والماء وضوء القمر، ففروا وتركوا أسلحتهم. ومنذئذ عرف أهل القرى أن ثعلب الجبل لا يأكل الناس.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.