حلّ الربيع مبكراً ذلك العام؛ لم يذب الثلج كله حتى ملأت أزهار الخوخ الجبال، وردية وبيضاء وحمراء كأن الغيم نزل إلى الأغصان. كان الثعلب فوق القمة يحب سقوطها كمطر وردي على أنفه وذيوله. ازدادت الطاقة إلى ستة أعشار ونصف، ثم اهتز العِرق فجأة بعنف حاد كأن شيئاً يشقّه. انتصب الثعلب؛ في منتصف الجبل، تحت بستان خوخ، انفتح شق يتسرّب منه النور والطاقة إلى عالم البشر.
اندفع كبرق أبيض عبر الشجر، فوجد عند الشق طفلاً في الثالثة أو الرابعة يبكي بالصوت نفسه: «واه— واه—». كان حافياً بثياب كتان ممزقة، على قدميه طين وجراح ودم جاف، وجالساً قرب ضوء أزرق كيراع أو نار شبح. على جسده أثر ضعيف من رائحة العِرق: طين بعد المطر، وخوخ جديد، وطحلب الجدول. كيف بلغ طفل هذا الجبل الوعر؟ لقد تبع فراشة قبل ثلاثة أيام، فخرج من القرية وصعد حتى ضاعت طريقه؛ أكل أعشاباً ولحاء وشرب ماءً، ولم يبق له حتى قوة البكاء.
قالت غريزة الثعلب: هذا إنسان، وسيجلب الصيادين والسهام وفكرة أكل لحمك؛ عودي إلى القمة. لكن بكاءه طابق نداءها في النبرة والإيقاع، فحكّ حلقها وكادت تصيح ثم كتمت صوتها كي لا تخيفه. خرجت من وراء شجرة خوخ عتيقة بهيئتها الحقيقية: فرو أبيض، عينان ذهبيتان، تسعة ذيول. توقف الطفل شياومي عن البكاء، لا لشجاعته بل لأن الخوف أنساه البكاء. انحنت الثعلبة وأصدرت همهمة رخية كتهويدة: «ووو— ووو—»، فضطجعت لتبدو أصغر وألطف، ولانت عيناها كحقل قمح خريفي.
مدّ شياومي يداً قذرة إلى أنفها؛ لم تبتعد، ولمس أصبعه طرف أنفها الرطب البارد اللين، فابتسم ثم بكى بكاء المظلوم الذي وجد أخيراً كبيراً يسند إليه رأسه. زحفت يداه إلى عنقها ودفن جسده في فرائها: «أمي». تجمدت؛ لم يكن لها صغير قط، لكن دفئاً غريباً سرى في صدرها كنبض العِرق وأول شمس ربيعية. وضعت ذقنها على ظهره، فنام وهو قابض على فروها، فلفّته بثلاثة ذيول دافئة أدفأ من لحاف وموقد وشمس. ومدّت طرف ذيل إلى الشق فأوقف التسرب مؤقتاً، غير أن إصلاحه يحتاج إلى زمن وطاقة عظيمة.
في ضوء القمر أخذت تهمهم كتهويدة وتعويذة وحكاية قديمة. سمع القرويون، وقالوا إن نداء الثعلب اليوم أرقّ، كأنه ينوّم طفلاً؛ ثم ضحكوا من أنفسهم: أيكون للثعلب طفل؟ لكنه كان يواسي طفلاً ضائعاً ناداها «أمي».
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.