بعد ثلاث سنوات.
سوتشو، في زقاق صغير متفرع من طريق بينغجيانغ. كان اسمه زقاق الليلك.
عند فمه دكان صغير، في حجم الدكان الذي كان في زقاق تانر تقريباً. وعلى بابه فانوس، لكنه لم يعد من ورق أبيض؛ كان أزرق مخضراً، من عود خيزران وورق أزرق، وعليه كلمتان: «دكان شِن».
امتلأ الدكان بمصنوعات ورقية: فتيان وفتيات، وخيول ورقية، وهوادج، وجبال من ذهب وفضة، وأحواض لجمع الكنوز. كل شيء متوافر.
غير أن وجوه هذه التماثيل كانت بيضاء خالية، بلا عيون ولا أنوف ولا أفواه.
كان يجلس في الدكان شاب في أوائل الثلاثين، يرتدي ثوباً طويلاً من قماش رمادي ونظارة، ويصنع تمثالاً ورقياً أمام الطاولة. كانت أصابعه رشيقة، والمقص يطقطق، وشرائح الخيزران تصرّ، والورق يهمس بين يديه.
كان ذلك الرجل شِن يان تشيو.
صار أنحف مما كان قبل ثلاث سنوات، وبرزت عظام وجنتيه وغارت عيناه، لكن الضوء في عينيه لم ينطفئ. لم يعد ضوء طالب متوثب، بل ضوء آخر: ساكن، مكتوم، كضوء شمعة لا كنار حطب.
وعلى الطاولة كتاب ذو غلاف من جلد الغنم، أسود لامع، كُتب عليه: «سجلّ صناعة التماثيل الورقية».
مرّت ثلاث سنوات وهو يقلبه مئات المرات، حتى انطبعت كل صفحة وكل كلمة في ذهنه. لكنه لم يعمل قط بطريقة واحدة مما فيه، ولم يصنع تمثالاً واحداً على هديه؛ لأن جوهر كل طريقة في ذلك الكتاب واحد: حياة مقابل حياة.
لم يكن شِن يان تشيو يريد ذلك، ولم يكن يجرؤ عليه. كان يخاف أنه إن بدأ فلن يستطيع الرجوع، كما قال ما لاو تشي: هذه الحرفة كان ينبغي أن تنقطع.
لكن ذلك اليوم اضطر الطالب إلى العمل.
دخلت امرأة إلى الدكان، في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين، ترتدي تشيباو بسيطاً من قماش أزرق، وتضع زهرة صوفية بيضاء في شعرها. كان وجهها هزيلاً، وعيناها منتفختين كالجوز من كثرة البكاء.
وقفت أمام الطاولة من غير كلام، وشفتاها ترتجفان. وبعد وقت طويل خرجت منها جملة واحدة:
«يا معلّم شِن، أنقذه.»
رفع شِن رأسه، ونظر إلى زهرتها البيضاء وإلى عينيها. كان يعلم.
في تلك السنوات الثلاث رأى أمثالها كثيراً؛ جاءوا من سوتشو وشنغهاي ووشي وتشانغتشو، ومن أماكن لا يدري كيف سمع أهلها بدكان في زقاق الليلك. كانوا يقفون أمامه ويقولون العبارة نفسها: أنقذه.
لم يوافق شِن قط، ولا مرة. كان يهز رأسه ويقول: «ليست عندي هذه القدرة.»
وبعد أن يغادر كل واحد منهم، كان يغلق الدكان ويجلس وحده طويلاً عند الطاولة، لا يفعل شيئاً، بل ينظر إلى سجلّ صناعة التماثيل الورقية. لا يقرأه، بل ينظر إلى غلافه وإلى كلماته الثلاث، حتى يحل الليل ثم الفجر.
لكن اليوم تردد، لأن المرأة قالت:
«يا معلّم شِن، لا أطلب منك أن تصدّ عنه العمر كله. فقط ثلاثة أيام. ثلاثة أيام تكفي. ستصدر المحكمة حكمها بعد ثلاثة أيام؛ فإذا صمد خلالها، أمكن تأجيل القضية، سنة أو سنتين، وحينها ربما…»
سألها شِن: «ماذا فعل؟»
خفضت رأسها. «ليس أمراً عظيماً. كان يعمل حمّالاً في الميناء، وتشاجر مع رجل، فتدافعا. سقط ذلك الرجل وارتطم مؤخر رأسه بدرج حجري، ولم يمكن إنقاذه.»
صمت شِن يان تشيو.
ظل ثلاث سنوات يكرر على نفسه قاعدة واحدة: لا يردّ الحياة للأحياء. كانت تلك قاعدته، وقاعدة ما لاو تشي أيضاً. مات ما لاو تشي وترك له الكتاب، لكنه قال كذلك: اقطعها، لا تورثها.
لكن ذلك الحمّال لم يكن قاتلاً، بل رجلاً أخطأ في لحظة. لم يكن يستحق الموت.
ثم ماذا عن الرجل الذي مات من الضربة؟ أكان يستحق الموت؟
أغمض شِن عينيه وفكر طويلاً: حتى اسودّ الخارج تماماً، وحتى انقشع الضباب عن النهر، وحتى ظنت المرأة أنه لن يوافق.
ثم فتح عينيه وقال: «ثلاثة أيام. هذا ما قلتِه.»
فاضت الدموع من عينيها. «شكراً… شكراً يا معلّم شِن…»
قال وهو ينهض: «لا تشكريني. هذه أول مرة لي وآخر مرة. بعد ثلاثة أيام، أياً تكن النتيجة، خذيه وارحلا. لا تعودا أبداً.»
هزّت رأسها بشدة.
وصنع شِن التمثال كما في الكتاب.
لأول مرة، منذ سبع سنوات من يوم مات ما لاو تشي، اتبع طريقة من طرق سجلّ صناعة التماثيل الورقية ليصنع بديلاً.
عمل ببطء، أبطأ عشر مرات من عادته. عند كل ضربة مقص كان يتردد، وعند كل طبقة ورق كان يسأل نفسه: هل أخطأت الطريق؟ لكنه لم يتوقف.
لقد وعد بثلاثة أيام؛ لا عمراً كاملاً، ولا حياة مقابل حياة، ثلاثة أيام فقط. لعل السماء تغفر له، ولعل ما لاو تشي يغفر له.
أتم الرأس على وصف المرأة: زوجها، حمّال في الثلاثين، قوي البنية واسع الوجه، وعلى أنفه ندبة تركها حبل القنب في العمل. أخذ شِن فرشاة ورسم الندبة على وجه التمثال.
وحين تم التمثال، نهض بالخيط الأحمر، فربط طرفه في معصم التمثال، ثم نظر إلى المرأة.
«أين زوجك؟»
«إنه… ينتظر في الخارج.»
«أدخليه.»
ركضت المرأة للخارج، ثم عادت بعد لحظات برجل في نحو الثلاثين، واسع الوجه وعليه ندبة في الأنف. لكن وجهه كان أسوأ من وجه المرأة التي جاءت يوماً بطفلها: رمادياً كوجه ميت، عيناه مصفرتان وأظافره مصفرة، والعروق عند صدغيه منتفخة تنبض.
تعثر حين دخل وكاد يسقط، فأمسكته زوجته حتى استقام.
نظر إليه شِن فرأى وراءه ظلاً ليس ظله: ظل رجل آخر، نحيل صغير، يقف قريباً منه برأس مطأطأ لا يظهر وجهه.
وفجأة فهم شِن ما كان ما لاو تشي يراه في أولئك الناس.
قال: «تعال.»
اقترب الرجل ومد يده. كانت ترتجف لا من التوتر، بل كأن شيئاً يشدّه إلى الخارج. ربط شِن الخيط في معصمه وعقده ثلاث طبقات، طبقة فوق طبقة.
في اللحظة التي فرغ فيها، اهتز سراج الزيت. لم ينطفئ، لكن لهبه هبط من حجم حبة فول إلى حبة ماش، وخفت نور الدكان حتى صارت الأشياء لا تُرى بوضوح.
حمل شِن التمثال إلى الباب، حيث موقد حديدي صدئ، يشبه موقد زقاق تانر. وضع التمثال فيه، أشعل عود ثقاب ورماه.
اشتعل التمثال سريعاً. ارتفعت النار، صفراء ثم زرقاء ثم خضراء. التوى وجه التمثال في اللهب، وحين التوى رأى شِن بوضوح أنه صار وجهين: وجه الحمّال ووجه ذلك الظل النحيل وراءه.
فتحت العينان معاً، ثم انغلقتا معاً.
هبّت ريح فانطفأت النار، ولم يبق إلا رماد.
التفت شِن إلى الرجل. تحسن لون وجهه قليلاً؛ لم يعد سليماً، لكن بعض الدم عاد إليه، وخفّ سواد شفتيه واصفرار عينيه. كان الخيط الأحمر لا يزال في معصمه، لكنه انقطع عند العقدة، انقطاعاً مستوياً كما حدث قبل ثلاث سنوات.
أسندت المرأة زوجها، ثم ركعت أمام شِن، وارتطمت ركبتاها بالأرض: دق، دق، دق.
لم يساعدها على النهوض، ولم يقل شيئاً. عاد إلى الداخل وأغلق الباب. وما إن أغلقه حتى أسند ظهره إلى لوحه البارد وأغمض عينيه.
شعر أن شيئاً نقص من جسده. لم يكن دماً ولا لحماً، بل شيئاً لا اسم له. صار أخفّ وأفرغ، كأن شيئاً سُحب منه.
وفهم فجأة ما كان ما لاو تشي يعنيه.
كل مرة ترد فيها الحياة، تنقصك سنوات. ليس من جسدك، بل من قلبك: من الشيء الذي يجعلك تنام في الليل، وتفتح عينيك في الصباح لترى الضوء، وتظن أن للحياة معنى.
ظل واقفاً حتى كاد الفجر يطلع، وحتى دق جرس الصباح في معبد هانشان من جديد.
ثم ذهب إلى الطاولة وأخذ سجلّ صناعة التماثيل الورقية، وفتحه على آخر صفحة. كانت بيضاء لا شيء فيها. أخذ قلماً وغمس رأسه في الحبر وكتب:
«دوّن شِن يان تشيو، وارث الجيل السادس والثلاثين لصناعة التماثيل الورقية: لن أردّ بعد اليوم الحياة لأي حي.»
ثم أغلق الكتاب ووضعه في الدرج وأقفله. كان القفل النحاسي نفسه الذي أخذه من دكان ما لاو تشي؛ زخرفته تعويذة طبقة فوق طبقة، كأنها لن تُحل أبداً.
بعد ثلاثة أيام وقف شِن عند مدخل زقاق الليلك، ورأى الحمّال وزوجته يقتربان. عاد الدم إلى وجهه ومشى ثابتاً. وكانت المرأة قد نزعت الزهرة الصوفية البيضاء من شعرها.
وصلا إليه وكادا يركعان ثانية، فرفع يده ومنعهما.
«كيف كانت القضية؟»
قالت المرأة: «صدر الحكم أمس. إصابة غير عمدية: سنة مع وقف التنفيذ سنتين، لن يدخل السجن.»
أومأ شِن. «هذا حسن. اذهبا.»
فتح الحمّال فمه ليقول شيئاً، فقاطعه شِن: «لا داعي للشكر. ولا تعودا إلى هنا. سيُغلق هذا الدكان غداً.»
أغلق شِن الدكان وأحرق كل ما فيه من تماثيل ورقية: الفتيان والفتيات، والخيول والهوادج، وجبال الذهب والفضة، وأحواض الكنوز. أحرقها في الموقد يوماً كاملاً، حتى ارتفع الدخان عالياً وشمّ أهل زقاق الليلك رائحة الورق المحترق.
سأله الجيران: «يا معلّم شِن، ما بك؟ كيف تغلق دكاناً طيباً فجأة؟»
قال: «أعود إلى بلدي.»
«وأين بلدك؟»
«بكين.»
لكنه لم يعد إلى بكين. ذهب إلى مكان لم يره قط، لكنه كان يراه في أحلامه دائماً.
وفي القطار أخرج سجلّ صناعة التماثيل الورقية، وقلّبه من الصفحة الأولى إلى الأخيرة. ثم أشعل عود ثقاب وأضرم النار في الكتاب.
احترق جلد الغنم ببطء، أبطأ من الورق. انكمش واسودّ قليلاً قليلاً. وتحولت في اللهب الحروف الصغيرة، ورسوم شرائح الخيزران، وطرائق عقد الخيط الأحمر، والأسرار التي امتدت ثلاثة آلاف عام، إلى رماد.
نثر الشاب الرماد من نافذة القطار. رماداً أسود ورماداً أبيض، يدوران في الريح كفراشات، يطيران لحظة ثم يتبددان ويختفيان.
كان وقت الغروب، والغيوم عند الأفق تشتعل حمراء ذهبية، كألوان التمثال الورقي حين يحترق في الموقد.
اتكأ شِن على مقعده وأغمض عينيه. سالت دموعه من زاويتيهما، لا دموع حزن، بل دموع راحة.
احترق الكتاب: الكتاب الذي عبر من عهد شانغ إلى عهد الجمهورية، والذي كان كل صانع تماثيل ورقية ينسخه قبل موته، وكل حرف فيه مدفوع بثمن حياة.
نُثر رماده من النافذة، وسقط على خطوط السكة، وعلى حقول القمح، وفي أماكن لا يعرفها أحد، وفي الريح. تفرق واختفى.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد في العالم سجلّ صناعة التماثيل الورقية. لم يعد أحد يعرف كيف تُعقد تلك الخيط الأحمر، ولا كيف يُصنع بديل، ولا سر طريقة الدمية البشرية البديلة الموروثة منذ عهد شانغ.
وما كان يستند إليه شِن لم يكن أحداً، بل آخر كلمة علّمها ما لاو تشي له قبل موته:
«يمكن ألا تورّث الكتاب، لكن لا تنس الحرفة. إن لقيت يوماً شخصاً لا ينبغي أن يموت، ستعرف ماذا ينبغي أن تفعل.»
لم يفهم شِن ذلك وقتها، ثم فهمه بعد ذلك.
فالحرفة ليست في الكتاب، بل في القلب، وفي الأصابع، وفي طقطقة المقص، وفي صرير شرائح الخيزران، وفي الليالي الطويلة تحت ضوء السراج.
احترق الكتاب، لكن الحرفة لم تنقطع؛ إنها فقط… لن تُورث بعد الآن.
بعد ثلاثين عاماً، بقي زقاق تانر ضيقاً ومظلماً كما كان. ازداد الطحلب على الطوب الأزرق في الجدران، أسود يابس، كجلد ميت.
وفي أعمق الزقاق بقي الدكان، لكنه لم يعد دكان تماثيل ورقية. صار بقالة تبيع صلصة الصويا والخل وأعواد الثقاب والسجائر. وكان صاحبها، تشاو، في الأربعين، بديناً دائم الابتسام.
وفي يوم جاء شيخ في السبعين تقريباً، يرتدي رداءً قطنياً رمادياً باهتاً ونظارة. كان صحيح البنية، لكن الضوء في عينيه ساكن مكتوم، كضوء شمعة لا كنار حطب.
وقف الشيخ عند باب الدكان ونظر طويلاً. سأله صاحب الدكان تشاو: «ماذا تريد يا سيدي؟»
هز الشيخ رأسه. «لا أريد شراء شيء.» وأشار إلى الداخل. «كنت أسكن هنا من قبل.»
تفاجأ تشاو. «لعلك أخطأت يا سيدي. استأجرت هذا الدكان منذ أكثر من عشرين عاماً. قبلي كان دكان خياطة.»
«وقبل الخيّاط؟»
«قبله… يقولون إنه كان دكان تماثيل ورقية، لكن ذلك قديم جداً. قرابة أربعين عاماً، على ما أظن.»
أومأ الشيخ. «نعم. قرابة أربعين عاماً.»
أخرج من ثوبه خيطاً أحمراً، دقيقاً كشعرة وأحمر كالدم. تأمله شِن يان تشيو، ثم دسّه في شق إطار الباب واستدار ورحل.
لحقه تشاو: «يا سيدي، ما اسمك؟ وما هذا الشيء؟»
لم يلتفت الشيخ. قال وظهره إليه، بصوت خافت لكن كل كلمة منه دخلت الريح واضحة:
«اسمي شِن. وهذا الشيء… دين لرجل.»
خرج الشيخ من الزقاق، ودخل شتاء بكين، والريح الشمالية، وأربعين عاماً مضت.
دخل زقاق تانر الأسود الضيق، الذي لا يكاد يمشي فيه اثنان جنباً إلى جنب؛ ودخل الدكان المتهالك ذي الفانوس الأبيض عند بابه، ودخل ضوء السراج الأصفر الخافت، ونظرات الفتيان والفتيات الورقيين الساكنة، وابتسامة الشيخ المليئة بالتجاعيد، ابتسامة من رضي بمصيره.
ولم يخرج من هناك مرة أخرى.
---
النهاية
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.