انقضى وقت الغروب، وحلّ الظلام التام.
زادوا الزيت في سراج الدكان مرتين، ورفعوا فتيله أكثر من المعتاد، فكبر اللهب من غير أن يضيء. بل مدّ ظلال الغرفة حتى صارت أطول.
ارتدى ما لاو تشي ثياباً نظيفة: قميصاً قطنياً أزرق داكناً، مغسولاً ومكويّاً بعناية. وسرّح شعره من جديد، وشدّ ضفيرته الصغيرة التي تشبه ذيل الفأر. بل حلق وجهه أيضاً. لم تختف تجاعيده، لكن هيئته بدت أصفى.
وعلى الطاولة الطويلة وُضع تمثال ورقي مكتمل، أكبر من المعتاد، بطول رجل حقيقي. كان وجهه مرسوماً لرجل في منتصف العمر، يضع نظارة بإطار ذهبي، ويلبس ثوباً حريرياً طويلاً وحذاءً جلدياً لامعاً.
عرفه شِن يان تشيو من نظرة واحدة.
إنه الرجل نفسه. الرجل الذي قتل ثلاثة أشخاص.
«يا معلّم… أليس هذا…؟»
«هو. صنعته على صورته. سبعة أيام، من وجهه إلى قدميه، لا تختلف حتى أصبع واحدة.»
«إذن سيأتي الليلة؟»
قال ما لاو تشي: «سيأتي. لا طريق آخر له. الثلاثة يطالبونه الآن.»
وقف الرجل عند الباب. لم يكن مثلما كان في المرة السابقة. يومها كان ثوبه الحريري ممهداً وحذاؤه يلمع، ورغم ذعره كان ما يزال متماسكاً.
أمّا اليوم، فالثوب مجعّد ومغطّى ببقع لا يُعرف ما هي، والحذاء موحل ومشقوق من مقدمته حتى بان الجورب، وفيه ثقب خرج منه إبهام قدمه الكبير.
وكان وجهه أشد رعباً: محجرا عينين غائران، وعينان جاحظتان، ووجه بلا قطرة دم، وشفتان سوداوان متشققتان تنزّ منهما خيوط دم. كانت يداه ترتعشان، بل جسمه كله، كأن نومه هجره أياماً وكأنه على وشك السقوط في أية لحظة.
نظر إليه ما لاو تشي ولم ينهض. «ادخل.»
دخل الرجل وخطواته رخوة كأنه يدوس قطناً. وحين بلغ الطاولة رأى التمثال الورقي الذي يشبهه تماماً، فاتسعت عيناه فجأة.
«هذا… هذا…»
«أنت.» قال ما لاو تشي.
«صنعته على صورتي؟»
«على صورتك.»
«ولماذا؟»
نهض ما لاو تشي، ومشى إلى جانب التمثال، وربّت على كتفه بيده.
«لأن الحياة التي ستردّها الليلة… هي حياتك أنت.»
تسمّر الرجل. «ما معنى هذا؟ جئت لأجعلك تردّ عني الموت، لا لأردّ حياتي أنا!»
لم يجبه ما لاو تشي. اتجه إلى آخر الدكان، وأشعل أمام اللوح الأسود ثلاثة عيدان بخور. ارتفع دخانها الرفيع مستقيماً، كما في المرة الماضية، كأنه خيط.
ثم أخرج خيطاً أحمراً وربط أحد طرفيه في معصم التمثال الورقي، وعقد العقدة الخاصة ذات الطبقات الثلاث.
وحمل الطرف الآخر واتجه إلى الرجل.
«أخرج يدك.»
تراجع الرجل. «ماذا تريد أن تفعل؟»
«أخرج يدك.»
«لن أفعل!»
وفجأة تحرك ما لاو تشي بسرعة لا تشبه سرعة شيخ يناهز السبعين. خطا إلى الرجل في خطوة واحدة، وقبض على معصمه. كانت أصابعه النحيلة كالمخالب الحديدية؛ قبضة لا يستطيع معها الرجل الحركة.
ربط ما الخيط الأحمر في معصمه وعقده بالعقدة نفسها، ثلاث طبقات تعلو إحداها الأخرى، كأنها عقدة صنعها ملك الجحيم بيده.
سمع شِن الرجل يصرخ: «ما هذا؟ ما هذا؟»
كان صوته حاداً رفيعاً، لا يشبه صوت رجل في منتصف العمر، بل صوت دجاجة خُنقت من عنقها.
ثم سمع صوت ما لاو تشي، هادئاً غليظاً، كأنه يتلو نصاً قديماً:
«في عهد شانغ كان هناك شامان اسمه وو شيان. صنع دمى بشرية لتحل محل الأحياء. وكل من يُجعل بديلاً في قربان، لا بد أن يتصل بجسده؛ ومن اتصل بجسده لا بد أن يؤخذ عمره. ونحن آل ما ورثنا هذا الفن سبعة وثلاثين جيلاً.
«أنا ما لاو تشي، وارث الجيل السابع والثلاثين، أردّ الحياة باسم السماء. أيها المذنب، عليك دين ثلاث أرواح. كان ينبغي أن تموت قبل ثلاثة أشهر، لكنك أفلتّ من الموت مراراً، فزاد جرمك. واليوم… حان السداد.»
في الظلام رأى شِن يان تشيو شيئاً.
رأى نقاط الجمر الحمراء في عيدان البخور الثلاثة تتحرك. لم تدفعها ريح؛ تحركت من تلقاء نفسها، ثلاث نقاط حمراء كأنها ثلاث عيون، تلتفت ببطء نحو الرجل.
ثم أضاء السراج من جديد.
أضاء وحده. لا نار، لا عود ثقاب، لكنه أضاء.
ورأى شِن الرجل مطروحاً على الأرض ووجهه إلى أسفل، لا يتحرك. انكمش ثوبه الحريري تحته، وسقطت إحدى فردتي حذائه، فبدت قدم عارية وباطنها رمادي كلون طوب الأرض.
أمّا التمثال الورقي المصنوع على صورته… فقد اختفى.
لم يبق فوق الطاولة شيء، إلا خيط أحمر مقطوع. انقطع عند العقدة الثلاثية في معصم التمثال. وكان القطع مستوياً، لا كأنه قُصّ ولا كأنه مُزّق، بل كأن شيئاً خفياً… أكله.
ظل ما لاو تشي واقفاً أمام لوح الأجداد، وظهره إلى شِن، لا يتحرك.
اقترب شِن. «يا معلّم…»
لم يجبه.
مد شِن يده إلى كتفه، فشعر كأنه لمس حجراً: بارداً وصلباً. دار أمامه، فرأى أن وجه ما لاو تشي لم يعد وجهه القديم. كانت التجاعيد كثيرة دائماً، لكن في وجهه قبساً من دم. الآن لم يبق شيء؛ صار أبيض كورق الفانوس المعلّق عند باب الدكان.
كانت عيناه مفتوحتين، لكن ما كان فيهما… اختفى. فرغتا.
رأى شِن موتى من قبل، ورأى من يوشكون على الموت، لكنه لم ير مثل هذا قط: جسداً حياً، لكنه فارغ، كتمثال ورقي.
سرت قشعريرة موجعة في ظهره.
«يا معلّم…»
تحسس أنفاسه؛ كانت موجودة، لكنها ضعيفة رفيعة، كآخر شرارة في فتيل سراج توشك أن تنطفئ.
وفجأة تكلم ما لاو تشي. كان صوته خفيفاً كورقة تقلبها الريح:
«يان تشيو…»
«أنا هنا يا معلّم!»
حرّك ما لاو تشي يده وأشار إلى درج الطاولة.
«خذ ذلك الكتاب…»
«أي كتاب؟»
«سجلّ صناعة التماثيل الورقية. خذه. أحرقه إن شئت، أو أخفه؛ لكن لا تدع أحداً يتعلم هذا بعد اليوم. إنه شيء يؤذي الناس.»
جثا شِن أمامه، واصطدمت ركبتاه بطوب الأرض. لم يشعر بالألم، ولم يعد يشعر بشيء.
«يا معلّم، لا تتكلم… سأبحث لك عن طبيب…»
رفع ما لاو تشي يده وقبض على معصمه. كانت يده باردة كطوب أخضر في الشتاء.
«فات الأوان. هذه المرة كنت بديلاً لثلاثة، ومع ما كنت مديناً به من قبل، صار الحساب كاملاً. بلغ الحد. كل ما ينبغي سداده… سُدّد.»
سال دمع شِن يان تشيو.
لم يكن يبكي كثيراً في حياته: لم يبك حين ضُرب طفلاً، ولا حين أخفق في الامتحان، ولا حتى يوم مات أبوه. لكنه بكى اليوم. سقطت دموع ذلك الطالب قطرة قطرة على الأرض، وعلى ظهر يد ما لاو تشي.
«يا معلّم، رددت الحياة لكثيرين طوال عمرك. فمن ردّ لك حياتك؟»
ابتسم ما لاو تشي فجأة. وعلى وجهه الأبيض كورق، لم تكن ابتسامة رحمة ولا ابتسامة استسلام، بل ابتسامة رجل انقطع عنه كل تعلّق.
«أنا… سددت الحساب. سددت ما على معلّمي، وما على معلّم معلّمي، وما على معلّم أجدادي. ثلاثة آلاف سنة، وسبعة وثلاثون جيلاً، كل جيل يسدد. دين لا ينتهي وصل إليّ. لم أستطع أن أسدّه، وكان ينبغي أن يمر إليك. لكن الآن… لن يمر.»
وقال ما لاو تشي كلامه الأخير، كلاماً أخفاه ثلاثين عاماً:
«قبل سبعة وثلاثين جيلاً، في أواخر عهد شانغ، كان شامان اسمه وو شيان. اخترع طريقة الدمية البشرية البديلة. كانت نيته حسنة: أن تستبدل التماثيل الفخارية بالأحياء في القرابين الجنائزية، فيموت أناس أقل.
«لكن آخرين استخدموا الطريقة في موضع آخر: لردّ الحياة للأحياء. وهذا ليس إنقاذاً للحي، بل اغتصاب لحياة الميت. حياة بحياة. وفي النهاية صار الجميع مدينين، ولم يعد أحد يستطيع أن يسدد.»
التقط ما لاو تشي أنفاسه.
«ومات وو شيان نفسه بعد ذلك. مات كما أموت اليوم: أعاد كل الدم في جسده حتى لم يبق شيء. وترك كتاباً واحداً، هو سجل صناعة التماثيل الورقية. انتقل جيلاً بعد جيل، والسداد جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلى اليوم. يكفي.»
ظل شِن يمسك بيده، وكانت تبرد أكثر فأكثر.
«يا معلّم… وذلك الرجل الأخير، ماذا حدث له؟»
قال ما لاو تشي: «مات. كان عليه دين ثلاث أرواح، وقد سددها كلها اليوم. والتمثال الورقي لم يكن بديلاً عنه، بل كان بديلاً عن الثلاثة الذين قتلهم. دعوه حياً ليسدد دينه للموتى؛ وحين اكتمل السداد… حان أن يموت هو أيضاً.»
وفي الخارج صاح أحدهم: «ما لاو تشي! افتح الباب!»
كان صوتاً خشناً بنبرة رسمية. هبط قلب شِن؛ إنهم الشرطة، أو رجال المخفر.
ارتخت يد ما لاو تشي.
«اذهب. خذ الكتاب، واخرج من الباب الخلفي. انعطف يساراً، وفي الزقاق الثالث بئر. لن تستطيع القفز خارجاً، لكن شخصاً سينتظرك هناك. اسمها تساي. قل لها… إن ما لاو تشي مدين لها بإنسان.»
«يا معلّم، لا أستطيع…»
«اذهب.»
دفعه ما لاو تشي بما بقي له من قوة، ثم أغمض عينيه. وظلت تلك الابتسامة عند زاوية فمه.
دُوِيّ!
ركلوا الباب فاندفع إلى الداخل.
خطف شِن يان تشيو من الدرج كتاب سجل صناعة التماثيل الورقية، ذا الغلاف المصنوع من جلد الغنم، وركض إلى الباب الخلفي. خرج من الدكان، واندفع في الزقاق، وفي الظلام، وفي ليل ما بعد المطر.
خرج من زقاق تانر الضيق، الذي يصعب أن يمشي فيه اثنان جنباً إلى جنب.
خرج من عالم… ودخل عالماً آخر.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.