مكث شِن يان تشيو في الدكان ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر كاملة.
تعلّم خلالها صناعة التماثيل الورقية.
لا الصنعة الورقية المألوفة، بل… فناً ذا سرّ.
اتخذه ما لاو تشي تلميذاً.
وسمّاه تلميذاً، لكن الحقيقة أنه كان يتعلّم بالمشاهدة: يشاهد مرة فيحفظ في قلبه، ويشاهد ثانية فيجرّب بيديه؛ فإذا استعصى عليه شيء سأل، ثم عاد إلى التمرين.
وإذا أخطأ، لم يكن ما لاو تشي يوبّخه قط. كان يأخذ المقص فحسب، ويعيد صنع القطعة أمامه، من غير كلمة.
واكتشف شِن يان تشيو أن هذه الحرفة ليست عسيرة في ذاتها؛ العسير فيها هو أن تضع قلبك فيها.
كيف تُثنى شرائح الخيزران، وإلى أي حدّ. إن رخَتْ انهار الورق المُلصق عليها، وإن اشتدّت انشدّ الورق وتشقّق. وكيف يُلصق الورق، وكم طبقة يحتاج، وكم ينتظر بين طبقة وأخرى، وكم يكون الغراء ثقيلاً: فإن غلظ تجعّد الورق، وإن خفّ انفلت.
لكن ذلك كله لم يكن الأصعب.
الأصعب هو… تشكيل الوجه.
قال ما لاو تشي:
«صنع الجسد حرفة، أمّا صنع الوجه فهو فنّ السر. فالوجه أهم ما في الإنسان؛ فيه روحه ونَفَسه وهيئته. إن جعلته شبيهاً، صار البديل شبيهاً أيضاً، لا فرق بينهما.»
صنع شِن يان تشيو أكثر من عشرين وجهاً لتماثيل ورقية، ولم يُرضِ واحد منها ما لاو تشي. مرة كانت العينان مائلتين، ومرة الفم، ومرة الأنف أكبر من اللازم أو الأذنان أصغر.
وفي مرة، أتمّ شِن تمثالاً حسبه شبيهاً حقاً، ورفعه إلى معلّمه. ظل ما لاو تشي يتأمّله طويلاً، ثم سأله:
«من هذا؟»
قال شِن: «صنعته على الرسم الذي أعطيتني؛ إنه خادم شاب.»
هزّ ما لاو تشي رأسه. «ليس شبيهاً.»
«وأين الخلل؟»
أخذ المعلّم المقص، وعدّل ضربتين في وجه التمثال، لا غير: ضربة عند طرف العين، وأخرى عند زاوية الفم. ثم وضع المقص وقال: «انظر مرة أخرى.»
نظر شِن، فارتجف قلبه.
قبل قليل كان ذلك مجرد تمثال من ورق. أمّا الآن… فقد صار يشبه إنساناً حيّاً.
قال ما لاو تشي: «أخفتك؟»
«قليلاً.»
«وهذا صحيح. إن خفتَ، فقد بدأت تفهم. من لا يفهم قد يقضي عمره كله في هذه الحرفة، فلا يخرج من يديه إلا الورق. أمّا من يفهم، فما يصنعه يُسمّى… جسداً.»
---
وخلال أشهر التلمذة الثلاثة، اكتشف شِن يان تشيو أمراً آخر يتعلق بالخيط الأحمر.
فخيط ما لاو تشي الأحمر لم يكن خيطاً عادياً. كان يُفتل من حرير دودة القز، ثم يُنقع في الزنجفر، ويُمرَّغ في رماد البخور، ويُقدَّم أمام لوح الأجداد سبعة أيام.
وكان كل خيط لا يُستعمل إلا مرة واحدة. فإذا رُبط وعُقد، ثم أُحرق التمثال الورقي، انقطع الخيط. وكان موضع القطع مستوياً أبداً: لا كأنه قُصّ، ولا كأنه انتُزع، بل كأن شيئاً لا يُرى قضمه قضمة واحدة.
سأل شِن معلّمه ذات يوم: «يا معلّم، لِمَ لا بد أن يكون الخيط من حرير دودة القز؟»
قال ما لاو تشي: «الحرير تخرجه الدودة من فمها. وعندما تغزل، تفرغ ما في جوفها كله؛ فإذا فرغت ماتت. لذلك في الحرير… حياة.»
«حياة؟»
«نعم. في كل خيط حرير حياة دودة. وإذا اجتمع التمثال الورقي بالحرير صارا حياتين: حياة الدودة، وحرفة صانع التماثيل الورقية. وعندها فقط يصيران بديلاً. أمّا التمثال بلا خيط أحمر فليس إلا كومة ورق؛ يُحرق للموتى ولا يُقدَّم بديلاً للأحياء.»
رفع شِن خيطاً أحمر إلى المصباح. كان فيه بريق رقيق لين، كأنه شعيرة من دم.
«وماذا يفعل الزنجفر؟»
قال ما لاو تشي: «الزنجفر يختم الروح. حين يُربط الخيط، تصل حياة التمثال الورقي بحياة الإنسان الحي. ووظيفة الزنجفر ألا يدع شيئاً آخر يتسلل بينهما.»
«شيئاً آخر؟»
نظر إليه ما لاو تشي. «أتظن أن الأرواح التائهة والأشباح في هذا العالم قليلة؟ تلك التي لا موضع لها، والتي انتظرت مئات السنين ولم تجد بديلاً، ما إن ترى الخيط الأحمر قد رُبط حتى تريد الاقتراب. الزنجفر هو ما يصدّها.»
سأله شِن: «ورماد البخور؟»
«رماد البخور تحية للسماء. إن سداد الروح، في ظاهره، معاملة مع ملك الجحيم؛ لكن من يحاسب الحساب الأخير هي السماء. لذلك، في كل مرة نردّ فيها حياة، لا بد من البخور: ثلاث عيدان، لا زيادة ولا نقصان. فإذا قُدّمت، اطمأن القلب. ليس لأن الذنب زال، بل لأن صاحبه… أقرّ به.»
صمت شِن يان تشيو.
تذكّر المرأة التي جاءت مع طفلها، والفتاة التي حملها زوج تلك المرأة، وكل من ركع في الدكان وقرع رأسه على الأرض. كانت حياتهم تُسترد بخيط من حرير دودة القز، وقليل من الزنجفر، وقبضة من رماد البخور، وحرفة صانع تماثيل ورقية.
وثمن استبدال الحياة لم يكن في الورق؛ كان في الخيط، وفي الرماد، وفي عمر صانع التماثيل نفسه.
وفي تلك الأشهر الثلاثة رأى شِن أشخاصاً كثيرين يأتون إلى الدكان: فقراء وأغنياء، موظفين وقطّاع طرق، شيوخاً بيض الشعر وأطفالاً لم يكتمل نطقهم. كانوا يجلسون أمام الطاولة الطويلة، يخرجون آخر ما يملكونه من أشياء ثمينة، ويقولون العبارة ذاتها:
«يا معلّم ما، أنقذني.»
أو: «يا معلّم ما، أنقذه.»
لم يكن ما لاو تشي يسألهم عمّا اقترفوه ولا عمّا يدينون به. كان يسأل سؤالاً واحداً:
«إلى متى تريد أن تعيش؟»
بعضهم كان جشعاً، فيقول إنه يريد أن يبلغ المئة. فيهزّ ما رأسه قائلاً: «ليس عندي من الحياة ما يكفيك. عشر سنوات في الأكثر.»
وبعضهم كان راضياً بنصيبه، فيقول إن سنة أخرى تكفيه. فيهزّ ما رأسه موافقاً، ويتناول المقص ويبدأ العمل.
لكن رجلاً واحداً ظل في ذاكرة شِن أوضح من غيره.
كان رجلاً في منتصف العمر، يلبس ثوباً طويلاً من الحرير، ونظارة بإطار ذهبي، وحذاءً جلدياً يلمع لمعاناً. بدا من النظرة الأولى غريباً عن الحي.
دخل الرجل الدكان ولم يجلس. وضع حقيبة جلدية على الطاولة الطويلة وفتحها. كانت مليئة بالنقود: دولارات فضية وأوراق نقدية وسبيكتين من الذهب.
قال: «يا معلّم ما، لقد سألت. لا أحد في بكين كلها يستطيع تدبير هذا الأمر سواك. لكن قبل أن آتي… ظل زقاق شجرة الصفصاف في اضطراب ثلاثة أيام. قالوا إن التماثيل الورقية صارت تمشي، وإن كل بيت وُضعت في شق بابه تعويذة صفراء. لم يخرج الأطفال ولم ينم الشيوخ، وخلا الشارع حتى إن بائع حلوى الزعرور لم يعد يمر به. جمع أهل الزقاق مالهم واستدعوا راهباً طاوياً من معبد باييون ليعلّق التعاويذ. علّق ثلاثاً، والتماثيل الورقية ما زالت تمشي. لا بد لي من قصدك.»
لم ينظر ما لاو تشي إلى المال. كان ينظر إلى وجه الرجل.
ظل ينظر طويلاً، ثم قال: «لقد قتلت إنساناً.»
تغيّر وجه الرجل، لكنه تظاهر بالتماسك. «يا معلّم ما، أنت تمزح. أنا رجل أعمال، وأعمالي شريفة…»
قاطعه ما لاو تشي: «قتلت ثلاثة. شريكك، ومحاسبك، و… زوجتك.»
ابيضّ وجه الرجل تماماً. ارتجفت شفتاه، وأراد الكلام فلم يجد إليه سبيلاً.
قال ما لاو تشي: «عليك دين ثلاث أرواح. وكان ينبغي أن تموت قبل ثلاثة أشهر، لكنك وجدت من صدّ عنك ذلك مرة. واليوم جئتني لتصدّه مرة أخرى، أليس كذلك؟»
هوى الرجل على ركبتيه. «يا معلّم ما… أنقذني… أعطيك مالاً، أيّ مال تريد…»
نهض ما لاو تشي ومشى إليه، ثم نظر إليه من علٍ. ولم يكن في عينيه الصغيرتين المتدلّيتين غضب ولا اشمئزاز، بل أسى.
«أتدري لِمَ عرفت أنك قتلت؟»
هز الرجل رأسه.
قال: «لأن الذين قتلتهم واقفون وراءك. ثلاثة: واحد يضغط على حنجرته، وواحد يمسك بطنه، والثالث… يخنق عنقه بيديه. إنهم ينتظرونك. انتظروك ثلاثة أشهر.»
التفت الرجل فجأة. خارج الباب كان المطر، ولم يكن هناك شيء. لكنه بدا كأنه رأى شيئاً، فتبدّل لون وجهه من أبيض إلى أخضر مزرق، ومنه إلى رمادي، ثم انهار جالساً على الأرض.
قال ما لاو تشي: «عُد إلى بيتك. لن آخذ مالك، ولن أردّ لك حياتك. لأنك لا ينبغي أن تبقى حياً. وإن لم تأخذك السماء، فسيأخذك أحد عاجلاً أم آجلاً.»
خرج الرجل شارد الذهن إلى المطر، وترك حقيبته خلفه. لحقه شِن يان تشيو وهو ينادي: «حقيبتك…» ثم انقطع صوته.
ففي ستار المطر، وراء الرجل، رأى كأن ثلاثة ظلال تتبعه، شاحبة متكسّرة الملامح.
تلك الليلة سأل شِن معلّمه: «يا معلّم، لقد رددت الحياة لكثيرين. فمن يردّ لك أنت حياتك؟»
كان ما لاو تشي يصنع تمثالاً ورقياً، وأصابعه لا تتوقف. طقطقة المقص، وصرير شرائح الخيزران. وبعد وقت طويل قال:
«لا أحد.»
«ولماذا؟»
«لأن هذه الحياة لم تعد تساوي شيئاً.»
---
حلّ الخريف، وصار شِن يان تشيو قادراً على صنع التماثيل الورقية وحده. تفحّص ما لاو تشي واحداً من أعماله، وأومأ أخيراً، وهو أمر نادر منه.
«حسن. كاد يكتمل.»
ظن شِن أن معلّمه يثني عليه، لكن الجملة التالية كانت: «حان لك أن ترحل.»
تجمّد شِن. «أرحل؟»
«ارحل. عد إلى بلدتك، أو اذهب إلى مكان آخر؛ لكن لا تبق هنا.»
«لماذا؟»
وضع ما لاو تشي المقص، ونظر إليه. كانت عيناه أعكر مما كانتا قبل ثلاثة أشهر، والعروق الحمراء في بياضهما أكثر، وحدقتاه تميلان إلى صفرة رمادية، كشاي تُرك طويلاً في الماء.
«إن لم ترحل الآن، صرت مثلي.»
«وما بأس أن أصير مثلك؟»
«قصير العمر.»
وقف ما لاو تشي عند الباب، ونظر إلى ذلك الشريط الضيق من السماء فوق الزقاق. كان لونها أزرق قاتماً، والليل على وشك أن يحل.
«معلّمي عاش اثنين وخمسين عاماً. ومعلّم معلّمي عاش تسعة وأربعين. ومعلّم أجدادي في الصنعة عاش واحداً وأربعين. كل جيل أقصر من الذي قبله، لأن الحياة التي نردّها تنقصنا أكثر فأكثر. لا تترك ديناً لا يُسدّ لغيرك كي يحمله عنك.»
قال شِن: «لن أرحل.»
التفت ما لاو تشي إليه. «أأنت أحمق؟ علّمتك الصنعة لأنني رأيتك مسكيناً، لا لأورّثك مكاني. هذه الحرفة… كان ينبغي أن تنقطع من زمن.»
قال شِن: «لن أرحل، وليس بسبب الحرفة، بل بسبب…»
ثم لم يستطع الإكمال.
بسبب ماذا؟ الفضول؟ أم عدم الرضا؟ أم لأن الأجوبة التي لم يجدها في كتب الحكماء وجدها في هذا الدكان المتهالك؟ لم يكن ذلك الطالب يدري. لكنه كان يدري أنه لا يستطيع الرحيل.
ظل ما لاو تشي ينظر إليه طويلاً، ثم تنهد.
«ما دمت لن ترحل، فعلي أن أخبرك بشيء.»
«ما هو؟»
«كل تمثال ورقي في هذا الدكان ليس مصنوعاً للموتى. أتَرى أولئك الفتيان والفتيات الورقيين في المقدمة؟»
أومأ شِن.
«ليست قرابين دفن للموتى.»
كان صوت ما لاو تشي خافتاً، خفة رماد الورق في الريح.
«إنهم… بدلاء للموت.»
انتصبت شعيرات جسد شِن. «بدلاء للموت؟»
«نعم. كل واحد من أولئك الفتيان والفتيات صدّ كارثة عن طفل. وكان ينبغي إحراقه بعد أن يقوم بذلك، لكنني أبقيتهم. لا لأنني بخلت بهم، بل لأن كل حرق يضيف حساباً جديداً، وأنا لم أعد أستطيع سداده. لا أعرف: إن أحرقتهم الآن، فهل يبقى ما صدّوه محسوباً أم لا؟»
نظر شِن إلى التماثيل التي تقف إلى الحائط. فتيان وفتيات ساكنون، وعلى وجوههم ابتسامة لا تنقطع. لكنها لم تعد في عينيه ابتسامة… بل بدت كأنها بكاء.
أخرج ما لاو تشي من ثوبه شيئاً: خيطاً أحمراً، مثل الذي ربطه في معصم الطفل من قبل؛ رقيقاً كشعرة، وأحمر كالدم.
«غداً ليلاً سيأتي زبون. عليه أن يرد ثلاث حيوات. لقد قتل ثلاثة، لكنه لا يريد أن يموت. عرف طريقي وعرض ثمناً عالياً، عالياً بما يكفي لأن يكفيني ما بقي من عمري.»
قال شِن: «أوافقتَ؟»
«وافقت.»
«لكن في المرة الماضية…»
«المرة الماضية كانت غير هذه. هذه المرة… لن أجد بديلاً للموت. من سأجده هو الرجل نفسه.»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.