كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/02 · صانع التماثيل الورقية — الفصل 2
الفصل السابق

02 · صانع التماثيل الورقية — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

أضاء فانوس الدكان، الفانوس الأبيض نفسه الذي يحمل كلمتي «متجر ما» ويتأرجح في الريح. دفع شن يان تشيو نصف الباب، فصر المحور من جديد، أشد من الأمس.

كان في الدكان شخص إضافي، ليست العجوز بل امرأة في الثلاثين ترتدي معطفاً قطنيّاً أزرق داكناً ولفافة رأس رمادية. كان وجهها أصفر شمعياً، ومحجرا عينيها غائرين كحفرتين، وشفتاها متشققتين يكسوهما بياض. بين ذراعيها طفل ملفوف في لحاف قطني مهترئ لا يعرف لونه الأصلي. أغمض الطفل عينيه، وكان وجهه رمادياً باهتاً بلون اللحاف، لا يشبه وجه حي.

وقفت المرأة أمام المنضدة، والشيخ خلفها يصنع تمثالاً كما فعل في الأمس. لكن وجه التمثال رُسم اليوم، وكان وجه الطفل الذي تحمله المرأة.

وقف شن يان تشيو عند الباب ولم ينطق. أخرجت المرأة صرة، وفيها خمس أو ست عملات فضية لا أكثر، تلمع تحت الزيت ببياض بائس. وضعتها على المنضدة وقالت بصوت يرتجف: «يا معلم ما، هذا كل ما عندي. بعت الأرض، ورهنت البيت، واستدنت من كل قريب. قال الطبيب إن الطفل لن يصمد إلى الليل».

لم ينظر الشيخ إلى الفضة، بل إلى الطفل. مد إصبعين إلى معصمه، لا كطبيب يفحص النبض، بل أمسك خيطاً دقيقاً مربوطاً حوله؛ خيطاً أحمر أدق من الشعرة. تتبعه من معصم الطفل إلى الطرف الآخر، فإذا به معقود في معصم التمثال الورقي. أغمض عينيه ومرر أصابعه على الخيط مرة، ثم مرة أخرى، ثم فتحهما وقال: «هذا الطفل لا ينبغي أن يموت».

اندفعت دموع المرأة. «يا معلم ما، أنقذه، أرجوك، أسجد لك». وهمت أن تركع، فرفع الشيخ يده وأوقفها. «لا تركعي. لن ينفع. لا أستطيع إنقاذه؛ لا أستطيع إلا أن أدفع عنه مرة».

«كيف تدفع عنه؟»

لم يجب. حل خيط المعصم عن الطفل وربطه في معصم التمثال، بعقدة غريبة من ثلاث طبقات، كل طبقة تضغط الأخرى، كأنها تعويذة. ثم مضى إلى الخلف حيث لوح أسود لا تظهر الكتابة عليه، وأمامه مبخرة فيها ثلاث عيدان بخور لم تشعل. أشعلها بعود كبريت؛ صعد دخانها الأخضر ولم يتبدد، بل اجتمع خيطاً مستقيماً نحو الأعلى. انحنى الشيخ ثلاث مرات أمام اللوح وتمتم بكلمات لم يسمعها شن يان تشيو، لم يلتقط منها إلا: «…بديل… تبديل الروح… خذوه…».

عاد إلى المنضدة، وأخذ مقصاً وفتح شقاً صغيراً عند طرف إصبع التمثال. تمزق الورق، ومن الشق خرجت قطرة حمراء.

لم تكن صبغة ولا زنجفراً.

كانت دماً.

اتسع بصر شن يان تشيو. رآه واضحاً، أحمر طازجاً يسيل من إصبع الورق. حمل الشيخ التمثال إلى الخارج. في الزقاق موقد حديدي صدئ مخصص لحرق الورق، وحوله رماد كثيف تفرقه الريح. وضع التمثال فيه، أشعل عوداً وألقاه. احترق سريعاً؛ لهب أصفر ثم أزرق ثم أخضر من ألوان الورق.

تشوه وجه التمثال في النار وانكمش، ثم فتح عينيه وسط اللهب.

لم يكن وهماً. رآه شن يان تشيو بوضوح: نقطتا الحبر السوداوان صارتا حيتين للحظة، ثم أغلقتا.

انطفأت النار وصار التمثال رماداً أسود.

وفجأة سعل الطفل في حضن أمه، ثم بكى. كان بكاؤه ضعيفاً كمواء قطة صغيرة، لكنه كان حياً.

ركعت المرأة والطفل بين ذراعيها وسجدت للشيخ ثلاث مرات، وجبهتها تضرب الأرض المتجمدة: دوم، دوم، دوم. لم يساعدها ولم يقل كلمة. عاد إلى الدكان، وعند مروره بشن يان تشيو توقف.

«رأيت؟»

«رأيت».

«خفت؟»

«خفت».

«إن كنت خائفاً فارحل. ليس هذا مكاناً لك».

لكنه لم يرحل. تبع الشيخ إلى الداخل. «يا معلم ما، هل أسأل شيئاً؟»

جلس الشيخ من جديد خلف المنضدة، وأخذ المقص والخيزران وصنع تمثالاً آخر. «اسأل».

قال شن يان تشيو: «كيف يستطيع التمثال… كيف…» ثم عجز. كيف جاء الدم؟ كيف فتحت العينان؟ كيف شُفي الطفل؟ تجمعت الأسئلة في حلقه ولم تخرج.

فقال الشيخ مكانه: «تريد أن تسأل كيف يسدد التمثال الورقي روح إنسان، أليس كذلك؟»

أومأ شن يان تشيو. توقفت مقصات الشيخ، ورفع عينيه المتدليتين. لم يكن في بؤبؤيه انعكاس من المصباح، بل سواد عميق كبئرين جافتين. قال: «هذه ليست صنائع ورقية. إنها فنٌّ موروث من عهد شانغ، منذ نحو ثلاثة آلاف سنة».

أحس شن يان تشيو أنه سقط في حلم، ليس كابوساً ولا حلماً حسناً، بل حلماً تختلط فيه الظلمة بالنور؛ كل شيء فيه ضبابي وواضح معاً.

«عهد شانغ؟»

«عهد شانغ». قال الشيخ: «كان فيه أمر اسمه التضحية بالبشر، دفن الأحياء مع الموتى. ثم رأى قوم أن ذلك قاسٍ، فاستبدلوهم بتماثيل فخار. وبعدها صارت تماثيل الفخار صنائع ورقية. والتمثال الورقي هو صنم ورقي».

نهض وفتح درجاً خلف المنضدة. فيه كتاب مكتوب باليد لا مطبوع، جلده من جلد غنم أسود لامع من كثرة الزيت. على غلافه ثلاثة أحرف: سجل صنع الورق.

فتحه على صفحة ودفعها إلى شن يان تشيو. فيها رسم هيئة إنسان من خيزران مكسو بالورق، مرسومة لها ملامح، وإلى جانبها أسطر بخط صغير مرتب. اقترب شن يان تشيو وقرأ:

«صنع وو شيان التمثال ليحل محل الإنسان في القربان.

ومن حل محل إنسان، لزم أن يتم شكله.

فإذا شابه الشكل دخلت الروح.

وإذا دخلت الروح حلّت حياته محل حياته».

ارتجفت أصابعه؛ لا من البرد، بل لأنه قرأ ما لا ينبغي أن يقرأه. أغلق الكتاب ولم يجرؤ على النظر ثانية. «ما هذا؟»

«سجل صنع الورق. نسخه معلّمي، ونسخه معلّم ما لاو تشي، ولا أعلم كم جيلاً قبلهما. كل جيل ينسخ واحداً، فإذا تم النسخ أحرق القديم وخبأ الجديد».

«ولماذا يحرقونه؟»

«كيلا يراه الأحياء».

أعاد الشيخ الكتاب إلى الدرج وأغلقه، ثم أقفل بقفل نحاسي صغير ذي نقش ليس زخرفة عادية، بل علامة تعويذة. وقال: «بما أنك رأيت، فلن أخفي. كل صنعة في هذا الدكان ليست لتحرق من أجل الموتى».

سرى البرد في ظهر شن يان تشيو. «فلمن تُحرق؟»

قال الشيخ: «للأحياء».

«…ماذا؟»

«إن كان حيٌّ مديناً بروح، يسددها بصناعة ورقية. ومن يأخذ الصنعة ليس ملك الموت ولا الأشباح الصغار، بل السماء».

عاد الشيخ إلى جلسته، وحمل التمثال غير المكتمل، وعادت أصابعه تتحرك بمهارة وثبات، كأن الكلام السابق لم يترك فيه أثراً.

قال: «الأرواح في هذا العالم معدودة. من كُتب له أن يعيش يعيش، ومن كُتب له أن يموت يموت. لكن بعض الناس لا ينبغي أن يموتوا. تقلب بهم المصادفة، فيصبحون مدينين بروح، أو يُسلبون روحهم بيد إنسان. هؤلاء لا ينبغي أن يموتوا».

«وكيف… يسددون؟»

«تصنع تمثالاً ورقياً على صورتهم. كلما زاد شبهه بهم كان بديله أصدق. يقف التمثال عنك مرة أمام البلاء. وبعد أن يقف، يُحرق، فيمتد أجلك».

«ومن أين تأتي تلك الحياة؟»

توقفت أصابع الشيخ لحظة ثم مضت. «مني».

«ماذا تعني؟»

«أعني أنني كلما دفعت عن أحد مرة نقص من عمري أعوام».

لم يعد شن يان تشيو قادراً على الوقوف. تراجع حتى لامس ظهره الباب، فكانت برودته تصعقه. رفع الشيخ رأسه وابتسم فجأة. لم تكن ابتسامة حنان ولا فخر، بل ابتسامة من عرف نصيبه.

قال: «عمري ثمانية وستون، وأبدو في الثمانين، أليس كذلك؟ كان ينبغي أن أعيش إلى الثالثة والسبعين. أما الآن فلعلني لا أتجاوز هذا الشتاء».

أراد شن يان تشيو أن يسأل: لماذا تأخذ من عمرك لتسدد عن غيرك؟ لماذا تفعل هذا وأنت تعرف أنك ستموت؟ لكنه لم يقدر.

كأن الشيخ سمع ما في قلبه. قال: «لأنني أنا أيضاً مدين بروح».

«ما معنى ذلك؟»

«في الماضي، سددت روحاً لرجل لا ينبغي أن يعيش. قتل ثلاثة، وكان الواجب أن يدفع حياته. لكنني دفعت عنه. ومن يومها صار عليّ دين. دين للسماء. تطلبه مني، فلا بد أن أسدده. وإن لم يكتمل، ينتقل جيلاً بعد جيل».

ارتجفت شفتا شن يان تشيو. «جيلاً بعد جيل؟»

«نعم. معلمي كان يسدد هكذا، ومعلم معلمي كذلك. إلى ثلاثة آلاف عام. كل صانع ورق يسدد عن غيره روحاً، ثم يصير هو مديناً بروح. لا يكتمل السداد، فيورثه لمن بعده. إلى الأبد، لا يكتمل».

اختلطت الأفكار في قلب شن يان تشيو كخيوط معقدة لا يفكها أحد. تذكر أيام المدرسة حين قرأ في «كتاب الوثائق»: «في عهد الملك تاي وو صنع وو شيان تماثيل لتحل محل القرابين البشرية». سأل معلمه يومها ما معنى أن يحل التمثال محل الإنسان، فقال: «كان الملوك إذا ماتوا دفنوا معهم أحياء، ثم صنع قوم تماثيل فخار لتحل محلهم؛ أمر حسن، نجا به أناس كثيرون».

كان شن يان تشيو يظن وو شيان رجلاً صالحاً ذكياً، أنقذ حياة باستبدال الفخار بالبشر. لكنه عرف الآن أن ما دخل في تلك التماثيل لم يكن طيناً، بل روحاً. استبدل وو شيان روح غيره، فانقلب هو مديناً بروح، وصار ذريته يسددون ما لا ينتهي. ثلاثة آلاف عام، سبعة وثلاثون جيلاً، من شانغ إلى الجمهورية، ومن دولة إلى أخرى، ومن تمثال فخار إلى ورق، ومن برونز إلى خيزران. تغير كل شيء إلا واحد: كل شق يفتحه الصانع، وكل خيط يفصله، هو روح. تماثيل شانغ الفخارية تفصل الروح، وصنائع العصر الحديث الورقية تفعل ذلك أيضاً. ليست مجرد نية؛ النية غلاف الروح، أما الروح فحقيقة.

قال شن يان تشيو بصوت خشن: «وماذا حدث لوو شيان؟»

نهض ما لاو تشي ومشى إلى اللوح الأسود، وأشار إليه. «هذا هو».

نظر شن يان تشيو. كانت عليه حروف لا تشبه الخط العادي، بل صوراً ككتابة عظام السلحفاة. حدق طويلاً حتى عرفها: مقام وو شيان.

قال الشيخ: «صنع التماثيل للملك، ثم صنعها لكثيرين. وفي آخر مرة صنع تمثالاً لابنه. كان ابنه سيموت في السادسة عشرة، فحل التمثال مكانه وعاش الابن. أما وو شيان فبعد ثلاثة أشهر مات نازفاً من كل جسده، حتى جف كقطعة خشب يابسة».

تردد صوت ما لاو تشي في الدكان؛ لم يكن عالياً، لكن كل كلمة كانت مسماراً يدق في عظام شن يان تشيو.

«منذ ذلك اليوم تغيرت أسرة وو؛ ثم سميت ما، ثم تشو، ثم وانغ، ثم تشاو. يغيرون الاسم كل بضعة أجيال، لكن حرفة الورق وطرق سجل صنع الورق لم تنقطع. لأن كل جيل يعرف أن هذا الدين ليس دينه، بل دين سلف بعيد. والسلف لم يعد هنا، فلا يبقى إلا نحن لنسدده».

قال شن يان تشيو: «وهل إذا أخذتني تلميذاً سأضطر أنا أيضاً إلى…؟» ولم يكمل.

استدار ما لاو تشي، ونظر إليه طويلاً، ثم هز رأسه.

«لا. أنا فقط… وحيد جداً».

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.