كانون الأخير.
شتاء بكين جافٌّ باردٌ حتى العظم.
تضرب الريح الوجه كأنها شفرات صغيرة تقشر اللحم.
ضربة.
ثم أخرى.
لا ألم.
خدر فقط.
إلى الغرب من ليو لي تشانغ زقاق ضيق اسمه زقاق الفحم. فمه من الضيق بحيث يعسر أن يمر فيه رجلان متجاوران. وكلما مضى المرء فيه ضاق أكثر وأظلم أكثر. تقشر الجص عن الجانبين فكشف الطوب الأزرق، ونما عليه طحلب. طحلب الشتاء أسود، يابس، كجلد ميت.
في أعمق الزقاق دكان بلا لافتة. عند بابه فانوس ورقي أبيض كُتب عليه حرفان: «متجر ما». كان الفانوس يتأرجح في الريح؛ ومع كل تأرجح بدت الحروف كأنها تحيا، تلتوي مرة ثم أخرى، كدودتين تتلوّيان.
وقف عند الدكان رجل اسمه شن يان تشيو، في الثامنة والعشرين، يرتدي رداءً قطنيّاً رمادياً باهتاً من كثرة الغسل. اهترأ طرف كمّه، وظهر منه القطن المحشو. وعلى كتفه صرة قماش قديمة منكمشة، لا تضم إلا بضعة كتب وثياب تبديل.
كان شن يان تشيو رجلاً من أهل العلم. أو بالأحرى، من أهل العلم الذين خابت محاولاتهم.
دخل امتحان المقاطعة ثلاث مرات ولم ينجح. في الأولى نُقص سبع مراتب، وفي الثانية ثلاثاً وعشرين، وفي الثالثة لم يدخل القاعة أصلاً؛ مرض، وأصابه إسهال ثلاثة أيام حتى تغير وجهه من الهزال. وحين عوفي كانت الامتحانات قد انتهت. قال بعض الناس إن حظه عاثر، وقال آخرون إن مقبرة أجداده سيئة الاتجاه، وقال غيرهم إن بين حاجبيه ظلمة نذير.
أما هو فلم يكن يصدق ذلك. لا يؤمن بالقدر، ولا بتوجيه القبور، ولا بالأرواح والآلهة. بعد كل تلك السنوات في كتب الحكماء لم يبق يؤمن إلا بشيء واحد: العدل.
لكن شن يان تشيو آمن اليوم.
لأنه رأى ما في هذا الدكان.
لم تكن واجهته كبيرة: بابان خشبيان تقشر طلاؤهما حتى ظهر خشب رمادي أبيض مشقق، حُشيت شقوقه بخرق ترد الريح. دفع أحد البابين، فصرّ: صرير محور لم يُدهن منذ عشرات السنين، صوت يتسلل بين شقوق العظم فيترك الأسنان تؤلم صاحبها.
في الداخل مصباحا زيت، فتائلهما قصيرة ولهبهما بحجم حبة فاصولياء. كان الضوء أصفر خافتاً حتى غدا كل شيء فيه غائماً.
كان الضوء كأن المرء ينظر من خلال ورقة نافذة مصفرة.
امتلأ الدكان بصنائع ورقية جنائزية. عند الجدار أربعة تماثيل ورقية، فتيان وفتاتان. للفتيان خصل شعر مرفوعة، وثياب زرقاء من ورق، وتعاليق طول عمر ورقية على صدورهم. وللفتاتين ضفيرتان جانبيتان، ومعطفان أحمران وسراويل خضراء، وعلى وجهيهما دائرتا حمرة تلسعان العين؛ حمرة لا تشبه وجه حي. كانت التماثيل في حجم الناس تقريباً، مصطفة، ساكنة لا تتحرك. ومع ذلك أحس شن يان تشيو أنها تنظر إليه. لم يعرف السبب، غير أن برداً صعد في عموده الفقري؛ ليس برد الهواء، بل برد من يحدق في مؤخرة رأسك.
التفت. لم يكن خلفه شيء سوى ريح الباب والفانوس الأبيض المتأرجح.
قال صوت من عمق الدكان: «أتريد شراء صنائع ورقية؟»
كان هادئاً أجش، كأن في الحلق رملاً. نظر شن يان تشيو نحو الصوت. في العمق منضدة طويلة فوقها ورق أحمر وأصفر وأخضر وأزرق وذهبي وفضي، وأكوام من شرائح الخيزران الدقيقة المنقوعة في الماء حتى تلين وتنحني إلى أي هيئة. خلف المنضدة جلس شيخ، لا يعرف أكان في الستين أم الثمانين. شعره أبيض متناثر، مربوط خلف رأسه بضفيرة صغيرة رفيعة كذيل فأر. ملأ التجاعيد وجهه، طبقة فوق طبقة، حتى إن أعمقها قد تخبئ عملة نحاسية. عيناه صغيرتان وجفناه متدليان، كأنه نعسان أو غارق في همّ. لكن أصابعه كانت ماهرة على نحو لا يصدق.
كان يصنع تمثالاً ورقياً. اكتمل رأسه المستدير: هيكل من شرائح الخيزران مغطى بثلاث طبقات من الورق الأبيض المصقول. لم ترسم له ملامح بعد. كان الوجه فارغاً، وفراغه يبعث الخوف.
قال شن يان تشيو: «لا أريد شراء شيء. أنا فقط… مررت فرأيت النور ودخلت أنظر».
لم يرفع الشيخ رأسه، وظل يعمل. «انتهيت من النظر؟»
«نعم».
«إذن اذهب».
لكنه لم يذهب. ظل الدارس يحدق في التمثال الذي لا وجه له، لا عينين ولا أنفاً ولا فماً. وجه أبيض فارغ، ومع ذلك أحس أن فيه شيئاً ينظر إليه.
قال: «يا معلم، تماثيلك هذه تشبه الحقيقيين».
توقفت أصابع الشيخ لحظة واحدة، ثم عادت إلى العمل. «التمثال الورقي تمثال ورقي، كيف يشبه الحي؟»
وقف شن يان تشيو يتأمل ما حوله: فتيان وفتيات، وعربات وخيول ورقية، وجبالاً من ذهب وفضة، وأحواض كنوز، وداراً كاملة من الورق على هيئة فناء رباعي: الغرف الرئيسية والجانبية والخلفية، وطاولة حجرية ومقاعد، بل وأسدي حجر عند عتبة الباب. كانت كل صنعة متقنة؛ كل ثنية في موضعها، وكل ورقة ممسوحة بلا تجعيدة ولا قطرة صمغ زائدة. لم تعد هذه حرفة. ماذا كانت؟ لم يجد لها اسماً.
اقترب من تمثال فتاة، أقصر منه برأس، ترفع وجهها. كانت عيناها نقطتين من حبر، سوداوين لامعتين كحبتَي فاصوليا. حدق فيهما، وفجأة انقبض قلبه.
بدتا كأنهما تتحركان.
لا، ليستا تتحركان.
بل كان هناك شيء تحت نقطتي الحبر، وتحت الورق، وخلف هيكل الخيزران، يحدق به.
تراجع خطوة. اصطدم كعبه بشيء. نظر إلى أسفل: عربة حصان من الورق، صغيرة بطول قدم تقريباً، لها أربع قوائم وذيل، ولها عرف من شرائط ورق أصفر دقيقة ملصقة. وعينا الحصان نقطتا حبر، لكنهما لم تشبها عيني الفتاة. كان فيهما ضوء. ليس لمعان الحبر ولا انعكاس المصباح، بل ضوء يخرج من داخل النقطتين، خافتاً معتماً، يضيء ويخبو كأنه كائن حي.
قرفص شن يان تشيو ومد يده ليلمسهما.
قال الشيخ من خلفه: «لا تلمس».
لم يكن الصوت عالياً ولا قاسياً، لكنه نزل عليه كدلو ماء بارد. تجمدت يده في الهواء. وقف ببطء والتفت. كان الشيخ لا يزال يصنع تمثاله ولم يرفع رأسه قط، وقال: «ذلك الحصان طُلب. لا يُمس».
«ولماذا؟»
رفع الشيخ رأسه أخيراً. نظرت العينان الصغيرتان المتدليتان إلى شن يان تشيو طويلاً، حتى فرقعت زهرة لهب المصباح، وحتى سكنت الريح في الخارج.
قال: «لأنه يُدفع به ثمن روح».
تجمد شن يان تشيو. «ثمن روح؟»
لم يجب الشيخ. خفض رأسه وعاد إلى التمثال. فرقعت المقصات، وصرّت شرائح الخيزران، ووشوش الورق بين أصابعه. وبعد صمت طويل قال: «حل الظلام. وقت إغلاق الباب. إن أردت المجيء غداً، فتعال بعد ساعة الديك. بعد انقضائها لا تأت».
«إن أتيت بعد ذلك فلن أفتح».
أراد شن يان تشيو أن يسأل، لكن الشيخ نهض ومشى إلى الباب ودفع النصف الآخر منه مفتوحاً. كان ذلك يعني: انصرف.
خرج شن يان تشيو مضطراً. عند العتبة التفت. كان الشيخ واقفاً في إطار الباب، وخلفه مصباح الزيت الأصفر وغرفة تماثيل الورق. وقفت التماثيل ساكنة في الظلام، ككائنات حية لا تتنفس.
خرج من زقاق الفحم إلى الشارع. كانت مصابيح الشارع تضيء الطريق الخالي بلون أصفر. التفت إلى فم الزقاق، فلم ير سوى سواد. لم يكن هناك إلا الريح تندفع من العمق، تعوي كأن أحداً يبكي.
في تلك الليلة تقلب شن يان تشيو في نزل بيانييفانغ الرخيص ولم ينم. ظلت التماثيل الورقية في رأسه. كان ما لاو تشي قد قال له لاحقاً: «كي يحيا التمثال الورقي يحتاج أولاً إلى روح. ومن أين تأتي الروح؟ ليست مستعارة من الخارج؛ صانع الورق يفصل خيطاً من فكره ورغبته ويضعه فيه، فيتحرك التمثال. لكن ما فُصل لا يعود. بقدر ما يعيش التمثال يقصر عمر صانعه».
تلك الوجوه الفارغة، وتلك العيون المنقطة بالحبر، وكلمة الشيخ: ثمن الروح.
في اليوم التالي، بعد ساعة الديك، حين بدأ الظلام يهبط، عاد شن يان تشيو.
كان العرّاف الشيخ يدعى هوانغ، ويقولون له هوانغ نصف الخالد. افترش مكانه في ليو لي تشانغ عشرين عاماً. جلس شن يان تشيو أمام بساطه، وقبل أن يفتح فمه قال هوانغ:
«ذهبت إلى زقاق الفحم».
ارتاع شن يان تشيو. «كيف عرفت؟»
أشار هوانغ إلى كمّه. «عليه رماد ورق. رمادهم ليس كرماد الورق العادي. الصنائع الورقية المحروقة رمادها رمادي أبيض وله بريق زيتي، من الصمغ. من يحرق نقود الورق في البيت لا يترك هذا».
نظر شن يان تشيو إلى كمّه، فرأى فعلاً قطعاً دقيقة من رماد رمادي أبيض، كأنها مسحوق عظم.
قال: «يا سيدي، ما أصل ذلك الدكان؟»
فتل هوانغ لحيته وسكت طويلاً، ثم قال: «أتدري أن في عهد شانغ رجلاً يدعى وو شيان؟»
كان شن يان تشيو من أهل العلم، وقد قرأ عنه في «كتاب الوثائق»: كاهن في زمن الملك تاي وو، يتصل بالأرواح والآلهة، ويعرف إرادة السماء، وصنع دمى لتحل محل القرابين البشرية.
قال: «أعرفه».
قال هوانغ: «حرفة ذلك الدكان منسوبة إليه. لكنه صنع يومها تماثيل من فخار، ثم صارت صنائع من ورق. الورق أرخص من الفخار وأسهل في الإرسال».
«الإرسال؟»
قال هوانغ: «أي الحرق. تمثال الفخار يبقى تحت الأرض آلاف السنين، أما الورق فيزول حين يحترق. احرقه فيسدد الدين. هذا ما اهتدى إليه من جاؤوا بعدهم؛ أيسر وأقل عناء».
سأل شن يان تشيو: «ومن هو ما لاو تشي؟»
هز هوانغ رأسه. «لا تسأل. لن تصل إلى شيء. سلالة ما ممتدة من عهد شانغ إلى اليوم؛ كل بضعة عقود تنتقل إلى موضع، وتتخذ اسماً آخر، لكنها تفعل الشيء نفسه: تسدد الأرواح عن الناس. أتظن الدكان دكان صنائع ورقية؟ أخطأت. إنه دكان سداد الأرواح».
نهض شن يان تشيو ليذهب، فناداه هوانغ: «أيها الشاب، أترك لك كلمة».
«قل يا سيدي».
«هذه الحرفة، إن فهمتها، فهي سداد دين عن غيرك؛ وإن لم تفهمها، صرت أنت المَدين. إن كنت ستعبر تلك العتبة مرة أخرى، ففكر جيداً: أتكفي روحك للسداد؟»
مضى شن يان تشيو، لكن كلمة هوانغ ظلت تدور في رأسه.
وبعد ساعة الديك وقف من جديد عند فم زقاق الفحم. كان الفانوس الأبيض مضاءً، لكن نظرته إليه تغيّرت. لم تعد فضولاً؛ بل معرفة ناقصة، كمن عرف شيئاً ولم يعرفه كله. أخذ نفساً ودفع نصف الباب.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.