كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/03 · الرحلة الأخيرة لناقل الجثث
الفصل السابق

03 · الرحلة الأخيرة لناقل الجثث

ما وراء الليل

الفصل التالي

عليك أن تعرف أن بعض القواعد في هذا العالم ليست قواعد، بل أقفالاً؛ تقفل أشياء لا ينبغي أن تخرج. وبعض الأشجار ليست أشجاراً، بل رؤوس أقفال.

كانت قرية تشاو جيا قو عند مجرى النهر الأصفر القديم، ثلاثمائة نفس ومئة بيت مبعثرة على سفح من التراب الأصفر. وتحت السفح نهر جف منذ زمن، فلم يبق منه إلا أخدود عميق امتلأ بالقصب؛ إذا هبّت الريح فيه خشخش كأن أناساً كثيرين يمشون داخله.

وعند مدخل القرية شجرة سوفورة قديمة لا يعرف أحد عمرها. كان جذعها أعرض من أن يطوّقه ثلاثة رجال، ولحاؤها متشققاً في كتل غائرة يسع الشق منها إصبعاً. امتدت أغصانها عشرات الأمتار في كل اتجاه، فغطت نصف مدخل القرية. وفي الصيف كان ظلها كثيفاً، وجذورها ترفع ألواح الحجر حتى بدت كأسنان شيخ.

كان تشاو لاو شوان في الثالثة والثمانين، أكبر أهل القرية. عاش جدّه مئة وسنتين، وجدّ جدّه سبعة وتسعين، وكانوا جميعاً يقولون الجملة نفسها: لا تمسوا شجرة السوفورة عند المدخل؛ من يمسها يمُت. لم تكن لعنة، بل إنذاراً وخبرة دُفع ثمنها بحيوات أجيال.

كان تشاو يتذكر هيئة جدّه وهو يقولها؛ كان يومها في السابعة، يقرفص تحت الشجرة يصيد النمل، وجده جالس على صخرة يدخن غليونه. كانت الجمرة تضيء وتخبو، ثم جذبه الجد فجأة وأشار إلى الشجرة: «يا شوان، تذكّر: لا تلمس هذه الشجرة. إن لمستها، لم تعد حياتك ملكك.»

لم يفهم الطفل وسأل: «لماذا؟» فلم يجبه الجد، بل رفع رأسه إلى التاج الذي حجب السماء والشمس، فلم يبق إلا ضوء أخضر يهتز على وجهه، حتى بدا وجهه أزرق مائلاً إلى الخضرة.

لكن الناس لا يؤمنون دائماً.

لي دا تشوانغ، زوج حفيدة تشاو لاو شوان، في السادسة والعشرين، طويل عريض الكتفين والظهر. عمل ثلاثة أعوام في مواقع البناء بالبلدة، وقاد حفارة، ورأى العالم: ذهب إلى مقر المحافظة والمدينة وحتى عاصمة الإقليم. وفي مواقع العاصمة رأى المطورين يهدمون المعابد والجرافات تسوّي القبور، ثم يثرون ويعيشون كما لو لم يحدث شيء.

وكان يشرب مع زملائه، فيتحدثون عن غرائب الأقاليم: نقل الجثث في غرب هونان، ووسطاء الأرواح في الشمال الشرقي، ومعجزات مازو في فوجيان. فيضحك لي دا تشوانغ ويظنهم بائسين يخافون خرافة طوال عمرهم.

عاد إلى القرية العام الماضي وتزوج حفيدة تشاو، تسوي هوا، وهي أصغر منه بثلاث سنوات، ليست شديدة الجمال لكنها لطيفة، وكلامها خفيف كمطر الربيع.

وكان يقول صراحة: «في أي زمن نحن حتى نؤمن بهذا؟» فإذا ذكر أهل القرية شجرة السوفورة ضحك وقال: «ما الذي يخيف في شجرة؟ لم تروا جرافة قط؛ تدفع الجرافة الجبل نفسه وتسوّيه.»

أراد أن يبني بيتاً جديداً عند مدخل القرية، لا في موضع البيت القديم. لكن الشجرة كانت تسد جهة فناء البيت التي يريدها جنوبية مضيئة، وكانت جذورها تمتد تحت الأرض إلى أرض البناء كأن الشجرة تنازعه المكان.

قال لتشاو لاو شوان: «سأقطعها، فيصير البيت متجهاً إلى الجنوب.»

كان الشيخ يدخن في فناء داره. ما إن سمعه حتى سقط رأس الغليون من يده واصطدم بالطوب الأخضر، فتطاير الشرر. التقطه ويده ترتجف، لا من السن بل من خوف يتسرب من شقوق العظم إلى أطرافه وكتفيه وقلبه.

قال بصوت يابس كأنه انتزع من لحاء شجرة أكلتها الشمس: «لا تقطعها.»

سأله لي: «لماذا؟ ما وجه سوء الطالع؟»

ونظر الشيخ إليه بعينين فيهما شيء لا يفهمه الشاب: لا غضب ولا خيبة، بل خوف عميق، ليس خوف الموت بل خوف شيء عاش ثلاثة وثمانين عاماً ولم يفهمه.

قال الشيخ بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يسمعه شيء: «يا حفيدي، عمري ثلاثة وثمانون. رأيت من الغرائب أكثر مما أكلت أنت من ملح. هذه الشجرة قائمة منذ زمن جدّ جدّي، لا أقل من ثلاثمائة عام. لم يمسها أحد، لا لأنهم لا يريدون، بل لأنهم لا يجرؤون.

«حين كان جد أبيك حياً، كان في القرية أحمق مثلك لا يؤمن بشيء. حمل فأساً في منتصف الليل ليقطعها. لم يرفع الفأس حتى سقط تحتها. في الصباح حملوه إلى بيته، وظل ثلاثة أيام ثم أفاق، لكنه صار حطاماً: فمه معوج، وعينه حوّل، ونصف جسده مشلول. عاش بعد ذلك ثلاث سنوات، وعند موته ظل يردد: ليس أنا… ليس أنا.»

شرب لي دا تشوانغ وعاء ماء بارد ووضعه بعنف حتى تناثر على الطاولة وسال من حافتها. لم يصدق أن شجرة لا تُمس، ولا أن حكايات القدماء العفنة تُستخدم لقمعه. لقد رأى هدم المعابد والقبور، وما زال أصحابها أثرياء أحياء؛ فما شأن شجرة بالية؟

ظل الشيخ ينظر إليه حتى آوت الدجاجات إلى أعشاشها، وتحول احمرار الغرب إلى بنفسجي غامق وظهرت أول نجمة.

ثم قال، أخفض من قبل حتى اضطر لي إلى الانحناء: «اسمع نصيحتي. تلك ليست شجرة.»

«فما هي؟»

لم يجب الشيخ. نظر إلى السماء السوداء، إلى النجوم الكثيرة التي بدت كأنها عيون تحدق: واحدة، اثنتان، ثلاث، بلا عدد.

ضحك لي في سرّه. بدا له كل ذلك غامضاً على نحو سخيف؛ الشيوخ يخيفون الناس حين يعجزون عن التفسير، وكلما سألتهم زادوا كلاماً أغرب.

قال بصوت عال كأنه يتعمد أن يسمعه شيء: «سأقطعها غداً.»

نهض تشاو ببطء، كأن حملاً على ظهره. ومن تحت تمثال غوان يو المعبود في القاعة، وقد تقشر طلاؤه ولم يبق من عينه العنقاء إلا نصفها، أخرج رزمة قماش أحمر قديمة بهتت إلى الرمادي. فك طبقاتها الهشة التي تنثر فتاتها كقشور دم يابس، فوجد لوحاً نحاسياً دائرياً أكبر من عملة.

كانت عليه رسوم منحنية كثيفة، كخريطة أو كتابة قديمة، وتحت ضوء المصباح لمع بلون أخضر برونزي، لون شيء حُفر من أعماق الأرض منذ زمن بعيد.

وضعه الشيخ في يد لي. كان ثقيلاً على نحو لا يشبه النحاس، كأن في جوفه رصاصاً.

«تركه جد أبيك. احمله معك ولا تنزعه.»

قلبه لي فلم ير شيئاً، فوضعه في جيبه بلا اهتمام. لكنه بقي يضغط على ساقه ثقيلاً بارداً، لا برودة معدن بل برودة صاعدة من جوف الأرض، كبرودة ماء البئر التي تزداد مع العمق.

راقب الشيخ حركته، وحرك شفتيه كأنه يريد قول شيء ثم ابتلعه؛ تحركت تفاحة آدم في حلقه كمن يبتلع جملة بالقوة.

تلك الليلة لم ينم تشاو لاو شوان. جلس في القاعة تحت مصباح كيروسين وبجواره غليون، يدخن حتى الصباح. كان اللهب يقفز تحت زجاج المصباح، ومع كل قفزة يهتز ظله على الجدار كروح على وشك أن تتلاشى.

عند الفجر غطى رماد السجائر الأرض طبقة سميكة؛ إذا وطئته بدا كأنك تطأ حقلاً أكلته النار. اختلط فيه بصاقه، فقد ظل يبصق طوال الليل، وفمه مر: لا يدري أهو مر التبغ أم مر القلب.

ومع الضوء أخذ لي دا تشوانغ فأساً جديدة صقل حدّها ليلة كاملة. لمع النصل تحت الشمس كشريط دقيق من هلال. رفعه إلى عينه، وأغلق واحدة ونظر بطوله فرأى وجهه مشوهاً مسطحاً كوجه سُحق. بصق ماءً على النصل، فتدحرجت قطرة ثم شقها الحد إلى نصفين.

ذهب إلى مدخل القرية، وتبعه أهل كثيرون، لا لأنه دعاهم بل لأنهم جاؤوا: من يحمل وعاءً، ومن يحمل معولاً، ومن يحمل طفلاً. وقفوا على بعد عشرة أقدام، صامتين، وفي عيونهم شيء لا يوصف: ليس خوفاً، بل كبتاً، كأنهم يعرفون ما سيقع وينتظرونه منذ سنين طويلة.

بصق لي في راحته وفركها، ثم رفع الفأس.

عند الضربة الأولى توقف مذهولاً. لم يكن الجذع صلباً، بل ليناً أكثر مما ينبغي. لم يصدر صوت الخشب اليابس: طق؛ بل صوت مكتوم: طخ، كأنه ضرب طيناً مبللاً أو لحماً.

أخرج الفأس فرأى على نصله مادة لزجة. ليست عصارة شجر؛ فالعصارة صافية صفراء خفيفة ورائحتها راتنج. هذه كانت حمراء فاتحة، أفتح من الدم لكنها مقلقة، تتدلى خيطاً طويلاً لا ينقطع.

مسحها بيده وشمها. رائحة صدأ حديد، ورائحة تربة عميقة قديمة؛ كرائحة بئر حُفرت عميقاً جداً ثم أخرجت منها خشبة متعفنة تحمل رطوبة المياه الجوفية وفساد مئات السنين التي لم تر الشمس.

رفع رأسه إلى التاج. كانت الشجرة أعلى من كل بيوت القرية وحتى من مبنى لجنة القرية ذي الطابقين، وظلها يغطي نصف المدخل. في الصيف يجلس الناس تحتها للراحة ولعب الورق والشطرنج والحديث؛ مهما اشتدت الشمس صعدت البرودة من باطن القدمين إلى العمود الفقري ومؤخرة الرأس، وكانت مريحة.

لكن لي دا تشوانغ شعر اليوم أنها ليست برودة، بل برد؛ برد يخرج من الأرض كماء البئر، ويصعد من ساقيه إلى ركبتيه وفخذيه وخصره وكلتيه. ارتعد واصطكت أسنانه، لكنه لم يتوقف.

«يا دا تشوانغ…»

سمع من يناديه فالتفت. كانت تسوي هوا على بعد عشرة أقدام، في قميص قطني مزهر وشعر مربوط على عجل، خصلات منه على جبينها. وجهها أبيض كأنها خرجت من كابوس، شفتاها رماديتان وحواف عينيها حمراء. كانت تعصر في يدها منشفة حتى ابيضت مفاصلها.

قالت وهي ترتجف، وكل كلمة منها ترتجف: «لا تقطعها.»

بدت تسوي هوا كشمعة في الريح.

عقد لي دا تشوانغ حاجبيه. كانت زوجته هادئة الطبع دائماً؛ ما يقوله يكون، ولم ترفع صوتها عليه قط. فلماذا تمنعه اليوم فجأة، وأمام أهل القرية؟ كان عند المدخل أكثر من عشرين شخصاً واقفين يتفرجون في صمت، وفي عيون الجميع ذلك الشيء الذي لا يوصف.

قال لي: «عودي إلى البيت.»

«البارحة…» ركضت تسوي هوا خطوتين إلى الأمام ثم توقفت، كأن خطاً غير مرئي أمامها، وتراجعت نصف خطوة. «رأيت حلماً البارحة.»

«أي حلم؟»

«رأيت هذه الشجرة.»

توقف الفأس في يد لي دا تشوانغ لحظة، ثم رفعه من جديد.

قالت بعد أن ابتلعت ريقها وتحركت تفاحة حلقها تحت الجلد: «تحت الجذور… يوجد أناس.»

نظر لي إلى الشجرة؛ ما زالت شجرة، سوفورة عتيقة بلحاء متشقق وأغصان ملتوية.

تابعت تسوي هوا بصوت أخذ يخف حتى لم يبق إلا حركة شفتيها، لكنه فهمها: «تحتها أناس مدفونون، كثيرون جداً. لا أرى وجوههم، لكني أسمع أصواتهم. يتكلمون من تحت الأرض. لا أفهم ما يقولون، لكني حفظته.»

ونطقت كلمات قليلة غريبة، لا صينية ولا من لهجة يعرفها أحد، مقاطع قصيرة تخرج من أعمق الحلق:

«كَه… دا… لو… مو… ساي…»

كان كل مقطع كأنه يرتفع من المعدة، يحمل نتانة لا اسم لها.

وفي القرويين شهق ثلاثة أو أربعة معاً، شهقات حادة كالفحيح.

كان تشاو لاو شوان بينهم، ولا يعرف أحد متى جاء. وقف في آخر الجمع منحنياً، برداء أزرق باهت تآكل طرف كمه وظهر منه القطن. كانت عيناه محمرتين، لا من بكاء بل من سهر ليلة كاملة.

وما إن سمع الكلمات حتى اهتز جسده، ومد يده إلى جدار طيني يستند إليه، فتساقط من الجدار تراب ناعم.

قال لي دا تشوانغ: «ابتعدي.»

لم تتحرك تسوي هوا. ظلت تقبض المنديل حتى فرقعت مفاصلها.

فدفعها لي بيده. ترنحت وكادت تقع، وتراجعت ثلاث أو أربع خطوات قبل أن تستقر. لم تبك ولم تنادِ من جديد، بل وقفت تنظر إليه، والنور في عينيها ينطفئ شيئاً فشيئاً؛ كأنها ترى إنساناً يمشي نحو حافة هاوية لا تستطيع سحبه منها.

رفع لي الفأس.

هذه المرة لم يتردد. هبط بالفأس ضربة بعد ضربة، فتطاير اللحاء والنشارة، وازداد السائل الأحمر. لم يجر من الخارج، بل أخذ يرشح من كل شق في الجذع: خيوط دقيقة كثيفة، حمراء ثم حمراء أكثر عمقاً.

عند الضربة العشرين كان الجذع مغطى بالسائل، كأن الشجرة تنزف. وعند الضربة الخمسين بدأت الأرض تهتز، اهتزازاً خفيفاً محسوساً، كأن شيئاً في عمق عميق جداً انقلب على جانبه.

ثم جاء الصوت الأخير: دوّي.

سقطت الشجرة، ونزل الغبار، وعاد كل شيء ساكناً.

ألقى لي الفأس. ارتد على الأرض واستدار، فانغرس نصله إلى أسفل في التراب. وقف الرجل القوي بجانب الجذع الملقى، والعرق يسيل على وجهه فيرسم خطوطاً بيضاء في الغبار. كان فخوراً.

«أي قواعد تافهة! وأي كلام عن المنع! قطعتها، فماذا حدث؟»

استدار ليقول للقرويين: أرأيتم؟ لا شيء.

لكنه رأى أن وجوههم كلها متشابهة. لم تكن غاضبة ولا خائفة؛ كانت… تصغي.

كل شخص، حتى تشاو لاو شوان وتسوي هوا، أدار رأسه إلى جهة واحدة. لا إلى الشجرة الساقطة، بل إلى الحفرة السوداء التي اقتلعتها الجذور.

وسمع أهل القرية كلهم الصوت نفسه، لا في آذانهم بل في رؤوسهم، صوتاً يخرج من الداخل إلى الخارج.

ضحكة.

قصيرة خفيفة، كأن أحداً حبس نفسه آلاف السنين ثم استطاع أخيراً أن يتنفس.

«هه…»

صوت واحد، قصير جداً، لكن الجميع سمعه. شعروا به يصعد من باطن القدمين ويضغط من أعلى الرأس ويندفع من الجهات كلها إلى القلب.

تجمدت ابتسامة لي دا تشوانغ على وجهه. فتح فمه يريد أن يقول شيئاً، فلم يخرج شيء.

خفض رأسه إلى يديه. كانتا ترتجفان، لا من التعب، بل من قوة لا يعرفها.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.