كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/03 · الرحلة الأخيرة لناقل الجثث — الفصل 2
الفصل السابق

03 · الرحلة الأخيرة لناقل الجثث — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

كانت حفرة الشجرة ثقباً بعرض فم وعاء. بعد أن اقتلعت الجذور ظهر أسود لا يُرى قاعه. اقترب لي دا تشوانغ وقرفص عند حافتها ونظر إلى الداخل؛ لم ير شيئاً، لكنه أحس أن شيئاً في القاع ينظر إليه. لم تكن نظرة عينين، بل نظرة الظلام كله؛ كأن الثقب نفسه يراه بلا عينين.

جذبه تشاو لاو شوان إلى الخلف بقوة لا تشبه قوة ابن الثالثة والثمانين، وأخذت تسوي هوا زوجها إلى البيت. لم يكن في الشارع أحد؛ الجميع اختبأ خلف أبواب ونوافذ مغلقة، لكن الإحساس كان بأن عينين تراقبان من كل شق باب وخلف كل مشبك نافذة.

في الليل جلس تشاو في قاعة بيته، وغليونه غير مشتعل على ركبتيه، ويداه فوقه لا تتحركان. برزت عروق ظهر يديه كديدان الأرض. وضعت تسوي هوا أمامه وعاء ماء، فاهتز سطحه طويلاً. لم يكن الوعاء يهتز، بل الأرض نفسها: خفيفاً كنبض قلب، لكنه لا يتوقف.

سألها الشيخ بصوت مستوٍ سحقته حقيقة لا تترك عاطفة: «سمعتِ تلك الضحكة؟»

أومأت، وانسدل خصلة شعر على نصف وجهها. «سمعها أهل القرية كلهم. لا أحد لم يسمعها.»

رفع الشيخ يديه عن الغليون ووضعهما على ركبتيه المرتجفتين. لم ترتجفا من الكبر، بل من خوف لا يسيطر عليه المرء، كارتجاف الساقين بعد أن تمر حية عند القدم حتى لو ابتعدت.

همست تسوي هوا: «ما الذي كان ذلك؟»

لم يجب، وظل ينظر إلى الخارج. كانت الليلة سوداء لكن القمر عظيم واضح، يضيء القرية كأنها نهار. وتحت ذلك الضوء ظهرت السوفورة الملقاة بوضوح؛ أوراقها لم تذبُل ولم تصفر، خضراء كما لو أنها ما زالت حية ولم تُقطع.

عند منتصف الليل كان وانغ فو لاي أول من اكتشف الخلل. كان جزار القرية في شرقها، قضى عمره يذبح الخنازير والغنم ويداه ملطختان بدم لا يحصى، فكان أشجع من غيره. وكل ليلة، في الحادية عشرة دون تغيير منذ عشرات السنين، يذهب إلى المرحاض خلف فناء بيته.

في تلك الليلة عاد مشدود الحزام من الفناء الخلفي، فركل قدمه شيئاً ليناً صلباً. لم يكن حجراً ولا طيناً. أنزل بصره فرأى زوجاً من الأحذية موضوعاً بدقة في وسط الطريق، مقدمتاه نحو مدخل القرية وكعباه متجاوران، كأن أحداً قرفص ووضعهما قصداً.

عرفها: حذاء العجوز ليو، حذاء القماش العسكري الذي لبسه نصف عمره حتى كادت نعلاه تثقبان. كان نعل اليسرى أرق من اليمنى لأن الرجل يجرّ قدمه اليسرى، وهذا معروف في القرية كلها.

ارتجف قلب وانغ، لكنه جزار رأى الدم، فحمل الحذاء وذهب إلى بيت العجوز ليو. كان الباب موارباً. دفعه فصرّ، فلم يجد أحداً. كان سرير الطوب دافئاً، واللحاف مرفوعاً نصفه، وفي الوسادة غؤور كأن صاحبه نهض منذ ربع ساعة أو نصف ساعة. المصباح ما زال مضاء وزيته لم يبلغ النصف، ولهبه يهتز تحت الزجاج على نحو يربك القلب.

أما الرجل فلم يكن هناك. العجوز ليو لم يغادر القرية في حياته إلا إلى البلدة وهو شاب، وساقاه ضعيفتان؛ لا يمكن أن يخرج في عمق الليل، والأشد استحالة أن يخرج بلا حذاء.

وقف وانغ عند الباب دقيقة كاملة، وشجرة العنّاب في الفناء تهتز في الريح وأوراقها تهمس. ابتلع ريقه، فعلق في حلقه ولم ينزل. ثم دار في القرية بالحذاء، من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، فوجد ثلاثة أزواج أخرى ثم أربعة وخمسة وستة؛ كل زوج في وسط الطريق، مقدمته نحو المدخل، وكل صاحبه اختفى.

ركض إلى رئيس القرية وهو لا يزال يحمل الأحذية. كان باب الرئيس مفتوحاً والضوء مشتعلاً، وعلى الطاولة دفتر حسابات لم يكتمل وقلم حبر فوق الورقة وحبره لم يجف. الحرف الأخير لم يُكتب إلا نصفه، خطاف طويل جرّ القلم خارج الورقة إلى سطح الطاولة، كأن شيئاً قطع عليه القلم والفكرة والنفس فجأة. وكان الرئيس مختفياً أيضاً.

وفي طريق عودته مر وانغ بحفرة الشجرة. لم يرد أن يقف، لكن ساقيه لم تسمعا له وتوقفتا من تلقائهما. لم تعد الحفرة سوداء؛ أضاءها القمر، فرأى في قاعها شيئاً ليس تراباً ولا جذوراً ولا حجراً: ثوباً قطنياً رمادياً مطوياً بدقة، مربعاً، ياقته إلى أعلى وحافّتاه متطابقتان، كأنه أخرج الآن من خزانة.

كان ثوب العجوز ليو نفسه، وعليه رقعة زرقاء داكنة عند الكتف الأيسر. عرفها وانغ، فقد جاء ليو بها العام الماضي ليشتري لحماً.

هرب الجزار بأقصى ما يستطيع، وسقط أحد حذائه فلم يلتقطه، وعاد بقدم عارية إلى البيت وأقفل المزلاج ووضع كرسياً وراء الباب. جلست زوجته في السرير وسألته ما به، ففتح فمه ولم يستطع الكلام، وظل يهز رأسه فقط.

في الصباح عدوا الناس: سبعة أحياء كانوا موجودين الليلة الماضية، اختفوا. ملابسهم في حفرة الشجرة وأحذيتهم في الطرقات، أما هم فلا أثر لهم.

جلس لي دا تشوانغ على عتبة بيته، رأسه منحني ويداه تشدان شعره. جلس منذ الصباح نصف ساعة بلا حركة، وتساقطت خصل بين أصابعه على ركبتيه. وقفت تسوي هوا خلفه عند إطار الباب، لا تتكلم ولا تبكي، تنظر إلى شجرة العنّاب الممتلئة بثمار خضراء صلبة لم تنضج.

جاء تشاو لاو شوان ببطء؛ كل خطوة كأنه يدوس حد سكين، وحذاؤه القماشي يصدر على الطريق الترابي: شَ… شَ… شَ. وكان يثبت كل قدم خوف أن يسقط فجأة.

وقف أمام لي ونظر إليه وقال: «يا دا تشوانغ، سأخبرك شيئاً. آمنت أو لم تؤمن، عليك أن تسمعه إلى النهاية.»

رفع لي رأسه، وعيناه محمرتان من السهر وعروق صدغيه تنبض. قال: «قل.»

قال تشاو، وكلماته تخرج من بين أسنانه: «هذه ليست أول شجرة قطعتها. حين كنت في التاسعة عشرة، قطعت شجرة أيضاً.»

حدق لي فيه. ارتعشت زاوية فم الشيخ، لا ابتسامة بل عضلة تتحرك وحدها.

«لم تكن هذه، بل شجرة خلف القرية. كانوا يقولون لا تقطعها. كنت مثلك لا أؤمن. قطعتها، وبعدها نقصت القرية ثمانية أشخاص: واحد كل يوم، ثمانية أيام متتالية. وفي اليوم الثامن قفز جدي، جدك الأكبر، في حفرة الشجرة.

«وفي اليوم التالي نمت الشجرة من جديد، وعاد الناس كلهم بلا نقص. لكن جدك الأكبر…»

اختنق صوته، ودارت دموع في عينيه ولم تسقط. «لم يعد.»

فتح لي فمه وأغلقه مراراً كسمكة ألقيت على الشاطئ، ولم يجد كلاماً.

سألت تسوي هوا أولاً، بصوت خفيف ثابت، تنطق كل حرف بوضوح كأنها تخشى أن يسمعه شيء خطأ: «ما ذلك الشيء؟»

استدار تشاو نحو مدخل القرية وحفرة الشجرة. كان ظهره محنيّاً، لكنه استقام قليلاً كأن شيئاً رفعه من رأسه.

«قبل أن يقفز جدي، قال لي: ليس المدفون تحته أمواتاً، بل قربان من عصر طقوس الشامان القديم. تلك السوفورة ليست شجرة، بل ختم. تختم القربان تحت الأرض. لا تُقطع؛ إن قُطعت انكسر الختم.

«عصر طقوس الشامان القديمة…» نطق الكلمات ببطء وثقل، كأنه يسحب كل كلمة من عمق بعيد. «الطقس الشاماني ليس قتل أحياء، لكنه أخوف من قتلهم: أن تقدّم الإنسان لشيء. ذلك الشيء لا يموت ولا يتعفن، ولا يموت أبداً. إنه ينتظر فقط يوم انكسار الختم. ومن ذلك اليوم ينقص شخص كل يوم، حتى يأخذهم كلهم.»

نهض لي دا تشوانغ فجأة. «سأبلغ الشرطة.»

لم يمنعه تشاو، وقال فقط: «لن يجدوا الناس. أتصدق؟»

ذهب لي إلى مركز الشرطة في البلدة على دراجة تشاو القديمة. سقطت سلسلة الدراجة مرتين؛ جلس عند حافة الطريق يعيدها ويداه مغطاتان بزيت أسود وترتجفان، ولم تستقم رغم العرق الذي ملأ رأسه.

جاءت الشرطة: سيارتان وثلاثة رجال، وبحثوا في القرية يوماً كاملاً فلم يجدوا شيئاً. حفروا حفرة الشجرة خمسة أمتار، وكونوا من التراب كومة صغيرة إلى جانبها. لم يكن هناك جثة ولا أثر دم؛ تراب أصفر بجذور عشب وحجارة وديدان، ولا أثر لإنسان.

لكن الأحذية بقيت في الطرقات، والملابس بقيت في قاع الحفرة، نظيفة كأن شيئاً لعقها؛ حتى الغبار لم يبق عليها.

كان الشرطي تشو في الثلاثين تقريباً، مستدير الوجه يضع نظارة، وقد حقق في قضايا قتل لكنه لم يحقق قط في سبعة أشخاص يختفون في وقت واحد.

نظر إلى لي دا تشوانغ وسأله: «هل أسأت إلى أحد؟»

أراد لي أن يقول: لم أسئ إلى إنسان. لكنه لم يقلها؛ لن يصدقه أحد.

حين عاد إلى القرية كان الليل قد حل. تجمع الناس عند المدخل، كلهم واقفون صامتون ينظرون في جهة واحدة. وفي وسطهم كان وانغ فو لاي ملقى على الأرض، عيناه مفتوحتان. لم يمت، لكنه لا يتكلم مهما نادوه.

قعدت زوجته إلى جانبه تمسح وجهه بمنشفة. مرّت المنشفة على وجهه فبقي أبيض، كأنه ورقة. ظل ينظر إلى السماء بحدقتين متسعتين، ويفتح فمه ويغلقه، يصدر صوتاً خفيفاً جداً، لكن الجميع سمعه يردد مرة بعد مرة:

«ليس أنا. لم أذهب بنفسي. إنه… هو الذي قادني. رأيته تحت الشجرة. كان يرتدي ثوباً أحمر. وجهه… لا أراه. ليس لأنني لا أراه، بل لأنه لا وجه له. لكن له عينان، حمراوان كجمرتين مشتعلتين، تنظران إليك.»

كانت ملابس وانغ نظيفة وحذاؤه في قدميه، لكن باطن الحذاء مغطى بطين رطب أسود لزج من طين حفرة الشجرة، له رائحة نتنة لا توصف، كطين قُلب من أعماق لم تر الشمس قط.

تجمع أهل القرية تلك الليلة في ساحة لجنة القرية. جاء كل من استطاع؛ لم يجرؤ أحد على العودة إلى بيته أو البقاء وحيداً. حمل بعضهم مقاعد، وفرش بعضهم حصيراً، واتكأ آخرون إلى الجدران. الشيوخ يضمون الأطفال، والرجال يقبضون مصابيحهم، والنساء مناديلهن، متلاصقين كأرانب تتكتل في شتاء.

وقف تشاو لاو شوان في المقدمة يقبض اللوح النحاسي الذي أعاده لي إليه. وفي ضوء القمر فهم أخيراً تلك الرسوم: لم تكن زينة، بل مخطط ختم؛ أداة صنعها شامانو العصر القديم لتقمع شيئاً لا ينبغي أن يوجد بين البشر.

كان اللوح قد دُفن مع أول غرس لشجرة السوفورة. حفره الجد الأكبر، ثم انتقل حتى وصل إلى تشاو، سبعة أجيال.

قلب تشاو اللوح ولمس الرسوم واحدة واحدة تحت ضوء القمر. بدأ يسخن في يده، لا من شمس والليل في منتصفه، بل من داخله. صار أكثر حرارة حتى آلم كفه، لكنه لم يفلتْه.

قال، وصوته يدور في الفناء الخافت الصامت حتى كأن الأنفاس توقفت: «حظ سبعة أجيال محمول على هذا اللوح. وفي كل جيل لا بد أن يقفز شخص إلى حفرة الشجرة.»

ركعت تسوي هوا. «يا جدي… سأذهب أنا.»

هز رأسه ببطء، كشجرة عجوز على وشك السقوط.

قالت ثانية: «سأذهب. شياو دو تسي يحتاج إلى من يرعاه. لا يمكنك أن تذهب. دعني أذهب.»

وظل يهز رأسه.

عندها تقدم لي دا تشوانغ. كان وجهه رمادياً وشفتاه بيضاوين، لكن ظهره مستقيم. مشى خطوة خطوة حتى وقف أمام تشاو لاو شوان وقال:

«سأذهب.»

كلمتان ليستا عاليتين، لكن الجميع سمعهما.

التفتت تسوي هوا إليه، وانهمرت دموعها دفعة واحدة.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.