في اليوم الثالث اختفى شخص آخر: شياو دو تسي، أخو تسوي هوا ذو السبع سنوات. كان قوي البنية لطيف الوجه، يشبه أخته في الملامح وغمازتيه حين يضحك.
كانت الأسرة كلها في فناء لجنة القرية، وقد أضيئت ثلاث فوانيس زيتية. جلس الطفل على ساق تشاو لاو شوان، ثم غلبه النوم فأسند رأسه إلى كتف الشيخ وسال لعابه على ردائه الأزرق. لم يتحرك الشيخ وتركه يتكئ عليه.
ذهبت تسوي هوا إلى المرحاض خلف الفناء، لا يبعد مشياً أكثر من دقيقتين. حين عادت لم تجد الطفل على ساق الشيخ.
«أين شياو دو تسي؟»
تفاجأ تشاو أيضاً. نظر إلى ساقه فلم يجد إلا بقعة لعاب. اختفى الطفل.
جنّت تسوي هوا. بحثت في الفناء وصاحت: «شياو دو تسي! شياو دو تسي!» فأيقظ صوتها القرية كلها. لم يجب أحد؛ لم يكن إلا الريح، ومن جهة حفرة الشجرة صوت بلع خافت بعيد.
اندفعت خارج الفناء، فأمسكها لي دا تشوانغ في حضنه. كانت تتخبط وتضرب صدره وتهتف باسم أخيها حتى بُح صوتها، فلم يبق إلا شفتيها تتحركان.
وعند الباب وُضع حذاء طفل صغير، مقدمته نحو مدخل القرية. كان الحذاء القماشي الذي صنعته تسوي هوا بيدها، مطرّزاً على مقدمته نمر صغير ملتوي، أول ما تعلمته في التطريز. عرفته طبعاً.
التقطته وضغطته إلى صدرها ووجهها؛ كانت فيه حرارة الطفل، لم تبرد بعد. كادت تفقد عقلها، لكن تشاو لاو شوان أمسكها بقوة. ركعت وهي تضم الحذاء وتبكي حتى يرتجف جسدها، وكانت يداه ترتجفان أيضاً، لكنه لم يرخ قبضته؛ ككماشتين على ذراعيها.
وقف لي أمام الشيخ وسأل: «يا جدي، ماذا نعمل حتى يتوقف؟»
قال تشاو بصوت خافت ثقيل: «لن يتوقف. إنه يريد الشخص الذي كسر الختم، أو من يحلّ محله. إذا ملأت حياة واحدة مكانه، لا يعود يطلب.»
ومضت ثلاثة أيام أخرى، فنقص ثلاثة أشخاص. صار المجموع عشرة، مع شياو دو تسي ورئيس القرية والعجوز ليو وكل من لا يعرفهم لي دا تشوانغ.
بدأ أهل القرية يرحلون. كل من استطاع غادر إلى قريب أو صديق، إلى البلدة أو المحافظة أو أبعد منها، بعائلاتهم وأكياسهم، يحملون في المركبات ما يملكونه من ثياب ومؤونة، ثم تنطلق الجرارات ولا يلتفت أحد.
لاحظ لي دا تشوانغ تفصيلاً: لم يصب الراحلين شيء. المختفون دائماً هم الباقون في القرية؛ حتى من يبيت عند مدخلها، خارج الطريق، لا يحدث له شيء.
كان الشيء لا يأخذ إلا أهل القرية، كأن القرية أرضه وقَفَصه. لا يستطيع الخروج، لكنه لا يستطيع أيضاً أن يدع من في القفص يفرون كلهم.
أخبر لي تشاو بما رآه، فأومأ الشيخ. كان يعرف ذلك منذ أن كان في التاسعة عشرة.
لم يرحل تشاو. قال إنه سيبقى حارساً حتى يشبع الشيء أو يجدوا طريقة. كان جالساً عند عتبة القاعة وظهره إلى الإطار، والشمس على وجهه المحفور بأخاديد، وفي كل تجعيدة ظلّ شمس.
ولم ترحل تسوي هوا أيضاً. علقت حذاء أخيها في عنقها بخيط أحمر، ملاصقاً لقلبها، يهتز على صدرها كلما مشَت.
ولم يرحل لي دا تشوانغ. لم يكن لأنه لا يريد، بل لأنه لا يستطيع. كان يعرف أن الشيء تحت الشجرة ينتظر من قطعها؛ فلا ينفعه الفرار إلى البلدة أو المحافظة. وإن تبعه، فماذا عن أهل تلك المدن؟ هل ينقص إنسان كل يوم حيثما ذهب؟ لم يجرؤ أن يفكر حتى النهاية.
في اليوم الخامس لم يبق إلا نحو عشرين شخصاً. تجمعوا في فناء بيت تشاو، أغلقوا الباب بمزلاج، وسمروا النوافذ بألواح، وأشعلوا كل المصابيح حتى صار الفناء كأنه نهار.
جلس تشاو في القاعة واللوح النحاسي على ركبتيه، يتمتم بتعويذة موروثة من ثمانية عشر مقطعاً، كررها عمراً كاملاً. وفهم فجأة تلك الليلة: لم تكن المقاطع دعاء بركة، بل قمعاً؛ تقمع شيئاً فلا يتذكر من يكون.
السوفورة قفل، والتعويذة مفتاح، واللوح النحاسي باب. سقطت الشجرة، فانكسر القفل، وصار الباب… موارباً بشق.
وفي تلك الليلة حدث ما كاد يميت الجميع خوفاً.
كانوا كلهم مستيقظين، وعشرون عيناً تحدق في الباب.
دق، دق، دق.
ثم دق، دق… وصوت مكتوم.
لم يعد طرقاً، بل جسّاً للباب وخدشاً: صرير أظافر على الخشب، طويل من يساره إلى يمينه، ثم توقف وعاد من اليمين إلى اليسار، كأنه يبحث عن شق يدخل منه.
نهض تشاو لاو شوان وهو يقبض اللوح النحاسي. كان حاراً حتى نفطت كفه، لكنه لم يتركه. وقف خلف الباب، وشعر أن شيئاً خارجاً يقف قريباً جداً؛ برودته تخترق الخشب إلى العظام.
سأل: «من؟»
كلمة واحدة، بصوت غير عال، لكن الجميع كان يصغي.
ساد الهدوء لحظة. ثم جاءت الضحكة ذاتها، قصيرة وخفيفة، كأنها تأتي من كل الجهات أو من داخل الرأس، فلا يعرف المرء داخلها من خارجها ولا قربها من بعدها.
«هه…»
ثم قال صوت: «أعطِني…» كلمتان، ثم توقف كأنه يفكر أو ينتظر أو نسي بقية الكلام.
ثم قال: «الباب.»
ضغط تشاو اللوح النحاسي على خشب الباب: طنّ صوت حاد. وبدأ يتلو التعويذة مرة ومرتين وثلاثاً. لم يكن صوته عالياً، لكنه استمر كأن اللوح نفسه يتكلم به.
توقف الخدش، وسكن الفناء. لكن تشاو لم يرفع يده. ظل يضغط اللوح ويرتجف جسده كله. كان يعلم أنه لم يطرده، بل منعه مؤقتاً؛ فقوة اللوح تضعف يوماً بعد يوم بعد سقوط الشجرة، ولن يصمد أكثر من يومين.
قال بهدوء لا يشبه كلام الموت: «بعد يومين لن ينفع اللوح.»
سأله أحدهم: «وماذا يحدث بعد يومين؟»
لم يجب مباشرة. نظر إلى من بقوا واحداً واحداً، رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً، ثم توقف عند وجه لي دا تشوانغ.
«بعد يومين سندخل جميعاً. لن نختفي فقط، بل سندخل. سيُسحبون بنا إلى حفرة الشجرة، إلى بطن ذلك… القربان.»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.