كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/20 · فم تاو تيه — الفصل 3
الفصل السابق

20 · فم تاو تيه — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

سألت: «دموع من؟» فأجاب الصوت: «دموع أمي. حين ولدتني بكت، وسقطت دمعتها في فمي. كان ذلك الوقت الوحيد الذي لم أجع فيه.» قال إن طعمها مالح وحلو ومر ودافئ، كأن كل الطعوم اجتمعت فيه؛ ولهذا ظل يلتهم العالم بحثاً عنه ولم يجدها. ارتفعت أصوات الأرواح: ظبية تكره من أكلها، ونسر يكره من أكل صغاره، وطفل يكره من أكل أمه، وشيخ يكره من أكل ذكرياته، وشجرة ونهر وجبل يكررون الكراهية.

قال يان إن علينا أن نفهم ما يكرهونه. كانت الظبية قد جاعت سبعة أيام بعدما نضب عرق جبل غوو، وكادت تموت؛ لكنها هنا لم تعد تجوع وتستطيع الجري. قال النسر إن عشه وأولاده صاروا معه هنا يطيرون بلا عواصف ولا صيادين. قال الطفل إن أمه هنا فلا يفترقان. وقال الشيخ إنه كان يحتضر في التسعين، فجاء تاو تيه وسأله بفضول إن كان سيموت ثم ابتلعه برفق. وقالت الشجرة إن جذورها عادت تنمو، وقال النهر إنه صار نهراً أكبر ممزوجاً بمياه العالم في جوف الوحش. كانوا يكرهونه لأنه انتزع حياتهم على الأرض، ولا يكرهونه لأنه منحهم حياة أخرى.

قال يان: «إن جوعه جوع العالم كله. انفتح في عرق الروح شقّ لا يُسد؛ فجاعت الأعشاب والطيور والناس. تاو تيه فم يتحمل هذا الجوع عن العالم.» وروى أن الآلهة في بدء الكون اقتتلت فجرحت عرق الروح، وأن الثقب هو الجرح الذي خلّفوه. قالت الأرواح إن الجواب في الثقب.

قلت لتاو تيه إن أمه ربما لم تمنحه الجوع لتعذبه، بل لكي يذكر أنه كان محبوباً ويواصل البحث عن دمعتها. عندئذ خرج من الثقب صوت الأم، رقيقاً دافئاً. قالت إنها روح أمه الباقية، وإنها انتظرته هناك. ارتجف تاو تيه: «أمي، أنا جائع جداً، لماذا جعلتني هكذا؟» قالت: «خفت أن تنسى أنك حُببت. أعطيتك الثقب لأن جوعك سيلازمك حين لا أستطيع ملازمتك. ابتلعت كثيراً، وكل ما ابتلعته يعيش فيك؛ لن تكون وحيداً.»

بكت الأرواح وغنت: «نحن أحياء في بطنك، نطير في جوعك، ونكبر في حنينك.» قلت له إنهم لم يموتوا. قالت الأم إن دموعها كانت فيه منذ البداية، وإن عليه أن يتعلم مصاحبة جوعه. ثم أخبرته أن عرق الروح الحقيقي في أعمق الأرض، نهر نور خلّفته آلهة القدماء. إذا نضب تماماً مات العالم، ولا يستطيع إنقاذه إلا تاو تيه بابتلاعه؛ عندها يصير هو عرق العالم الجديد، وجوعه وألمه جوع العالم وألمه.

بدأ ظل الأم يتلاشى. ودّعها تاو تيه، وودّعني يان قائلاً إن عليه أن يذهب إلى راحته، وطلب أن أحمي قومه. أخرجني تاو تيه من جوفه وقال إنه سيمضي إلى الأعماق. أصررت أن أرافقه؛ قال إن حرارة الأرض ستقتلني، فقلت إنني وعدت أمه. أخيراً قال: «أنت صديقي الوحيد.» ووعد أن يعود إن نجح، حاملاً دموع أمه.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.