على شجرة فوسانغ فتحت الغربان الذهبية العشرة عيونها في آن واحد. لم يكن ذلك الصباح كسابق ملايين الشروق. وكان أصغرها، الابن العاشر، أول من نطق؛ نفذ صوته خلال أغصان فوسانغ وأوراقها كحديدة محماة ألقيت في ماء مثلج.
قال: «أيها الإخوة، لا أريد أن أذهب اليوم.» وعلى الأغصان السفلى فتحت الغربان التسعة عيونها معاً؛ عيون الغراب الذهبي ذي الأرجل الثلاث: حدقات عمودية ولون ذائب بين الذهب والحمرة. كانت أرجلها الثلاث تمسك الأغصان بقوة، حتى احمرّت الفروع من حرارتها. التفت البكر إلى أخيه الأصغر: «ماذا قلت؟»
نشر الابن العاشر جناحيه ونفض ريشه؛ كل ريشة ذهب محترق. تطاير الريش المتكسر فرسم في الهواء عشرة أقواس ضوء، ثم سقط في وادي تانغ، ففارت مياه البحر وأصدرت أزيزاً. قال: «قلت إنني لا أريد الذهاب. كل يوم، وكل عام، وكل ألف عام، أطير هناك وأرى تبدل البحار والحقول؛ أرى البشر ينتقلون من أكل اللحم والدم إلى عقد الحبال لتسجيل الوقائع، يبنون المدن ثم يهدمونها، ويركعون للسماء والأرض وللأرواح التي لا تُرى.»
قال: «تعبت من الطيران.» فضحك الابن الثالث ضحكة قصيرة، فالتفت أوراق فوسانغ من حوله وانحرق طرفها: «تعبت؟ تقول لنا إنك تعبت؟ أنت الأصغر ونصيبك من المناوبة أقل. لقد طرت أنا ستة آلاف عام أكثر منك.» أجابه العاشر: «وماذا في ستة آلاف عام؟ أخونا الأكبر طار مئة ألف عام.»
ساد صمت البكر؛ وكان صمته أثقل من الجميع. مئة ألف عام من المناوبة، منذ ما قبل أن يرسم فو شي الأشكال الثمانية: رأى عمود بان غو الفقري يصير جبل بوشو، ورأى نُووا تصنع أوائل البشر من الطين الأصفر، وتشو جيو ين يفتح عينيه ويغمضهما في أقصى الشمال، وغونغ غونغ يصدم عمود السماء برأسه. رأى السماء تميل إلى الشمال الغربي والأرض تهبط إلى الجنوب الشرقي. رأى كل شيء، واحتفظ بكل شيء في ذاكرته.
قال أخيراً، وصوته كحمم تتقلب في أعماق الأرض: «اليوم نذهب معاً.» غادرت الغربان التسعة الأغصان؛ بل العشرة. طار الابن العاشر أيضاً، فهو وإن قال إنه لا يريد الذهاب لم يستطع أن يبقى وحيداً حين أقلع إخوته جميعاً.
ظهرت عشرة شموس في السماء دفعة واحدة. وعلى الأرض وقف الإمبراطور ياو في حقل متفحم. انحنى وأخذ قبضة من التراب؛ كان أسود، لا سواد التربة الخصبة بل سواد الاحتراق. تفتت بين أصابعه وصار رماداً يتساقط.
رفع ياو رأسه. كانت السماء بيضاء، وعشر كتل من النار فوقه؛ لم تكن معلقة بل تتحرك، عشرة غربان ذهبية تجر نار الشمس في جولة عبر القبة. كانت ظلالها تجتاح الأرض بجنون. مرّ الظل فوق حقل أرز فاشتعلت السنابل، وامتدت النار من وسط الحقل إلى حافته. مرّ فوق نهر فغلا سطحه، وطفا السمك والروبيان ببطن أبيض ثم نضجا. مرّ فوق غابة فاشتعلت الأشجار القديمة من تلقاء نفسها، وانشقت الجذوع وانطلقت النار من قلوبها. ومرّ فوق البشر فتقرحت جلودهم وانفجرت واسودّت.
قبض ياو يده حتى انغرزت أظافره في كفه. قال بصوت جاف كقاع نهر متشقق: «انقلوا أمري: إلى الكهوف جميعاً. لا تخرجوا، ولا تنظروا إلى السماء.»
احتشد الناس في الكهوف. كان الشيوخ في الزوايا يتمتمون بتعاويذ طلب المطر التي تعلموها من السحرة، لكن لم تكن في السماء سحابة واحدة، بل عشر شموس؛ كانت التعويذة كقطرة ماء تلقى في فرن، تتبخر قبل أن تخرج. وكان رجال في منتصف العمر يشحذون رماحاً حجرية؛ لم يأملوا أن يقاتلوا الشمس بها، لكنهم احتاجوا إلى أي فعل يوهمهم أنهم ما زالوا يقاومون. وتكور الأطفال في أحضان أمهاتهم، يحدقون في عمق الكهف حيث تتحرك أشباح في الظلام؛ ولم يعرفوا أنها ليست أشباحاً، بل صور الخوف منعكسة في الحدقات.
نهض شيخ فجأة وقال: «سأذهب لأتوسل إلى إمبراطور السماء.» خرج، فوقع ضوء الشمس على ظهره. في اللحظة نفسها اشتعل شعره الأبيض. مضى ثلاث خطوات فاشتعل فروه، وخمساً فتقرحت بشرته، وعشراً فسقط أرضاً، ثم صار خيطاً من دخان أزرق.
لم يتكلم أحد في الكهف. وقف ياو عند المدخل وقد ظهرت فقاعات حروق على وجهه، لكنه لم يتراجع. حدق في السماء: عشر شموس، عشر هالات تتحرك ببطء، وعلى أطراف كل هالة ظل جناحين. وكل خفقة كانت تدفع موجة حر من السماء إلى الأرض. غاصت قدماه في الطين المتشقق، واخترقت الحرارة نعليه العشبيين وحرقت باطن قدميه، لكنه لم يعد يشعر بالألم؛ فقد ابتلعت كرات النار العشر حواسه كلها. همس: «يا إمبراطور السماء... أترى؟ أبناؤك يحرقون رعيتك حتى الموت.»
وقف دي جون على مصطبة قصره ونظر إلى عالم البشر من قمة السماء. لم يعد السواد المتفحم بقعاً متناثرة، بل غدا الأرض كلها كصدفة سلحفاة محترقة؛ شقوق تمتد من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. تحولت الأنهار إلى خطوط بيضاء من ملح الجفاف، والغابات إلى بقع سوداء من فحم الحريق، والبشر إلى رماد. ارتجفت يد دي جون؛ فالشمس العشر أبناؤه. وكانت شي خه، زوجته وأم الشموس، تقف خلفه، لا غضب في وجهها ولا حزن، بل فراغ هائل مرعب.
سألت بخفة ريشة تقع: «ماذا ستفعل؟» قال: «إنهم سيحرقون كل الأحياء.» قالت: «إنهم متعبون. طاروا طويلاً، تستطيع أن تدعهم... يستريحون قليلاً.» استدار إليها وعيناه تعكسان الأرض المحروقة: «استراحة؟ انظري جيداً. ليس هذا تعباً، بل نزق. ملّوا الطيران وملّوا المشاهدة، فجعلوا أرواح الخلق تسلية لهم.» صمتت شي خه، إذ عرفت أنه صادق، لكنها سألت: «وماذا تنوي؟»
دخل دي جون القاعة الداخلية المبنية من ضوء نجمة تايي. في أعمقها هبط شعاع من النجم القطبي من فتحة مستديرة في السقف، وفي وسطه علّقت قوس. كان جسمها أحمر كالحمرة عند الغروب والحمم والدم المتجمد؛ ووترها من عصب تنين مائي مضفور، وإلى جانبها كنانة فيها عشرة سهام: عيدانها من توت أبيض من قمة كونلون، وريشها أبيض من طائر الدابنغ، ورؤوسها مصوغة من شظايا ضوء نجمة تايي. ظلت القوس معلقة ملايين السنين، ولها اسم: قوس تونغ.
مد دي جون يده وقبض عليها. ارتجفت في كفه، لا مقاومة بل استيقاظاً؛ أحست القوس النائمة بحرارة صاحبها ونبضه وعزمه. قال: «اذهبوا بها. استدعوا يي.»
كان يي على ساحل البحر الشرقي يشد قوسه. صار الوتر قوساً فضياً مرتجفاً، وعيناه على صخرة تبعد مئة خطوة. انغرست فيها ثلاثون سهماً، كل سهم داخل الثقب نفسه. انطلق السهم الحادي والثلاثون؛ شق ريح البحر بلا صوت، إذ كان أسرع من أن يلحق الصوت به. اخترق السهم عود السهم الثلاثين وشطره نصفين، ثم ثبت في الثقب القديم.
وصل صوت شهيق من خلفه. لم يلتفت يي، فقد عرف أنها زوجته تشانغ آه. قالت بهدوء يخفي قلقاً: «تتدرب على الرمي مرة أخرى. تدربت اليوم أربعة أوقات.» أنزل قوسه والتفت. كان العرق يسيل من ذقنه، فينثر على الرمل غباراً جافاً، وعلى ذراعيه آثار دامية قديمة متقشرة وأخرى تنزّ من احتكاك الوتر. قال وهو ينظر حيث يلتقي البحر بالسماء: «أشعر اليوم... أن شيئاً سيقع.»
اقتربت تشانغ آه ومسحت الرمل عن كتفه. لامست أصابعها جروح الوتر فارتعشت. قالت: «رميك دقيق بما يكفي؛ لا أحد أدق منك في الدنيا.» قال: «ليست المسألة دقة أو عدمها. الدقة كلمة تُقال في الأيام العادية.»
صمتت، ثم ارتجفت فجأة، لا من برد بل من نذير أعمق من العين والأذن، كأن الأرض تهتز والهواء ينشد وكل الأشياء ترتعش. همست: «أتشعر به؟» قال: «بماذا؟» قالت: «السماء... تحترّ.»
رفع يي رأسه. بقيت السماء زرقاء، لكن ضوء الشمس صار أشد. لم يكن وهماً. ظهرت الشموس العشر فوق البحر الشرقي، فغلى البحر في لحظة. غاصت قدما يي في رمل سخن فجأة حتى أحرقهما، لكنه لم يتحرك. رأى في كل قرص مشتعل غراباً ذهبياً ذا ثلاث أرجل باسطاً جناحيه حتى حجب أفق الشرق. تراكبت أنوارها وصارت جداراً أبيض يزحف نحو الساحل؛ حيث مرّ اشتعلت قوارب الصيد، وصارت الشباك دخاناً، واشتعلت أشجار جوز الهند من تيجانها، وغلت حافة البحر إلى بخار أبيض.
صاح يي: «إلى الكهوف!» لكن صوته غرق في هدير كأن السماء تتشقق. أمسكت تشانغ آه يده وركضا إلى كهف صخري عند البحر، كان الصيادون يحتمون فيه من الأعاصير. مدخله لا يتسع إلا لمنحني الظهر، أما جوفه فقبة واسعة نحتتها الأمواج عبر آلاف السنين. كان فيه أكثر من ثلاثين إنساناً يحدقون في بيضاوي الضوء عند المدخل؛ بدأ الضوء أبيض ثم صار ذهبياً حاداً، يزداد كثافة وإشعاعاً واحتراقاً.
بكى طفل في زاوية، ثم أظلم الذهب فجأة؛ لا لأن الشمس انحسرت بل لأن جسماً عظيماً هبط من السماء وحجبها. دوى ارتطام قرب المدخل. صرخ بعضهم وأغمي على آخرين. أخذ يي قوسه وسهامه واندفع إلى الخارج. كانت جاموسة برية ملقاة على الأرض، نصف جسدها متفحم، وعيناها مفتوحتان وقد طبخهما الحر إلى بياض متجلط، وفمها مفتوح ولسانها أسود.
خلفها امتدت أرض سوداء، لا خضراء ولا صفراء، والنار تأكل كل شبر منها وتلحس شقوقها، ومن الشقوق يأتي أنين الألم من عمق الأرض. التفت يي؛ كانت تشانغ آه وراءه، والأرض المحترقة منعكسة في عينيها. قالت: «يا يي، ليست كارثة بشرية، بل عقاب من السماء.» قال بصوت غليظ: «ليس عقاباً؛ إنه اختلال النظام.»
جلس ياو مع الشيوخ وسأل: «كم بقي من الطعام؟» رفع أقدمهم رأسه المرتعش؛ احترق شعره كله وتجلط على فروة رأسه دم أسود. قال: «خمسة عشر يوماً، في أحسن الأحوال.» قال ياو: «والماء؟» قال: «ثلاثة أيام. جفت الأنهار، وماء الآبار طين. حتى جرعة لا تحرق من يشربها صارت أملاً بعيداً.»
نهض ياو، ولم يكن طويل القامة، وقد أنهكه الحر لعشرات الأيام حتى صار أنحف، لكن الشيوخ انحنوا من تلقائهم حين وقف؛ لا خوفاً بل يأساً. ما دام القائد واقفاً، بقي رجاء، أو بقيت على الأقل حركة الوقوف. قال: «انقلوا أمري. أولاً: كل امرأة تستطيع الإنجاب أو الإرضاع تأخذ حصتين من الماء والطعام؛ لا يجوز أن تموت. ثانياً: كل طفل دون السادسة عشرة يأخذ حصة ونصفاً؛ إنهم البذور. ثالثاً: من تجاوز الستين، فليتشاور مع أهله؛ من أراد أن يدخر حصته من الماء والطعام لأبنائه وأحفاده فلن تنساه القبيلة. رابعاً: أنا، ياو، منذ اليوم أشرب نصف وعاء وآكل نصف حصة.»
عم الصمت الخيمة. دخلت ريح حارة من ثقب فيها، ودارت خرقة السقف كطائر يحتضر. فتح الشيخ الأقدم فمه: «ياو، أنت قائدنا...» فقاطعه: «ولهذا بالذات، إن أرادت السماء إفنائي، فلن أموت بعد شعبي.» وفي تلك اللحظة اخترق ثقب الخيمة ضوء غير مألوف؛ لم يكن ذهب الشموس العشر، بل فضة.
# القسم الثاني: قوس الإمبراطور دي جون
كان يي يمسح قوسه المصنوع بيده؛ جسمها من خشب الصندل الأحمر الشرقي ووترها من عصب سمكة قرش، وهي قوس نفيسة في عالم البشر، لكنها أمام القوس التي ظهرت في ضوء النجوم كيراعة إلى جانب قرص الشمس. قالت الهيئة داخل الضوء، لا بصوت يخرج من فم بل في وعيه مباشرة: «يا يي، تعال معي. إمبراطور السماء يدعوك.»
خرجت تشانغ آه راكضة من الكوخ حين رأت النور النجمي. برق خوف غير بشري في عينيها، إذ عرفت أنه نور استدعاء من عالم السماء؛ لم يظهر على الأرض مثله منذ ما قبل أن يفصل تشوان شيو السماء عن الأرض. صاحت: «يا يي، لا تذهب!» التفت إليها وقال: «لو أراد إمبراطور السماء قتلي، لما احتاج إلى استدعائي.» ثم خطا في النور، فانطوى الضوء واختفى هو والهيئة من ساحل البحر الشرقي، وبقيت تشانغ آه وحدها تمسك بالقوس التي تركها، ووترها ما زال يرتجف.
كان قصر معلقاً بين النجوم، بلا جدران؛ جدرانه شفق قطبي متدفق، أخضر وأرجواني وأزرق، ينسج في الخواء بناء لا يكون إلا في الأساطير. كان ذلك قصر قطب السماء، مقام دونغ هوانغ تايي. وفي آخر جسر باب لا جسم له، طبقة رقيقة من الضوء انفرقت ليدخل يي. ولم يكن في القاعة بهاء قصور البشر، بل فراغاً، وفي وسطه عرش معلق عليه إله شفاف الجسد، يرى المرء من خلاله نهر النجوم: دونغ هوانغ تايي.
كان يمرر يده على سيف طويل فوق ركبتيه، وتحرك قرطا اليشم في يده فأصدرا رنيناً نفذ النجوم والخواء والزمن. فتح تايي عينيه، فجثا يي على ركبة غريزياً. لم يأمره بالنهوض، بل سأله: «أتدري كم عرض نصل هذا السيف؟» قال يي: «لا أدري.» ضم تايي إبهامه وسبابته وترك بينهما فراغاً شفافاً: «شعرة. النصل بعرض شعرة؛ يستطيع أن يشق النجوم، وأن يقطع ذرة غبار فحسب. لا خير في النصل ولا شر؛ الأمر كله في اليد التي تمسكه.»
وضع السيف جانباً وقال: «والآن هناك قوس، ووترها أيضاً بعرض شعرة. يمكنها أن تخترق الشمس، ويمكنها أن تسقط ورقة يابسة فحسب. لمن تعطى؟» رفع يي رأسه ورأى أن عيني تايي بلا حدقتين، فيهما نجمتان دائرتان. قال: «لي.» وظلت الكلمة تتردد في القاعة طويلاً.
شق تايي الهواء بيده، فتصدع الخواء وأخرج منه صندوقاً طويلاً. فتحه: قوس تونغ، ووتر سوه زنغ، وعشرة سهام ذات ريش أبيض. دفع الصندوق فطار إلى يي وقال: «هذه القوس يمنحها لك دي جون، وأنا مجرد ناقل.» أخذ يي القوس، فاهتز جسمها كإنسان يستيقظ من نوم عميق. وما إن لمس الوتر حتى أصدر همهمة وقطع طرف إصبعه جرحاً ضئيلاً. تدحرجت قطرة الدم على الوتر؛ وفي لحظة تماسها به اشتعل نور القاعة كلها. لمح تايي بريقاً وقال: «عرفت القوس صاحبها.» احمر جسم القوس أكثر؛ لم يكن طلاء، بل أثر شربها أول قطرة من دمه.
سأل يي: «أين دي جون؟» أجاب تايي مشيراً إلى الخارج: «هناك.» خرج يي، فوجد إمبراطور السماء واقفاً في الفراغ، بلا خدم ولا عربة سحاب ولا شارات ملك؛ لم يبق إلا أب ينظر إلى أبنائه العشرة وهم يحرقون ويقتلون وينهبون في عالم البشر.
قال دي جون بصوت لا هيبة فيه، بل بحة وجفاف وتعب قديم: «يا يي، رأيت ما حل بالأرض.» قال: «رأيته.» قال: «العشرة ليسوا شياطين، إنهم أبنائي. كل واحد رأيته يخرج من بيضة الغراب الذهبي، وكل واحد وقف على كتفي حين نبت ريشه الأول ليتعلم الطيران. كل واحد...» توقف، ونظر إلى جهة بعيدة في الخواء، ربما إلى ذكرى صغارهم: «كل واحد نام في كفي.»
صمت يي ثم قال: «ومع ذلك تريدني أن أذهب.» قال دي جون، وقد حل حزم الإمبراطور محل رقة الأب: «نعم. لأن أرواح الناس أثقل من عاطفتك، ومن عاطفتي، ومن عاطفة أي فرد.»
قال: «قوس تونغ صقلها نور تايي؛ لا شيء في السماء أو الأرض غيرها يخترق نار شمس الغربان الذهبية. وريش سهام سوه زنغ الأبيض نتفته شي وانغ مو من طيور الكركي الخالدة في قمة كونلون، وعيدانها من أغصان شجرة جيان مو. حين رأيت القوس والسهام أول مرة عرفت أنها وجدت لهذا اليوم.» مد يده وبقيت معلقة فوق كتف يي طويلاً دون أن تمسه.
قال: «يا يي، أنت الوحيد تحت السماء القادر على صعود صخر كونلون. العبارة: “لا أحد غير يي الشرقي يصعد صخر التل” منقوشة في نصب عالم السماء منذ آلاف السنين.» كررها كلمة كلمة، ثم سأله: «أتدري ثقلها؟» قبض يي على قوس تونغ وقال: «أدري، ولذلك سأذهب.»
أومأ دي جون، ثم استدار ليغادر وتوقف: «يا يي.» قال: «أنا هنا.» قال: «أبق واحداً.» كانت الكلمات الثلاث خفيفة كالريشة وثقيلة ككونلون. لم تكن في عيني دي جون دموع؛ فعيون الآلهة لا تذرف، لكن يي رأى في عمقهما طبقة فضية رقيقة، لا ضوء النجوم السماوي، بل صقيعاً صُنع من غبار نجوم لا يحصى في قلب أب.
قال يي بصوت أخفض: «ستأمرني أن أبقي واحداً، وسأبقيه. لكن قل لي: إن ملّ الغراب الأخير في يوم ما من المناوبة، وألقى النار على عالم البشر من جديد، فمن يرميه حينئذ؟» صمت دي جون حتى مرت حولهما سبع دورات من شظايا النجوم. ثم قال: «فليختر بنفسه: أن يطير أو لا يطير. لعلّه يتذكر هذا اليوم، ويتذكر كيف سقط إخوته التسعة.»
عاد هو يي حاملاً قوس تونغ على طريق من ضوء النجوم. أول ما رأته تشانغ آه كان القوس؛ ليست قوس الصندل الأرجوانية القديمة بل قوس حمراء، فيها لمعان معدن لا برود المعدن، وحمرتها دافئة كنبض الدم. قالت: «هذه...؟» قال: «قوس تونغ، وهبني إياها دي جون.» مدت يدها ثم انكمشت أصابعها قبل لمسها: «فيها دم.» قال: «دمي. عرفتني القوس.»
حدقت في عينيه: «ماذا وعدت؟» لم يجب، لكنها قرأت كل شيء في صمته. قالت: «ستذهب لرمي الشمس؟» قال: «نعم.» قالت: «إنها عشر شموس، وعشرة غربان ذهبية، وأبناء دي جون.» قال: «أعلم.» قالت: «كل سهم ترميه كأنك ترمي قلب دي جون. أتدري؟» قال: «أعلم.»
أمسك كتفيها، ويداه ترتجفان لا خوفاً بل لقوة أكبر من شخصه: قدر السماء. قال: «لكن الأرض تحترق، وقد زرت قبر أمي أول أمس؛ صار ترابه شظايا فخار من الحر. احترقت ثلاث قرى صيد في البحر الشرقي، وفي كل منها مئات لا وقت لهم حتى للهرب إلى كهف. إن لم أذهب فلن يموت البشر وحدهم؛ ستموت الأرض، وتموت جميع الكائنات.»
خفضت رأسها، وسقطت دموعها على القوس فتبخرت فوراً إلى خيط بخار أبيض. سألت: «أتعود؟» قال: «سأعود.» كان جوابه قصيراً، ولم يعرف هو نفسه أكان وعداً أم كذبة.
في الكوخ فحص يي قوس تونغ تحت المصباح. وترها من عصب تنين مائي؛ ليس في العالم إلا أربعة تنانين مائية، ولا ينزع عصب كل واحد إلا مرة واحدة. استعملت القوس عصب واحد كاملاً، من رأسه إلى ذيله، قطعة واحدة بلا وصلة. ريش السهام ريش أبيض لطائر الدابنغ، وهو لا يعيش إلا في بحر الشمال المظلم، ولا ينبت لكل طائر في حياته سوى تسع ريشات؛ فالريش الأبيض في هذه السهام العشرة هبة من مئة طائر. أما الرؤوس فهي شظايا ضوء نجمة تايي المنزوعة من حد سيفه في قصر قطب السماء، لا نيازك عادية ولا حديد كونلون البارد.
جاء صوت تشانغ آه من خلفه وهي تحمل وعاءين من ماء من نبع عميق لم تغله الشمس: «متى تذهب غداً؟» قال: «قبل الفجر.» قالت: «أذهب معك.» قال: «لا.» قالت: «لماذا؟» قال: «كونلون ليست جبلاً يصعده البشر. في طريقها تسعة أبواب يحرسها وحش كاي مينغ، وكل باب يبتلع ظل الصاعد؛ فإذا ابتلع ظله كله اختفى، لا يموت، بل كأنه لم يوجد قط.»
ارتجفت يدها. كانت قد سمعت بأساطير كونلون الخاوية؛ ليست جبلاً فحسب، بل “العاصمة السفلية للإله”. لها ثلاث درجات: جبل ريح البرودة لمن يصعده فلا يموت، وحديقة شوان بو لمن يصعدها فيتصل بالروح، ومقام الإمبراطور الأعظم لمن يصعده فيصير إلهاً. حاولها كثيرون، ولم يرجع أحد. قالت: «وأنت، أتستطيع؟» قال: «أستطيع.» لم يقل السبب، لكنه يعرف: لأنه “يي الشرقي”، أعظم رامٍ في الشرق، وأعظمهم صعوداً. في باطن قدميه كلاليب صعود من تسلق جروف البحر، وفي أصابعه ستة وثلاثون كالوتر، كل واحد أثر عشر سنين من الرماية.
أمسك القوس فأصدرت رنيناً خافتاً كأنها توافق. نهضت تشانغ آه ومشت إلى باب الكوخ؛ كان يي خارجه، قوس تونغ على ظهره وكنانته في خصره، وفيها عشرة سهام بيضاء، غُلف رأس كل منها بجلد غزال كي لا يصدم شيئاً في تسلق كونلون.
لبس يي حذاء عشبياً جديداً نسجته تشانغ آه طوال الليل. نسجت في نعله ثلاث طبقات، ضعف المعتاد. أخرجت من صدرها كيس قماش صغيراً وقالت: «خذه.» فتحه فوجد قطعة لحم أرنب مجفف. قال: «طعام؟» قاطعته: «لا تدري كم ستقف فوق كونلون؛ إن لم يطلع النهار واشتدت الريح ستجوع.»
حفظه ونظر إليها. تسلل ضوء الفجر من الأفق، خط أبيض رقيق، وسقط على وجهها؛ لم يكن عليه أثر دموع، فقد مسحتها كلها. قال: «انتظريني.» ثم استدار ومشى غرباً بخطوات واسعة: خطوة، خطوتين، ثلاثاً. لم تنادِه ولم تلحقه ولم تبكِ، بل ظلت عند الباب ترى ظهره تبتلعه أنوار الفجر المتزايدة. وفي البعيد ارتفعت الشموس العشر معاً، وبدأ شواء جديد.
# القسم الثالث: تسعة سهام وتسع شموس
من ساحل البحر الشرقي إلى جبل كونلون ثلاثة آلاف لي. مشى يي خمسة عشر يوماً، وفوق رأسه كل يوم عشر شموس تشويه معاً. وفي الليل تغيب تسع في فوسانغ ويبقى واحد في المناوبة، ويكون ضوؤه ألطف لأنه وحيد.
في غروب اليوم الخامس عشر وقف عند سفح كونلون. رفع رأسه؛ لا قمة للجبل، لا مبالغة في ذلك، فقمتها تخترق السحاب والحافة السفلى للسماء وتمتد مستقيمة إلى الفلك. ومن منتصفه فما فوق لم يعد لونه رماد الصخر، بل أرجوانياً غريباً، لوناً تشربته طاقة عالم السماء.
عند السفح جرى نهر عظيم هو تشي شوي. ماؤه أحمر لا حمرة طين، بل صاف كياقوت مذاب. لم يكن ماءً دنيوياً، بل نهر حماية كونلون، وفيه سمّ الماء الضعيف الذي يأكل كل شيء، فلا يعبره إلا حراس كونلون. وقف يي على ضفته، وأخرج سهماً أبيض وغمس رأسه؛ فحين مست شظية ضوء تايي الماء انشق السطح إلى جانبين كأن يداً خفية فلقته، وانكشف القاع طريقاً من ألواح حجر بيضاء.
عبارة «لا أحد غير يي الشرقي يصعد صخر التل» لم تكن عن قدرته على التسلق وحدها، بل عن سهمه؛ فهو وحده يشق طريقاً في تشي شوي. عبر يي، ثم انطبق الماء خلفه. أمامه باب حجري منقوش عليه وحش: جسم نمر، تسعة رؤوس، ووجه إنسان؛ وحش كاي مينغ.
فتحت الوجوه المنقوشة عيونها دفعة واحدة، تسع أزواج تحدق فيه. قالت أصوات تسعة من أمام وخلف ويسار ويمين وفوق وتحت وداخل وخارج ومن رأسه نفسه: «يا بشر، ارجع.» قال: «أنا يي. أريد صعود القمة لأرمي الشمس.» ضحك الوجه الأوسط: «رمي الشمس؟ أتدري كم مات اليوم؟ كلهم عند سفح الجبل، أرادوا الصعود ولم يتجاوزوا الباب الأول.» قال: «أريد العبور.» قال الوحش: «وبماذا؟»
أخرج يي سهماً صنعه بنفسه من الصندل الأرجواني، وعلى عوده عشرة رموز لإنجازاته: اختراق ورقة صفصاف من مئة خطوة، وسهم يصيب عصفورين، وثلاثة سهام تخترق الشمس... قال: «بهذا.» مرّت عيون الوحش على العود، وانكمشت حدقاته. قال: «يي الشرقي؟» ونطق الاسم بلسان الشرق القديم: «يي»؛ لم يكن اسماً بل لقباً، «رامي الشمس». قال: «أتدري منذ متى لم ينطق بهذا اللقب؟» قال يي: «ثلاثة آلاف عام.» قال الوحش: «أتدري أنه منذ يوم وُلد كان ينتظر هذا اليوم؟» قال: «أدري.» صمت الوحش ثم انفتح الباب ببطء: «اذهب يا يي الشرقي. إن مت فوق فلن أجمع جثتك.»
عبر يي وأغلق الباب خلفه بصوت مدوّ. في قمة كونلون، مقام الإمبراطور الأعظم، امتد سطح فوق بحر السحب؛ لم يكن تحت قدميه صخر، بل قطعة واحدة هائلة من اليشم الأبيض، ناعمة كمرآة تعكس السماء. رفع يي رأسه؛ الشموس العشر قريبة حقاً حتى إنه كاد يميز عروق كل ريشة في أجنحتها. كانت تدور فوقه ببطء، وأنوارها تبهر سطح اليشم.
أخرج قوس تونغ. اهتزت في كفه بإيقاع يتسارع كأنها تنتظر. أخرج السهم الأبيض الأول، ركبه، وشد الوتر حتى اشتد أكثر فأكثر. أطلق عصب التنين المائي صريراً كأنين يبلغ غايته، وانحنى ذراعا القوس إلى أقصى حد وتوهجا بالأحمر. صوب يي إلى الغراب الذهبي الأبعد يميناً؛ بينهما نحو ثمانمئة تشانغ، وريح كونلون العاتية تهب من الغرب إلى الشرق بما يكفي لتزيح السهم العادي عشرات التشانغ. لكنه لم يتردد؛ حبس نَفَسه، وفي الفاصل بين نبضتين أطلق.
خرج من القوس ضوء أبيض، وصار السهم صاعقة بيضاء مستقيمة. لم يدرك البكر ما وقع؛ كان يبسط جناحيه في السماء، للمرة الأولى في مئة ألف عام يحلق مع إخوته، ويتذوق حرية لم يعرفها. ثم انشق صدره. دخل السهم من الأمام وخرج من الخلف، وانفجرت شظية نور تايي بضياء فضي مبهِر. أطلق الغراب صرخة هزت السماء، لا صرخة ألم فحسب، بل مرثاة حياة تبلغ مئة ألف عام وهي تنتهي. ارتخت أرجله الثلاث وتوقفت جناحاه وسقط. هبط في البحر الشرقي، فارتفع من موضعه جدار بخار مئة تشانغ؛ وخفتت السماء درجة. بقيت تسع شموس.
صرخت الغربان الثمانية الأخرى ذعراً وتفرقت. لم يتوقف يي: السهم الثاني، تركيب وشد وتصويب وإفلات. هرب الابن الرابع شمالاً بسرعة تفوق العاصفة الرعدية، لكن السهم الأبيض أسرع؛ أدرك جناحه الأيسر، اخترق عظم الريش ومزق العصب وفجر سحابة دم ذهبي. سقط في الجليد الشمالي، فأذابته حرارة جسده وصار بحيرة حمم تمتد أميالاً؛ وخفتت السماء ثانية.
السهم الثالث إلى الابن السابع الهارب غرباً. ضم أرجله الثلاث تحت بطنه، غريزة لحماية أضعف موضع فيه، لكن السهم مر في قدمه وبطنه وخرج من ظهره. سقط في الصحراء الغربية، فصهرت حرارته الرمل إلى زجاج وصارت مساحة مئة لي سهلاً بلورياً كالمرآة؛ وخفتت السماء ثالثة. ثم السهم الرابع والخامس والسادس، ويد يي لا تتوقف.
شق الوتر في أصابعه جروحاً جديدة، وكل شد فتح القديمة فسال الدم على الوتر، وقطر على يشم كونلون فتَبَخّر وترك بقعاً سوداء. سقط الابن الخامس، السابع في العدّ، في غابة الجنوب فصارت رماداً. وسقط الابن السادس، الثامن في العدّ، في النهر الأصفر الأوسط، فتبخر الماء في لحظة وصار طين القاع خزفاً أسود. أما الابن الثامن، التاسع في السقوط، فكان أزهاهم؛ لم يصرخ حزناً، بل زمجر غاضباً غير مستسلم وهوى إلى مستنقع تشينغ تشيو، أرض الثعالب ذات الذيول التسعة، فصارت المستنقعات أرضاً محروقة وفرّت قبيلة الثعالب في النار.
لم يبق في السماء إلا الابن العاشر، الأصغر. وبقي في كنانة يي سهمان. أخرج السهم التاسع وركبه؛ امتلأ الوتر وصوّب إلى صدر الغراب الصغير، لكن يده ارتجفت. لم تكن رجفة تعب؛ لم ترتجف يده من التعب قط، بل رجفة قلب. رأى في عيني الابن العاشر انعكاساً ليس لانعكاسه هو، بل لوجوه إخوته التسعة يسقطون واحداً إثر واحد، وهو آخر من رآهم جميعاً.
بقي الابن العاشر معلقاً في السماء؛ لم يهرب ولم يختبئ، فقد مات إخوته التسعة. سقطت تسع شموس في تسع جهات، ففرغت السماء دفعة واحدة حتى أصابه الدوار. نظر إلى الصورة الصغيرة على قمة كونلون، الإنسان الذي يوجه قوسه إلى قلبه، وصرخت ريح القمة. ارتعش ريشه لا خوفاً بل حزناً. رأى بخار البحر الشرقي عند سقوط أخيه الأكبر، وبحيرة الحمم في الجليد عند سقوط الرابع، وسهل الزجاج في الصحراء عند سقوط السابع؛ كل مشهد محفور في حدقتيه.
فتح فمه. لم يكن نحيباً ولا زئيراً، بل مقطعاً واحداً مبهماً غليظاً يخرج من العظم: «أخي.» قالها بلغة الغربان الذهبية، لكن يي فهم؛ ففي تلك اللحظة لم يكن في السماء والأرض إلا كائنان حيان يتحاوران. لم يتوسل الغراب، بل نظر إليه بلا كراهية، وفي عينيه شعور لم يره يي من قبل في عين غراب ذهبي: الفهم.
صمت يي طويلاً. ارتجف الوتر في يده، وكانت أصابعه مليئة بجروح لا تحصى، والدم النازّ قد صار خطاً على الوتر يمتد إلى رأس السهم حيث تلمع شظية نور تايي فضية. هذا السهم، إن أطلقه، سيسقط آخر شمس، وتغرق الأرض في ظلام أبدي: لا شروق ولا غروب ولا تمثيل ضوئي، وتموت الكائنات ببطء وألم في العتمة، كما ماتت في الجحيم قبل الرمي، غير أن جحيم النار يصير جحيم الظلام.
أرخى يي أصابعه عن الوتر برفق، لا ليطلق السهم، بل لينزعه من بينها. أعاد السهم التاسع إلى الكنانة وقال: «تحتاج السماء والأرض إلى شمس واحدة.» كان صوته خافتاً، لكن الابن العاشر سمعه، إذ لم يبق سواهما: إنسان وغراب ذهبي.
ارتجف جناح الغراب، وفتح فمه وأطلق مقطعاً مبهماً منخفضاً ليس بلغة الغراب ولا البشر، بل تعبيراً خالصاً عن الشعور. قال يي: «لكن تذكّر: إخوانك التسعة ماتوا بسبب نزقك. من اليوم لا يسبق الشروق ولا يتأخر الغروب، ولا تميل جنوباً ولا شمالاً. كلما خالفت، ذكّرتك نجوم السماء أن عظام إخوتك الساقطين ما زالت مدفونة في تسعة مواضع من الأرض. تستطيع أن تكرهني؛ لكن لا تنس أنك من اقترح أن تخرجوا جميعاً اليوم.»
حمل يي قوسه. خفض الابن العاشر رأسه، وخفت ضوؤه شيئاً لا ضعفاً بل خجلاً. اتجه ببطء شرقاً نحو فوسانغ؛ لم تنته مهمة اليوم بعد، وعليه الآن أن يقطع وحده المسافة التي كانت لعشرة. يشرق في الشرق ويغرب في الغرب، بلا أدنى فتور.
وقف يي على قمة كونلون ونظر إلى يديه النازفتين. تقاطر الدم على جسم قوس تونغ، فشربته القوس وتعمق لونها من أحمر قانٍ إلى أحمر دم. لم تبق في السماء إلا شمس واحدة، وانسكب على جسده ضوء دافئ، لكنه لم يشعر بالدفء؛ ما شعر به هو نواح الغربان التسعة، لا يزال يتردد في سحب قمة كونلون.
# القسم الرابع: القضاء على الوحوش الستة
نزل يي من قمة كونلون وقد بلي نعل حذائه العشبي من التسلق. الطبقة الأولى التي نسجتها تشانغ آه انخرقت عند تشي شوي، والثانية بين أبواب وحش كاي مينغ التسعة، ولم يبق من الثالثة إلا غشاء رقيق تحت القدم. كانت قدماه تنزفان، وكل خطوة تترك أثراً أحمر داكناً على يشم كونلون الأبيض. لكنه لم يسترح؛ فقد انتهت كارثة الشموس العشر، أما الوحوش الستة المهلكة فما زالت تعيث. حين خرجت الشموس جميعاً خرجت الوحوش من أوكارها، والناس احتموا بالكهوف والدواب بالجبال، أما هي فاغتنمت الحريق؛ لا حاجة لها إلى اتقاء الشمس، لأنها جزء من الكارثة نفسها.
كانت عقاب الإمبراطور ياو قد انتظرت عند سفح كونلون. ربط في مخلبها لفافة حرير كُتب فيها ستة أسطر: «يا يو: فوق الماء الضعيف، أكل ثلاثة آلاف إنسان. زاوتشي: في برية تشوهوا، أنياب تحفر الجبال. جيو ينغ: عند الماء العنيف، يخرج ماء ونار. دافنغ: في مستنقع تشينغ تشيو، جناح عظيم يهدم المدن. شيوشه: قرب دونغتينغ، يقطع النهر عرضاً. فنغشي: في غابة التوت، أنياب تقلب الأرض.» ستة أسطر، ستة وحوش، وستة مصائر لا بد أن تنتهي. وضع يي اللفافة في صدره وقال للقوس: «هيا.» فطنّت قوس تونغ في يده كأنها تجيب.
كانت المعركة الأولى مع يا يو على الماء الضعيف. كان وحشاً آكلاً للبشر، بوجه إنسان وجسم أفعى، وكان في الأصل مطية الإله إرفو، ثم قتله إرفو وأعاده ستة من الأسلاف الشامانيين الاثني عشر إلى الحياة بشجرة الخلود. بعد بعثه فقد طهارة مطية الإله وصار وحشاً خالص الجنون والعطش للدم. امتد جسمه مئة تشانغ، ووجهه ليس وجهاً بشرياً بل جلد أفعى ملتوي في هيئة وجه؛ وأسنان فمه مقلوبة نحو الحلق، فلا يمضغ بل يبتلع الفريسة كاملة. كانت على ضفاف الماء الضعيف سبع عشرة قبيلة، لم يبق منها إلا أربع؛ أكل الثلاث عشرة الباقية كلها.
وقف يي على الضفة. خرج الوجه من الماء الأسود بعينين بيضاوين خالصتين تحدقان فيه. قال صوت يرشح من شقوق الحراشف لا من الفم: «واحد آخر. أكلت ثلاثة آلاف، وأنت الرقم ثلاثة آلاف وواحد.» لم يرد يي، بل ركب السهم وشد القوس. انقض جسم الأفعى من الماء بسرعة البرق، سوط أسود مئة تشانغ يهوي إلى رأسه. لكن سهم يي كان أسرع؛ رسم قوساً في الهواء، تجاوز التفاف الجسم، ودخل العين اليسرى من الجانب ففجرها. اندفع سائل أبيض وأحمر من المحجر. صرخ يا يو حتى تموج سطح الماء بتموجات كثيفة، وأخذ يهز جسده ليطرد السهم، لكن رأس السهم المصوغ من ضوء تايي انفجر في داخله، فخرج النور الفضي من المحجر وشقوق الحراشف والفم المعوج. فقد الجسد قوته جزءاً بعد جزء وسقط على الضفة.
لم يكن ذلك «قتلاً» بل «تطهيراً»؛ فقد بدد نور تايي حياة شجرة الخلود السوداء، واستراح يا يو حقاً. سحب يي السهم من محجره وبقي عليه وميض فضي. قال: «بقي خمسة.»
المعركة الثانية مع زاوتشي في برية تشوهوا. لم يكن وحشاً عادياً، بل نصف إنسان ونصف دابة: جذع إنساني بعضلات متشابكة وجلد أخضر داكن، وأربع قوائم حيوانية ذات أشواك تخدش الأرض مع كل خطوة. علامته نابان بارزان، طول كل منهما ثلاثة تشي، أبيضان كالثلج وأصلب من الحديد. كان يحفر بهما الجبال كأن الصخر توفو، ويقتل بهما الناس لا بالمضغ بل بالاختراق، ثم يهز رأسه ويمزق الفريسة.
وجده يي قرفصاء في خراب قبيلة، يمضغ ساق إنسان. رفع رأسه؛ عيناه رماديتان بلا حدقتين، فلا يراه لكنه يشمه. قال وهو يحرك منخريه: «تفوح منك رائحة الشموس. قتلت التسع، ودمها عليك.» شد يي قوس تونغ، لكنه هذه المرة لم يستخدم السهم الأبيض، إذ بقي منها ثمانية وهو يحتاجها؛ أخرج سهماً من صنعه، من صندل أرجواني ورأس نيزكي من البحر الشرقي.
اندفع زاوتشي، فتحولت عضلاته الخضراء إلى مقذوف، ووجّه نابيه اللامعين نحو يي. أطلق يي سهماً إلى عينه اليسرى، لكن الوحش عاقل، مال برأسه قبل وصوله فخدش السهم وجنته وترك دماً أخضر. لم يبطئ زاوتشي، وكان يي قد ركب السهم الثاني، وهو سهم أبيض. لم يبق بينهما إلا عشرون تشانغ. شد الوتر، وجرح أصابعه من جديد، وصوب لا إلى العين بل إلى جذر الناب، حيث وتر غليظ يصل السن بالجمجمة. أطلق؛ مر السهم بين النابين وخترق الوتر عند جذر الناب الأيمن. انكسر الناب بصوت فرقعة، وطارت شظاياه لتثبت في تل بعيد. زأر الوحش، واختل توازنه ولم يبق له إلا ناب واحد، فدار مترنحاً ثم سقط.
اقترب يي وقال: «منذ ثلاثة آلاف عام زرع دي جون أول فوسانغ في برية تشوهوا. كان ينبغي أن يكون هذا السهل طيوراً وزهوراً.» ضغط الوحش آخر كلماته من حلقه: «من... أنت؟» قال: «يي الشرقي.» وفي اللحظة التي سمع فيها اللقب ظهرت حدقته لحظة في عينيه الرماديتين، تعمق الرمادي حتى قارب السواد، ثم فقد نوره إلى الأبد.
المعركة الثالثة مع جيو ينغ فوق الماء العنيف. كان وحشاً ذا تسعة رؤوس، يتحرك كل رأس منها ويدافع ويأكل وحده. تقذف الرؤوس التسعة تسعة أشياء: ناراً وماءً وهواء ودخان سم وسُهُب حجر ورعداً وصقيعاً وحامضاً وموجات صوت. هو وحش ماء ونار، وأخطر ما فيه أن رؤوسه لا تخطئ الخطأ نفسه؛ إن أفلت المرء من نار رأس، وجد ماء السم من الرأس الثاني في اتجاه فراره، وإن صد شفرة ريح فالرعد من الرأس الرابع عند عنقه. وطريق قتله واحد: إصابة الرؤوس التسعة معاً.
اختار يي موضعه في شجرة يابسة على الضفة المقابلة، والرؤوس تظهر وتختفي في البخار تبحث عن صيد بعدما أكلت قبائل الضفاف كلها. كانت تأكل كل متحرك: أيلًا وثعلباً وأفعى حتى السمك. شد يي القوس ووضع ثلاثة سهام مرة واحدة، ليست من السهام البيضاء بل من سهامه الأرجوانية التي صنع منها ثلاثمئة ولا يخاف نفادها. خرجت الثلاثة إلى محاجر عيون ثلاثة رؤوس: أصاب الأول فدخل من عين وخرج من الأخرى، وتناثر دم أرجواني؛ وأصاب الثاني حنجرته، فانفجر منها ماء ممزوج بدم أرجواني؛ وأخطأ الثالث إذ دفعه البخار فخدش وجه الرأس الثالث.
زأرت الرؤوس الستة الباقية معاً، وأطلقت على الشجرة ناراً وماء سم وشفرات ريح ورماح برق وصقيعاً وحامضاً. تمزقت الشجرة في لحظة، لكن يي لم يكن عليها؛ ففي لحظة قفزه أطلق في الهواء ثلاثة سهام إلى الرؤوس الرابع والخامس والسادس. تلك رماية يي: لا يحتاج إلى أرض ثابتة، فقلبه هو الثبات. أصابت السهام الثلاثة، فارتخت الأعناق كحبال قنب مقطوعة.
بقيت ثلاثة. فتح الرأس السابع، أشدها هيجاناً، فمه وجمع فيه برقاً أزرق يزداد حجماً وإضاءة ليقتل ضارب إخوته الستة. أخرج يي سهماً أبيض، وانطلق الضوء خلال البخار ليصدم قلب البرق؛ اصطدم نور تايي برعد جيو ينغ وانفجر، فتحطم فك الرأس السابع كله. حاول الثامن أن يهرب وأدخل عنقه في البخار، لكن سهم الصندل تبعه، وسُمع ارتطام مكتوم ثم طفا الرأس وعيناه البيضاوان للسماء. أما التاسع فلم ينفث ناراً ولا ماء ولا برقاً؛ بكى، دموع وحش لا حزن فيها بل خوف. قال: «لا تقتلني.» قال يي وهو يصوب إلى جبهته: «إخوتك الثمانية قتلوا الناس، وأنت لست استثناء.» قال: «أنا... أستطيع ألا آكل بشراً...» قال يي: «لا تستطيع.» واخترق السهم جبهته، فغاصت الرؤوس كلها في الماء العنيف وعاد سطحه الأخضر ساكناً.
المعركة الرابعة مع دافنغ في مستنقع تشينغ تشيو. كان ملك الطيور الجارحة، إذا بسط جناحيه حجب ضوء السماء حرفياً، وريشه صفائح حديد سوداء تخلق أعاصير عند الرفرفة. لم يقتل بمخلب ومنقار، بل بالريح التي تهدم المدن وتقتلع الزرع والبشر من جذورهم. وقف يي على شاطئ المستنقع قرب شجرة يابسة سلخت الأعاصير كل لحائها فلم يبق إلا جذع أبيض.
دار دافنغ عالياً؛ وكانت عينه ترى فأراً في الأرض من ألف تشانغ. عرف يي أنه لا يستطيع قتاله طائراً، فأخرج سهماً خاصاً ربط في عوده حبلاً، وثبت طرف الحبل الآخر في صخرة عظيمة عند الشاطئ. «جياو» هو معنى القول: «صيد دافنغ بحبل في مستنقع تشينغ تشيو»؛ سهم مثقوب الجناح مشدود بحبل يجره إلى الأرض. صوب إلى جذر الجناح الأيسر، مفصل الحركة ومجتمع الأوتار؛ إن قطعه لم يعد يطير. كانت الإصابة شديدة الصعوبة لأن الجناح لا يكف عن الرفرفة، ولا ينكشف المفصل إلا لنصف نَفَس. انتظر يي، وأبطأ أنفاسه ونبضه. نصف نَفَس... وأطلق.
مر السهم الأبيض بين ريشتين واخترق وتر جذر الجناح وخرج من ظهره. أطلق دافنغ صرخة تصم، وفقد قوة الجناح الأيسر، فهبط دوامة من ألف تشانغ إلى المستنقع، ورفع سقوطه موجة طين عشرات التشانغ. جر يي الحبل وعبر المستنقع إليه؛ بقي حياً، وفمه مفتوح ينز منه دم أسود وجناحه الأيمن يخفق ريحاً ليدفعه. وطئ يي الحبل ثم عنقه وقال: «كل إعصار نفخته، بيت من أسقط؟» نظر إليه الطائر، ولم يبق في عينيه غضب بل ذهول النهاية. أخرج يي سكين الصيد وطعنها مرة واحدة في قصبته الهوائية؛ فسقط ملك العاصفة.
المعركة الخامسة مع شيوشه قرب دونغتينغ. كان أفعى عملاقة طولها مئات التشانغ وغلظها كالشجرة العتيقة، كل حرشفة فيها بحجم درع، سوداء مكسوة بطحلب أخضر. كان ملتفاً في وسط نهر اليانغتسي، يقطع مجراه؛ صارت المنابع بحيرات وفيضانات والمصب أرض جفاف. لم يحتج إلى صيد، فالماء يجرف طعامه إلى فمه. قرفص يي على صخرة عند البحيرة، ورفع شيوشه رأساً أكبر من بيت من الماء، ولسانه يخرج ويدخل والهواء ممتلئ برائحة زنخة.
قال للأرض عبر اهتزاز خفيض ينتقل في الماء إلى قدمي يي: «رسول دي جون، قتلت يا يو وزاوتشي وجيو ينغ ودافنغ. أتظن أنك تقتلني؟ جسدي ليس جسد يا يو الهش المعاد إلى الحياة، ولا جسد زاوتشي، ولا وحش الرؤوس، ولا طائر يعتمد على جناحين. بنيت جسدي شِبراً شِبراً؛ كل حرشفة صقلتها مياه دونغتينغ ألف عام. أتظن سهمك يخترقني؟» أخرج يي سهماً أبيض. وقف، وارتفع ذيل الأفعى خلفه ليضرب، لكنه لم يستدر. لم يصوب إلى الرأس ولا الجسم، بل إلى الحلق المفتوح.
انقض شيوشه ليعضه، وقبل أن تنطبق أسنانه دخل السهم في عمق حلقه. انفجرت شظية نور تايي حين مست النسيج اللين؛ فسال الضوء الفضي من فمه ومنخريه وعينيه وشقوق حراشفه، وأضاء جسده كله. اختلجت الأفعى المئوية التشانغ في الماء، وكل اختلاج يرفع موجة، وصارت بحيرة دونغتينغ قدراً يغلي. ثم غاص الجسد ببطء في القاع، وأضاء النور البحيرة كلها ثم انطفأ. انقطع شيوشه.
المعركة السادسة مع فنغشي في غابة التوت. كان ملك الخنازير البرية، أكبر من الخنزير العادي ثلاثين مرة: ارتفاعه تشانغان وطوله خمسة، وأنيابه كعاج مغروس بالمقلوب ينحني من الفك إلى أعلى، عليها أشواك عالقة بها قطع لحم فرائس سابقة. لم يكن خنزيراً يأكل الزرع، بل خنزيراً يدمره؛ يحفر من طرف الغابة إلى طرفها، لا يفرق بين توت وزرع وبيوت بشر، يقلب كل شيء ولا يحتاج إلى أكل.
وقف يي فوق توتة قديمة باقية. رآه فنغشي فنفخ بخارين حارين مختلطين بتراب وفتات ورق، وحفر الأرض ثلاث مرات بحوافره ثم اندفع؛ اهتزت الأرض، وسرعته سرعة حصان عدو، وأنيابه مصوبة إلى الشجرة التي عليها يي، قادرة على قلعها معه في الهواء. لم يتراجع يي، بل قفز من الشجرة نحو الخنزير، وفي الهواء أخرج القوس وركب سهماً أبيض. رفع فنغشي رأسه ورأى الإنسان يسقط، ففتح فمه ليعضه. لكن السهم هبط من أعلى، ودخل عمودياً في فمه، واخترق الحنك إلى الدماغ. تجمد الوحش في مكانه، والسهم يلمع فضياً في فمه، ثم هوى مدوياً وهز الأرض.
خضعت الوحوش الستة كلها.
# القسم الخامس: الريشة الأخيرة
أعاد يي قوس تونغ إلى ظهره. تراكمت قشور دم سوداء على أصابعه، فوق جرح جرح، وكادت سبابته ووسطاه في يده اليمنى تفقدان الإحساس. وصل إلى بئر في غابة التوت لم يدمره فنغشي، إذ كان فمه أضيق من أن تدخل فيه أنيابه. رفع دلواً بالحبل وسكب الماء على يده؛ تحول الماء من أحمر إلى أسود، وغسل دم الوحوش الستة ودم الغربان الذهبية ودمه. ثم رش ما بقي على وجهه، فأيقظه برد ماء البئر قليلاً.
ثم سمع صوتاً بعيداً. لم يكن بكاء ولا عويلاً، بل هتافاً من قرى ما وراء غابة التوت. بدأ من نداءات متفرقة، ثم تكاثف وارتفع حتى صار موجة احتفال: «لم تبق إلا شمس واحدة!» «قُتلت الوحوش الستة!» «جاء البطل!»
خرج يي من الغابة، فرأى أناساً لا عد لهم يخرجون من الكهوف ويهبطون من التلال وينهضون من الخرائب. كانت على وجوههم ندوب الشواء، وأجسامهم هزيلة، لكن في أعينهم ضوء؛ لا ضوء الشموس العشر، بل ضوء الرجاء. أحاطوا به طبقة بعد طبقة، مئات ثم آلاف، يصيحون ويبكون ويسجدون. رفع أحدهم طيناً من الأرض، طيناً أحرقته الشموس العشر ثم بردته الريح، نحو السماء وقال: «السماء لم تعد حارة أخيراً.»
جثا شيخ أمام يي؛ كان ياو، وقد صار عظاماً ووجهاً، نتأت وجنتاه وغارت عيناه وبرزت ترقوتاه، لكنه ظل واقفاً أمام الجميع ورفض الجلوس. قال بصوت مبحوح من العطش: «يا يي، تشكرك الدنيا.» رفعه يي وقال: «لا تسجد لي. اسجد للسماء والأرض، ولهؤلاء الذين حميتهم، ولنفسك.» رفع ياو عينيه إلى عيني يي، فلم يجد فيهما كبرياء بطل، بل تعباً عميقاً، فراغ إنسان رمى تسع شموس وقتل ستة وحوش ثم استطاع أخيراً ألا يشد قوساً. سأله: «إلى أين تذهب الآن؟» قال: «إلى البيت.»
وقفت تشانغ آه عند الباب سبعة وثلاثين يوماً. منذ يوم رحل يي كانت كل صباح تقف وتنظر غرباً، وكل مساء تقف وتنظر غرباً. وفي الليل تعود إلى الكوخ، لكنها لا تنام، بل تجلس عند المصباح وتصغي إلى الريح والمد والهوام، إلى أي صوت يمكن أن يكون عودته. وفي مساء اليوم السابع والثلاثين ظهر شخص على كثيب بعيد في الشمس الغاربة؛ لم يكونا شخصين، بل شخصاً واحداً: يي.
لم تركض إليه. وقفت عند الباب قابضة يديها بقوة، والدمع في مقلتيها يلمع برتقالياً في الغروب. وصل إليها؛ كان حذاؤه العشبي قد تهرأ تماماً، وباطنا قدميه غطاء من قشور الدم، وسبابتاه منتفختين لا تنثنيان، ووجهه مغطى بالغبار والدم البني الجاف. لكنه وقف أمامها وقال: «عدت.»
فاضت دموعها أخيراً وارتمت في حضنه، وطوقت ظهره بذراعيها ولمست قوس تونغ عليه، ما زالت دافئة كحرارته. قالت: «قتلت... تسعة؟» قال: «تسعة.» قالت: «والوحوش الستة؟» قال: «كلها ماتت.» ضمته أكثر، لا خوفاً من فقده بل لأنها أحست بثقل مكتوم عليه؛ ليس ثقل القوس أو الكنانة أو الجراح، بل ثقل تسع شموس وستة وحوش انتهت أرواحها. سألته: «الآن... انتهى؟» نظر في عينيها، وكانت حدقتاه السوداوان تعكسان الغروب: «انتهى.» ولم يعرف أكان يجيب أم يتمنى.
بعد ثلاثة أشهر اختير ياو إمبراطوراً بمبايعة الناس، ومنح يي لقب «رامي الصواب»، أعظم رامٍ تحت السماء. اعتذر يي: «لم أرم الشمس لأجل مكافأة. رميتها لأنني الوحيد القادر على ذلك.» صمت ياو طويلاً ثم قال: «فماذا تريد؟» نظر يي من النافذة؛ فوق البحر الشرقي كان الغراب الذهبي الأخير يطير نحو رو مو، وضوؤه لطيف دافئ. قال: «أريد أن أعيش أياماً هادئة مع زوجتي.» أومأ ياو: «أيام هادئة، أجيزها لك.»
خفض يي عينيه إلى وتر القوس. مرّت أصابعه على تسعة خيوط ذهبية دقيقة. الأول للبكر؛ طار مئة ألف عام وكان أكثرهم صمتاً، لا يقول شيئاً بعد كل مناوبة، بل يطوي جناحيه ويغمض عينيه ويترك مكانه للأخ التالي. والثاني للرابع؛ كان يحب الغناء، لا أغاني البشر بل لحن الغربان الذهبية الخاص، عالياً نافذاً، يغني على أغصان فوسانغ العليا آلاف السنين. فكر يي لاحقاً: هل كان يغني يوم طار في السماء؟ لم يكن هناك أحد يسمع.
والثالث للسابع، أشدهم طبعاً. يتذكر يي أنه حين أصابه السهم لم يسقط، بل رفع رأسه واندفع ضده؛ حسبه ريح كونلون العاتية تمنعه، ولم يعلم أنه سهم جاء من أجله. كانت كل خيط ذهبي يمثل شمساً أسقطها بيده. قرب الوتر من أذنه، فاهتز في الريح همساً يكاد لا يسمع؛ ليس رنين وتر، بل أصداء الغربان التسعة الأخيرة. تسعة ترددات مختلفة اجتمعت لا ضجيجاً بل مرثاة.
أغمض يي عينيه. لم تكن الغربان شياطين، بل أطفالاً نزقين. لم يعلم أحد أبناء دي جون العشرة ما مسؤولية الشمس؛ وُضعوا منذ ولادتهم على فوسانغ للمناوبة، ولم يسألهم أحد إن كانوا يريدون. في أول يوم قبل مئة ألف عام، حين حمل البكر إلى الغصن الأعلى، لم يعرف حتى معنى الطيران. دُفع إلى الخارج ثم بسط جناحيه بالغريزة. ومنذ ذلك اليوم، كل يوم وكل عام وكل ألف عام، لم يمدحهم أحد ولم يشكرهم أحد. كان البشر يقولون فقط: «طلعت الشمس»، ولم يعرفوا أن غراباً ذهبياً يحمل النار بجناحيه في السماء.
حتى جاء يوم ملّت فيه الغربان العشرة معاً، فماتت تسع في الغروب ذاته. فتح يي عينيه، ونزع من الوتر الريشة الذهبية الأولى، أثر البكر، ووضعها في الكنانة. قال: «لن أنساك.» مرّت يده على عروق الدم في جسم القوس، آثار دمه التي تركها في تونغ، وهبة القوس الأخيرة لحاملها؛ من ذلك اليوم لا تعرف القوس غيره، فلا أبناؤه ولا أحفاده ولا تلاميذه ولا أي إنسان في الدنيا يستعملها. لا تصدر نوراً دافئاً إلا حين تمسكها يده.
قال وهو يرفع رأسه: «لن أنساكم أنتم التسعة.» لم تكن في السماء إلا القمر والنجوم، لكنه عرف أن دي جون في ظلام ما بين النجوم ينظر إلى القمر نفسه؛ وسيرى على القمر ظل إنسان فانٍ قتل أبناءه التسعة. أخذ يي نفساً عميقاً، ودخلت رئةَيه رائحة البحر المالحة. قال: «اعذرني يا دي جون.» ثم ربط شظية الريشة الذهبية إلى الوتر من جديد.
جلست تشانغ آه إلى جانبه، وبقي الرمل دافئاً من النهار. أمسكت يده؛ فيها ستة وثلاثون كالاً وأربع قشور دم جديدة. سألت: «بم تفكر؟» قال: «في دي جون.» قالت: «دي جون؟» قال: «أعطاني قوس تونغ، لكنه لم يقل لي قط إن عليّ إسقاط أبنائه التسعة.» صمتت، ثم وضعت يدها برفق على ظهر يده: «أتظن أنه يكرهك؟»
نظر يي إلى البحر، وكان ضوء القمر يتكسر فيه إلى رقائق فضة. قال: «يكره، ولا يكره. يكره لأنني قتلت أبناءه التسعة، ولا يكره لأنه يعرف أنني لم أملك خياراً، وهو أيضاً لم يملك خياراً.» نظر إلى يده، إلى الكلاليب الستة والثلاثين وقشور الدم الأربع، وقال: «حين أعطاني القوس كانت في ضوء النجوم، ولم يكن عليها كتابة، لكني رأيت سطراً محفوراً: لا أحد غير يي الشرقي يصعد صخر التل.»
سألته: «ما الكتابة؟» كرر العبارة التي نقشت في قدره منذ ولادته، ثم قال: «لا تعني أنني وحدي أصعد كونلون، بل أنني وحدي أستطيع فعل هذا، وأن من يفعله يجب أن يحمل وحده كل الثقل.» شبكت تشانغ آه أصابعها بأصابعه وقالت: «أنت لست وحدك، ولم تكن وحدك قط.» التفت إليها، وكان ضوء القمر سائلاً في عينيها: «أعرف.»
سألته برفق: «أيهجرك دي جون؟» هز رأسه: «لا أدري، ولعله لا يدري. لعلّه في قصر قطب السماء ينظر كل ليلة نحو فوسانغ؛ لم يبق على الشجرة إلا غراب ذهبي واحد، والتسعة لن يعودوا أبداً.» لم تقل شيئاً، بل أسندت رأسها إلى كتفه. كان على كتفه أثر قديم من الوتر، أبيض قمرياً يلمع تحت القمر.
قالت وصوتها مكتوم في كتفه: «من الآن فصاعداً، لا ترم. بقي سهم واحد في الكنانة، دعه فيها إلى الأبد.» لمس يي الكنانة؛ بقي فيها حقاً سهم أبيض ورأسه يلمع فضياً. قال: «حسناً. هذا السهم لن أطلقه.» مر ضوء القمر على جسم قوس تونغ، فصار الأحمر القاني أحمر داكناً كالدم المتجمد. مدت تشانغ آه أصابعها ولمسته؛ ارتجفت القوس وأطلقت همهمة، لا تحذيراً بل جواباً، كأنها تقول: أعرفك، أنت التي وقفت عند الباب سبعة وثلاثين يوماً.
ضم يي القوس إلى صدره وقال: «لنعد؛ علينا أن نصيد غداً.» أومأت. مشيا جنباً إلى جنب نحو الكوخ، وخلفهما مد ضوء القمر ظلين طويلين على الأرض، ظل يي وظل تشانغ آه. كان الضوء ساطعاً حتى تُرى أصداف الشاطئ وصخوره وكل آثارهما. امتدت الآثار من باب الكوخ إلى البحر، ومن البحر إلى الكوخ، ذهاباً وإياباً متراكبة، كرسالة مكتوبة على الأرض بلا حروف؛ كل أثر ضربة قلم: الأفقي انتظار، والعمودي عودة، والمائل فراق، والخاتمة لقاء. وما إن اكتملت الرسالة حتى طلع النهار، وارتفعت الشمس من البحر الشرقي. بدأ يوم جديد.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.