كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/39 · صعود تشانغ آه إلى القمر
الفصل السابق

39 · صعود تشانغ آه إلى القمر

ما وراء الليل

الفصل التالي

حين عاد هو يي إلى البيت، كان الليل قد اسودّ تماماً. تدلّت من كتفه سلسلة من ثلاثة غربان، كلها مما أسقطه بسهمه. كانت الريشات لا تزال دافئة. رمى الغربان إلى جوار الموقد، وكانت تشانغ آه جالسة على عتبة الباب، تنظر إلى الخارج. لم يكن في الخارج شيء. لا شيء سوى التراب الأصفر والجبال العارية البعيدة.

— غربان من جديد، قالت تشانغ آه من غير أن تستدير.

— وغداً غربان أيضاً، قال هو يي، وهو يقرفص عند الموقد وينتف الريش. تساقط الريش الأسود في كل مكان. — أول أمس غربان، وأمس غربان، واليوم ما زال غرباناً.

كان صوت تشانغ آه مستوياً.

— أسقطتُ تسع شموس، ولم تبق في السماء إلا واحدة، فلم يبق من الطير إلا هذا الغراب، قال هو يي، من غير أن تتوقف يداه. كان جلد الغراب قاسياً، ويصدر عند نزع ريشه صوتاً مكتوماً. — حين كانت الشموس تسعاً، كان في السماء عشرة أنواع من الطير.

— والآن لم يبق إلا الغراب.

ألقى هو يي الغراب منزوع الريش في القدر. لم يكن في القدر ماء، فلصق اللحم بالقاع وأخذ يَزّ. قالت تشانغ آه، وهي لا تزال تنظر إلى الخارج:

— حين رميتَ الشموس، ظننت أنك ستغدو رجلاً عظيماً.

كان الخارج قد غرق في السواد.

— أنا رجل عظيم، قال هو يي.

— الرجل العظيم يصطاد الغربان كل يوم.

ضحكت تشانغ آه ضحكة قصيرة كأنها سعلة.

— الناس يقولون إنني بطل.

نهض هو يي ونظر إلى الغربان في القدر. كانت عيونها قد انتفخت من السلق، بيضاء كحبتي أرز. قالت تشانغ آه مرة أخرى: — بطل.

ثم استدارت أخيراً. أضاءت نار الموقد نصف وجهها بالأحمر، وتركت نصفه الآخر أسود. قالت: — وزوجة البطل تأكل الغربان كل يوم.

لم يقل هو يي شيئاً. مشى إلى الباب ووقف إلى جوارها. لم يكن في الخارج قمر؛ كانت ليلة المحاق، والسماء سوداء كقاع قدر.

— سمعت أن في الغرب جبلاً، قالت تشانغ آه.

— جبل كونلون، قال هو يي.

— وفوقه امرأة.

— شي وانغ مو.

— عندها دواء الخلود.

نهضت تشانغ آه. كانت أقصر من هو يي برأس، ورفعت وجهها إليه. كانت نار الموقد تقفز خلف ظهرها.

— اذهب وخذه، قالت.

لم يكن طلباً ولا تشاوراً. خفض هو يي رأسه إلى يديه: يدان شدّتا القوس وأسقطتا تسع شموس، وهما الآن ملطختان بريش الغربان ودمها.

— حسناً، قال.

في صباح اليوم التالي انطلق هو يي. لم يحمل قوسه؛ حمل فقط قربة ماء وكسرة زاد من لحم غراب مجفف. وقفت تشانغ آه عند الباب، تراقب ظهره يصغر شيئاً فشيئاً. لم يلتفت. كانت تعرف أنه لن يلتفت. فعادت إلى الداخل. وعلى الموقد بقي حساء الغراب من الليلة السابقة.

تجمدت فوقه طبقة من الدهن الأبيض. حرّكتها بالملعقة فتفرقت ثم اجتمعت ثانية. رفعت الوعاء وشربت جرعة. كان الحساء بارداً، وفيه طعم لا يوصف؛ ليس رائحة زنخة، بل شيء أعمق من الزنخ. وضعت الوعاء ونظرت إلى رماد الموقد.

كان الرماد لا يزال حاراً. حرّكته بقدمها فانكشف تحته قليل من الأحمر، كأنه ما زال يتنفس. مضى هو يي ثلاثين يوماً؛ أو لعلها كانت ثلاثين، إذ لم تعدّها تشانغ آه. نهاراً تجلس عند الباب، وليلاً تتمدد على السرير. وكانت الغربان معلقة في عارضة السقف.

جففها الهواء حتى صارت صلبة كالحجر. عضت واحدة منها فآلمت أسنانها، فبصقتها على الأرض. كان على الأرض كثير من لحم الغراب المبصوق، قد جف كله إلى كتل سوداء. دار الذباب حول الكتل، ولوّحت له بيدها فلم يذهب. ثم كفّت عن طرده. حط الذباب على وجهها.

ظل وجه تشانغ آه ساكناً. زحف الذباب فوق عينيها، فرمشت مرة؛ طار ثم عاد. وفي ليلة اليوم العشرين رأت حلماً. عاد هو يي في الحلم، واقفاً عند الباب يحمل قارورة شفافة. وفيها حبّة دواء.

كانت سوداء، لا سواد حبة إكسير، بل سواد العين، سواد الحدقة. دارت في القارورة كأنها تنظر إليها. مدّت يدها لتأخذها، فانكسرت القارورة وسقطت الحبة إلى الأرض وارتدت ثم تدحرجت نحوها. تراجعت، فتابعت الحبة تدحرجها. وفي المواضع التي مرت بها نبت عشب أسود؛ عشب حي ينحني كالأصابع.

استيقظت وصدرها يعلو ويهبط. كان البيت مظلماً، والغربان المعلقة على العارضة تتأرجح. لم تكن هناك ريح؛ كانت الغربان تتأرجح من تلقاء نفسها.

وفي اليوم الثلاثين عاد هو يي حقاً. وقف عند الباب وخلفه الضوء، فلم تر تشانغ آه وجهه، لكنها رأت في يده قارورة كالتي في الحلم: شفافة. نهضت، وقد تنمّل ساقاها، واتكأت إلى إطار الباب.

— حصلت عليها، قال هو يي.

كان صوته مبحوحاً، كأنه لم يشرب ماء منذ زمن طويل.

دخل هو يي ووضع القارورة على الطاولة. كانت فيها حبة سوداء، سواد حدقة. كانت تدور في القارورة، لا تتدحرج بل تدور، كعين تدور. نظرت إليها تشانغ آه، فتوقفت الحبة عن الدوران وواجهتها. أحست أنها تنظر إليها.

— قالت شي وانغ مو إن هذه الحبة لا يأكلها إلا شخص واحد، قال هو يي. جلس إلى الطاولة، وكانت يداه ملأى بالجراح، وأظافره متشققة في مواضع كثيرة.

— شخص واحد، كررت تشانغ آه.

— من يأكلها لا يموت.

ظل هو يي ينظر إلى القارورة. وعادت الحبة إلى الدوران، ببطء هذه المرة، كأنها تفكر.

— وماذا لو اقتسمها اثنان؟ سألت تشانغ آه.

— سيموتان ببطء أكبر.

ضحك هو يي ضحكة قصيرة كالسعال، تشبه ضحكتها. رفعت تشانغ آه القارورة. كانت باردة، لا كبرودة الزجاج بل كبرودة الجليد؛ غير أنها ليست برودة الجليد، بل برودة شيء حي. قرّبتها من وجهها. ورأت أن الحبة ليست حبة؛ إنها شيء ملتفّ، يتحرك حركة خفيفة كجنين في بطن.

— أنأكلها الآن؟ سألت.

— غداً. أنا متعب اليوم، قال هو يي.

نهض ومشى إلى السرير واستلقى، بثيابه وحذائه. تدلت قدماه من حافة السرير، وكان نعل حذائه قد بلي وانكشف عقباه المليئان ببثور دموية. وضعت تشانغ آه القارورة على الطاولة.

ذهبت إلى الموقد. كان في القدر ماء، فغرفت وعاء وحملته إلى السرير، لكن هو يي كان قد نام. وقفت لحظة والوعاء بيدها. انعكس وجهها في الماء؛ تموّج السطح فتحطم وجهها ثم التأم. وضعت الوعاء وعادت إلى الطاولة.

نظرت إلى القارورة. كانت الحبة ساكنة فيها، سوداء كثقب. أمسكت القارورة بيدها، فتسلقت برودتها أصابعها إلى معصمها، ثم ساعدها، ثم عضدها وكتفها وصدرها. صار خفق قلبها عالياً جداً.

شعرت أن الحبة سمعت. تحركت داخل القارورة؛ لا، لم تتحرك، بل تقلبت كمن أُزعج في نومه. نزعت تشانغ آه السدادة الخشبية، وكانت خفيفة كخشب يطفو على الماء. فوهة القارورة صغيرة، فأمالتها. تدحرجت الحبة إلى الفوهة وتوقفت على حافتها.

كانت تنظر إليها، وكانت الحبة تنظر إليها. فتحت فمها وألصقت القارورة بشفتيها. سقطت الحبة في فمها. لم يكن لها طعم؛ لا مرارة ولا حلاوة ولا أي شيء. ثم تحركت من تلقاء نفسها، وانزلقت على لسانها إلى أسفل. لم تبتلعها تشانغ آه؛ بل هي التي زحفت إلى داخلها.

شعرت بكل شبر من حركتها: عبر الحلق، إلى المريء، ثم سقطت في المعدة. ارتجف جسدها، وأفلتت يدها. سقطت القارورة وانكسرت. لم يستيقظ هو يي؛ تقلب إلى جهة الحائط. أرادت تشانغ آه أن تناديه.

لكن فمها لم يعد ينفتح. أرادت أن تخطو، فلم تستطع قدماها مغادرة الأرض. لم تكن الأرض قد لصقت بهما؛ كان شيء يأتي من فوق. رفعت رأسها. تشقق السقف—لا، لم يتشقق، بل ذاب كالشمع وانفتح على السماء.

لم تكن السماء سوداء بل رمادية، رمادية كجلد ميت. ثم تشقق الرمادي أيضاً، فظهر ثقب دائري. كانت حوافه تتموج كالشفتين أو كحدقة عين. دار الثقب عكس عقارب الساعة، وشعرت تشانغ آه بقوة تأتي من فوق.

لم تكن قوة شفط، بل قوة أخذ. كان الثقب يأخذها. ارتفعت قدماها عن الأرض، وارتفع جسدها؛ لم تكن تطفو، بل كانت تُرفع. انتصب شعرها إلى أعلى، والتصقت ثيابها بجسدها، وانفتحت ذراعاها كطائر أمسك أحدهم بجناحيه. نظرت إلى الأسفل. كان هو يي لا يزال نائماً على السرير، متكوّراً كطفل.

وعلى الموقد قدر حساء الغراب، وعلى الطاولة قربة الماء التي عاد بها هو يي، وعلى الأرض القارورة المحطمة، وخارج الباب التراب الأصفر والجبال العارية. صعدت أعلى فأعلى؛ صغر البيت، وصغرت الجبال، وصغرت الأرض.

رأت تشانغ آه الأرض كلها، ثم انغلق الثقب.

استيقظ هو يي وقد أضاء النهار. جلس، فلم يجد على السرير غيره. كان حذاؤه لا يزال في قدميه، وقد تحولت بثور عقبيه إلى مسامير جلدية. نادى: — تشانغ آه.

لم يجبه أحد. نهض ومشى إلى الطاولة؛ لم تكن عليها قارورة. وعلى الأرض تلألأت شظايا الزجاج في الشمس. قرفص والتقط شظية، وكانت باردة كبرودة الليلة الماضية. نهض ومشى إلى الباب. لم يكن في الخارج أحد، بل التراب الأصفر والجبال العارية البعيدة. رفع رأسه.

تحركت الغيوم في السماء، فحجبت الشمس ثم كشفتها. عندها رأى القمر: قمر النهار، باهتاً يكاد لا يُرى، لكنه كان هناك حقاً. حدق فيه؛ كان عليه شيء لم يكن عليه أمس، نقطة سوداء صغيرة، لكنها واضحة جداً، كأن شامة نبتت فوق القمر.

بدأ يرتجف. لم يكن من البرد، بل لأنه فهم. فهم إلى أين ذهبت تشانغ آه. خفض رأسه؛ كانت الشمس تتحرك على الأرض، وظله يقصر ثم يطول. ظل واقفاً هناك حتى غربت الشمس وطلع القمر.

كان القمر أكبر من الأمس بحلقة، وما زالت النقطة السوداء فيه وقد كبرت. دخل هو يي البيت وأخرج قوسه. كان وتره من عصب البقر وقد ارتخى. شده ثم أفلته، فأصدر أزيزاً. أخرج سهماً من جعبته، وريش السهم من ريش الغراب، أسود.

خرج الرامي، وصوّب إلى القمر، وشد القوس حتى آخرها. طار السهم بعيداً، لكن القمر كان أبعد من أن يصله؛ سقط السهم في التراب الأصفر البعيد. أطلق سهماً آخر، ثم آخر. سقطت الأسهم كلها، حتى امتلأت الأرض بها كحقل لا ورق فيه.

أطلق كل سهامه، ثم أخرج السهم الأكبر، وكان ضعف سائر الأسهم طولاً، ورأسه من الحديد مصقول حاد. ركبه على القوس وشد بكل قوته. صرّ القوس، وانطلق السهم إلى القمر. لم ير رأسه.

لكنه رأى أنه أصاب النقطة السوداء على القمر. سال القمر دماً. تساقط الدم الأسود من السماء، قطرة بعد قطرة. وحين مست القطرات الأرض عند قدميه صارت حشرات سوداء ذات ست أرجل، تزحف وتحفر في التراب. تراجع خطوة.

حيث حفرت الحشرات، اسود التراب وانتشر السواد. ركض إلى البيت وأغلق الباب. تسلل الدم الأسود من شقه ببطء، كأنه يبحث عن طريق. تراجع إلى الزاوية حتى وصل الدم إلى قدميه وتوقف. حدق فيه؛ كان الدم الأسود يعكس وجهه.

كان وجه صائد الشمسين ملتويّاً كوجه رجل آخر. بدأ الدم يتجمد ويصير غشاءً ذا رسوم تشبه قزحية العين. داسه فتحطم، ولم يكن تحته شيء سوى الأرض. فتح الباب، والقمر لا يزال في السماء، أكبر بحلقة أخرى.

كبرت النقطة السوداء أيضاً. لم تعد نقطة، بل لطخة سوداء على هيئة إنسان فاتح ذراعيه. وقف عند الباب ينظر إلى القمر. كان ضوء القمر يقع عليه، لا أبيض بل رمادي، حتى بدا جلده رمادياً.

لمس وجهه، فوجده قاسياً كأنه جلبة. عاد إلى البيت وجلس على حافة السرير. على السرير وسادتان، واحدة له وأخرى لتشانغ آه. وعلى وسادتها شعرة سوداء طويلة. أخذها.

انقطعت الشعرة في يده وصارت رماداً. أفلتها فطار الرماد وهبط على ركبتيه. دفن وجهه في كفيه. كانت أصابعه باردة وعيناه جافتين. لم يبك؛ لم يستطع البكاء. فتحت تشانغ آه عينيها. كان جفناها ثقيلين كأنهما مخيطان. حاولت أن تفتحهما، فلم تستطع؛ أو لعلهما كانا ملتصقين بشيء. مدّت يدها إلى وجهها، فلم تتحرك. لم تكن مقيدة؛ كانت يدها قد فقدت القوة. لا—لم تعد يدها موجودة. لم تختفِ، بل تحولت إلى شيء آخر.

نظرت السارقة التي ابتلعت الدواء إلى أسفل. جسدها باقٍ: ذراعان وساقان وبطن، لكنها لم تعد لها. كانت متصلة بشيء وردي يتحرك ويتنفس. وحين فتحت عينيها أخيراً رأت: كانت تقف في جوف هائل.

لا قصر، ولا شجرة قرفة، ولا أرنب يشميّ، ولا وو غانغ. لا شيء إلا اللحم، لحم وردي. كانت الجدران الداخلية للجوف كلها لحماً يتنفس، ينقبض وينبسط، وحين ينقبض يرشح منه سائل شفاف يجري إلى قدميها.

كانت قدماها فوق لحم طري دافئ، كأنها تطأ صدر إنسان آخر. حاولت أن تهرب، فالتصق اللحم بباطن قدميها. انتزعتهما بقوة، فصدر صوت «بوب»، وبقيت بصمتا قدميها فيه. امتلأت البصمتان حالاً باللحم، وانطبقتا كالماء.

ركضت. كان الجدار اللحمي يتموج تحتها. لم تستطع الإسراع؛ في كل خطوة تغوص، وفي كل خطوة يصدر ذلك الصوت نفسه. وبعد بضع عشرة خطوة توقفت: أمامها لحم أيضاً، ممتداً بعيداً حتى صار أنبوباً عظيماً. وفي نهايته ضوء خافت رمادي.

سارت نحو الضوء. لحم عن يمينها ويسارها وفوق رأسها وتحت قدميها، عليه طيات، وفي الطيات زغب أبيض رقيق يهتز كعشب الماء. لمست الجدار فارتعش. تراجعت وراحتها ملطخة بالسائل الشفاف اللزج الذي يمد خيوطاً. هزته عنها ومضت، حتى رأت مصدر الضوء: ثقباً.

كانت حافة الثقب مطوية مثل الجدار، تنقبض وتنبسط كحدقة هائلة. تذكرت: هذا هو الموضع الذي دخلت منه، الثقب الذي رفعها إلى القمر. وقفت عنده ونظرت إلى أسفل، فلم تر غير السواد.

ثم رأت. لم تكن حافة الثقب لحماً بل جفناً. كان الثقب عين القمر. عين القمر. والقمر كرة عين ضخمة. تراجعت بعنف، وغاصت قدماها في الجدار أعمق من ذي قبل.

لم يعد اللحم يرتد، بل ابتلع الآثار ببطء شديد، كأنه يتذوقها. أسندت ظهرها إلى الجدار المقابل. كان دافئاً على نحو غير طبيعي؛ أدفأ من جسم حي، كحرارة المحموم. حاولت ألا تلامسه.

لكن الجدار اقترب منها. تقلص الأنبوب كله، فضاق، وانخفض سقفه وارتفعت أرضه. انحنت ثم قرفصت ثم لم يبق لها إلا أن تزحف ووجهها ملتصق باللحم. عندها سمعت أصواتاً، لا تأتي من الخارج، بل من داخل اللحم: أصوات بشر كثيرة، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً.

أرهفت السمع.

— أبردت؟

— أتتألم؟

— أتندم؟

— أتريد العودة؟

التصقت بالجدار أكثر.

— أنا أيضاً أكلت الدواء.

— لا أندم.

— لكنني ندمت.

— نَدِمْتُ.

ابتعدت الأصوات، أو ربما غاصت أعمق.

رفعت رأسها. انفتحت الحدقة عند نهاية الأنبوب مرة أخرى، أكبر بمرتين. ارتجفت حافتها كأنها تبكي، لكنها لم تذرف دموعاً؛ سال منها سائل شفاف لزج أكثر، دافئاً عند قدميها. وفجأة عرفت، لا في صورة ولا في صوت، بل عرفت فحسب: أصحاب الأصوات هم الذين سبقوها، الذين أكلوا دواء الخلود وطاروا إلى القمر. امتزجت أجسادهم بالقمر؛ صارت عظامهم صخره، وصار دمهم هذا السائل الشفاف، وأصواتهم أنينهم وندمهم على الخلود.

اتسع الأنبوب من جديد. مشت تشانغ آه إلى الحدقة ونظرت أسفلها. كان فراغاً أسود كهاوية، لكنها رأت في عمقه ضوءاً أصفر دافئاً، لا ضوء القمر البارد؛ كنافذة فيها شمعة. حدقت فيه، فاقترب الضوء—لا، هي التي صغرت، أو أن عينيها دخلتا الضوء.

رأت بيتاً: جدرانه من تراب أصفر وسقفه من القش، وموقداً يتصاعد منه الدخان وقدراً يغلي. جلس شخص أمام الموقد، ظهره إليها، يضيف الحطب. أضاء اللهب ظهره، فرأت ندبة مقوسة فيه. عرفتها. كان هو يي. كان يطبخ، وفي القدر لا غراب بل دخن أصفر، تفوح منه رائحة الحبوب.

وصلتها الرائحة، مع أنه لا يمكن أن تصل. نادت: — هو يي.

لم يلتفت. نادته ثانية، فلم يلتفت، لكن النار قفزت عالياً وأضاءت البيت كله. رأت على السرير ثوباً أزرق مخضراً مطوياً بعناية على الوسادة، وإلى جانبه شعرة سوداء ملتفة. ثوبها وشعرتها. لم يرمها هو يي؛ احتفظ بها ثلاثة آلاف عام. تراجعت، فاختفى الضوء والنافذة.

عادت إلى حافة الحدقة. لم يبق ضوء أصفر ولا بيت ولا موقد، بل ظلام فقط. أغمضت الحدقة نفسها، لا إغماضاً كاملاً، بل كتحديق إنسان يحبس بكاءه.

فهمت تشانغ آه فجأة: القمر ليس حياً. القمر دموع أولئك الذين أكلوا دواء الخلود وطاروا إليه. تجمدت دموعهم، قطرة فوق قطرة، فصارت دمعة هائلة معلقة عند حافة السماء؛ لا تتكلم ولا تسقط، بل تظل معلقة، تراقب أهل الأرض وبيوتهم ومواقدهم، وتأكلهم ونومهم وشيخوختهم وموتهم، ثم مجيء أناس جدد وتكرار كل شيء. وهي، تشانغ آه، صارت قطرة دمعة جديدة.

كانت معلقة على الجدار الداخلي للقمر. وآثار قدميها وزحفها وحدقتها لم تكن إلا توتر سطح القطرة، ومحاولتها أن تهبط. لكنها لا تهبط، لأن القمر لا يسمح. إنه يحتاج إلى دموع كثيرة ليظل مضيئاً.

تراجعت إلى الجوف، فرأت أوعية دموية بنفسجية تنمو فوق الجدار كله وتنبض. وضعت يدها عليها؛ كانت تنبض تحت كفها أسرع وأقوى من قلبها. وسمعت القمر يتكلم، لا بفم، بل بالنبض:

دق—دق—دق—

«لا—ترحلي. لا—ترحلي. لا—ترحلي.»

رفعت يدها فتوقف النبض—لا، سحبه القمر كما تسحب المحارة لحمها. لم يبق إلا دوائر الطيات؛ هادئة وردية تتنفس، كأن شيئاً لم يحدث.

انزلقت فسقطت على الجدار. التقطها بنعومة كراحة يد. حاولت الوقوف، فلم يسمح لها. بدأت نتوءات صغيرة تظهر من اللحم، ثم تطول لتغدو أصابع وردية بلا أظافر. أمسكت أصابع بكاحلها الرفيع والتفت حوله طبقة بعد طبقة. ركلت، فانشدّت أكثر، وظهرت أصابع أكثر أمسكت بساقيها وفخذيها وخصرها ورسغيها وعنقها.

لم تعد قادرة على الحركة. لم تكن لا تريد الحركة؛ بل لم تعد تستطيعها. كل شبر من جلدها قبضت عليه أصابع، ولم يبق لها إلا أن تحرك مقلتيها. نظرت إلى الأسفل. بدأت ملامح تتكون في الجدار، ثم اتضحت: وجوه، وجه بعد وجه، تطفو من اللحم كأنها تحت الماء. رجال ونساء وشيوخ وأطفال، عيونهم مفتوحة لا تتحرك، تنظر إليها.

لم تكن على الوجوه علامات ألم أو غضب، بل انتظار طويل حتى نسي أصحابه ما الذي ينتظرونه. فهمت أن القمر أكلهم، وأنها ستصير واحداً منهم: وجهاً على الجدار، بعينين مفتوحتين تنظران إلى الأبد.

فتحت فمها لتصرخ، بلا صوت. كانت الأصابع قد خنقت حبالها الصوتية. فتحت فمها أكثر، وكل قوتها في حلقها، فخرج نفس كصوت «بوب»، كالصوت حين نزعت قدمها من اللحم. ثم انسدت شفتاها بالأصابع، ودخلت أصابع إلى فمها فسدت حلقها. لم تعد تخرج حتى النفس.

لم يبق لها إلا أن تنظر بينما يتموج الجدار وتسحبها الأصابع إليه. غاصت قدماها، ثم ساقاها، ثم فخذاها وخصرها وصدرها. نظرت إلى جسدها يبتلعه اللحم شيئاً فشيئاً. لم يكن ألماً، بل ضغطاً ثقيلاً يأتي من كل الجهات، كدفن عميق في التراب أو غرق عميق في الماء. لكن التراب والماء ميتان؛ أما الجدار اللحمي فحي.

داخل الجدار شعرت به يتحرك ويتنفس ويهضمها. كان هضمه بطيئاً جداً. ظل جلدها وعضلاتها وعظامها، لكنها أخذت تتغير وتلين، حتى تصير رخوة كالجدار نفسه.

ثم كفّت فجأة عن المقاومة. ليس لأن قوتها نفدت، بل لأن الجدار أراها ذكريات الآخرين، ذكريات من صاروا وجوهاً فيه. أولها لرجل عجوز: أكل دواء الخلود وطار إلى القمر، وعاش فيه ألف سنة. في أول ثلاثمائة منها كان ينحني كل يوم عند الحدقة ليرى ابنه: يكبر، يتزوج، ينجب حفيداً؛ والحفيد يكبر ويتزوج وينجب حفيد حفيد. كان العجوز يرى كل شيء بوضوح، لكنه لا يستطيع النداء.

بعد ذلك جاء أبناء الحفيد، ثم أناس لم يعرفهم. ومضت قرون فتغير حتى لقبه. اختفت قريته وصارت أرضاً خراباً، ثم نهراً، ثم جف النهر وصار مدينة. ولم يعرف أهل المدينة أن رجلاً من هذه الأرض أكل الدواء وطار، وظل ينظر إليهم كل يوم. وبعد ثمانمائة سنة كف عن النظر. قال: — لا أستطيع العودة، لكنني أستطيع أن أكف عن النظر.

أبعد عينيه عن الحدقة، وأسند نفسه إلى الجدار وأغمض عينيه، وترك ذاته تهبط إلى أعمق القمر.

وكانت الذكرى الثانية لامرأة جاءت بعده بنحو مئتي سنة. هي أيضاً نظرت من الحدقة إلى زوجها. بعد أن طارت لم يذهب هو إلى كونلون، ولم يطلب الخلود، ولم يرمِ القمر. كان يطبخ ويعمل كل يوم، ويجلس مرة كل سبعة أيام عند قبرها الفارغ؛ لا جثة فيه، بل ثوب وشعرة سقطت على وسادة. كان يسكب كأس خمر على الأرض ويقول: — لم تمت. إنها على القمر، والقمر يخرج كل يوم، ولذلك أراها كل يوم.

سمعته المرأة من القمر فصاحت إلى الحدقة: — أنا هنا. أسمعك.

لم يكن يستطيع سماعها. ومع ذلك، بعد أن قال كلماته رفع رأسه إلى القمر وابتسم، ثم عاد إلى البيت. ومات بعد ذلك.

لم تعرف المرأة في أي يوم مات. لكنها تذكرت ليلة كان القمر فيها بدراً، حين انتظرته عند الحدقة ليخرج وينظر إليه. لم يخرج في اليوم الثاني ولا الثالث ولا الرابع. فعرفت أنه مات. في تلك الليلة بكت للمرة الأولى على القمر.

سال دمعها فوق الجدار وفوق الحدقة وسقط إلى السماء، فصار ندى صباح اليوم التالي. بكت مئة عام، ثم أغمضت عينيها وهبطت، وصارت وجهاً على الجدار؛ وجهاً مغمض العينين، نادراً، لكنه موجود.

ظل الجدار يبتلع تشانغ آه. غاص جسدها كله إلى ما دون العنق، ولم يبق إلا رأسها ووجهها طافيين على السطح مثل سائر الوجوه. لم ترد أن تغمض عينيها؛ أرادت أن تبقيهما مفتوحتين كي تتذكر ذلك العجوز الذي كف عن النظر، وتلك المرأة التي بكت مئة عام.

كانت تعرف أنهم جميعاً أتوا من الأرض، وأنهم مثلها لم يريدوا الموت فطاروا إلى القمر، ثم اكتشفوا أن عدم الموت أفظع من الموت، حتى إنهم عادوا ينتظرون الموت في القمر، موتاً لن يأتي أبداً، وهم يذوبون ويصيرون جزءاً من الجدار.

كان وعيها وحده صافياً. لم يجعل الدواء الجسد خالداً؛ بل حبس الوعي إلى الأبد في جسد يتعفن، فلا يموت ولا يحيا. فهمت أنها الآن خالدة، إلى الأبد، محبوسة في القمر، في الجسد المتعفن، في وعي يقظ.

أرادت أن تغلق عينيها، فلم تستطع. كانت جفناها قد ذابا، ومقلتاها مكشوفتين كبقية الوجوه على الجدار، تحدقان أمامهما في ذلك الثقب، عين القمر. وكانت العين تحدق فيها أيضاً. # صرخة القمر

كان أهل القرية يقولون إن هو يي قد جُنّ. لم يعد يصيد الغربان ولا يرمي السهام. كان يجلس كل يوم عند الباب وينظر إلى القمر. وكان القمر يكبر يوماً بعد يوم: كان أولاً في حجم صحن، ثم في حجم عجَلة، ثم حجب نصف السماء. وكانت البقع السوداء عليه تكبر أيضاً.

لم تعد بقعاً سوداء، بل هيئة إنسان: إنسان باسط ذراعيه. عرف هو يي أنها تشانغ آه. كان ينظر إليها نهاراً وليلاً، في الغيم وتحت المطر أيضاً؛ فالقمر لا يزال خلف الغيم وفوق المطر. حتى التهبت عيناه.

نمت في عينيه غشاوة بيضاء، اتسعت يوماً بعد يوم، إلى أن ابيضت عيناه كلتاهما. لم يعد يرى، لكنه ظل يواجه جهة القمر. راح يصغي وقال إنه يسمع القمر ينادي. جمع أهل القرية ليصغوا؛ فلم يسمعوا شيئاً. قال: أصغوا جيداً.

ألصقوا آذانهم بالباب والجدار والأرض، ولم يسمعوا. قال: هناك، طنين، كطنين النحل، لكنه ليس نحلاً؛ إنه صوت إنسان. هزوا رؤوسهم ومضوا. ثم استدعى الأطفال، فاجتمعوا حوله فضولاً.

قال: أصغوا، طنيناً طنيناً، أما تسمعونه؟ قلدوه ورفعوا آذانهم. قال أكبرهم: لا. قال: بل هو موجود، أصغوا أكثر، ليس طنيناً، بل: أمم—أمم—. قال طفل: كصوت خنزير. فضحك الآخرون.

قال: ليس خنزيراً، إنه إنسان، أمم—أمم—، تلك تشانغ آه تنادي. فهرب الأطفال وهم يقلدون: أمم—أمم—. وبقي هو يي وحده ينصت؛ ولم ينقطع ذلك الصوت قط، وكان أشد في الليل.

يبلغ أقصاه عند البدر ويخفت عند المحاق، لكنه لا يزول. فقرر هو يي أن يطلق سهماً آخر. لم يكن يرى، فتلمس قوسه، وقد غطاها الغبار وانقطع وترها. عثر على وتر من عصب بقر، ووصل به القوس.

ثم بحث عن سهامه. كان قد أطلقها كلها ولم يبق إلا سهم واحد، أكبرها، ذو نصل حديدي مشحوذ. ركّبه في القوس. لم ير القمر، لكنه عرف جهته؛ فهو هناك، كبير إلى حد يستحيل معه أن يخطئه.

شد يي القوس إلى آخرها، فصرّت. كانت يداه وذراعاه وجسده كله يرتجف. أطلق السهم، فطار. ولم يعلم إلى أين طار، فانتظر طويلاً. لم يسمع شيئاً: لا صوت نزف القمر، ولا حشرات سوداء.

لم يخطئ الرامي الهدف؛ بل لم تعد فيه قوة. ما إن خرج النصل حتى سقط عند قدميه وغاص في التراب. قرفص، وتلمس السهم وانتزعه، ثم ركبه وأطلقه، فسقط ثانية. ينتزع، يركّب، يطلق، ويسقط.

كرر ذلك مرة بعد مرة حتى تسلخت يداه وسال الدم على القوس والسهم والأرض. ومع كل رمية زاد خط من الدم، إلى أن لم تعد أصابعه تنثني. جلس على الأرض والقوس على ركبتيه، والسهام مبعثرة حوله.

ظل يسمع القمر ينادي: أمم—أمم—. كان ذلك صوتها، صوت تشانغ آه. صارت جزءاً من القمر، وترى هو يي على الأرض، تريد أن تنادي اسمه، لكن لم يبق لها فم؛ فقد ابتلعه الجدار اللحمي منذ زمن.

أرادت تشانغ آه أن تركض إليه، لكن لم يبق لها قدمان؛ ذابتا منذ زمن. لم يبق لها إلا النظر، عبر الجدار اللحمي والعين العملاقة، إلى ذلك الرجل الصغير على الأرض. شاخ، ابيض شعره، وانحنى ظهره. وكان يجلس كل يوم عند الباب شاردًا في القمر.

أرادت أن تقول له: لا تنتظر، لن أعود. جسدي قد هضمه القمر نصفه، والنصف الآخر لن يبقى طويلاً. كان وجهها لا يزال طافياً على الجدار، لكنه أخذ يطمس؛ كاد أنفها يزول.

التصقت شفتاها، ولم يبق إلا العينان، باقيتين إلى الأبد، مفتوحتين إلى الأبد، ناظرتين إلى الأبد. وفي ليالي البدر كانت ترى الأرض أوضح: ترى هو يي عند الباب يرفع رأسه. ابيضت عيناه كلتاهما، لكنه ظل ينظر إلى القمر.

كأن البياض لا يمنعه من الرؤية. مد يديه يرسم في الهواء شيئاً، ففهمت: كان يرسم حدودها. كل ليلة يعيد الرسم نفسه، هيئة باسطة ذراعيها؛ تلك هي صورتها التي رآها على القمر.

حسب هذا الرجل أنها تطير؛ والحقيقة أنها كانت مثبتة هناك. هو يرسمها وهي تراه. بينهما ثلاثمئة وثمانون ألف كيلومتر، ليست بعيدة لو أنها استطاعت النداء؛ لكنه لا يخرج منها إلا النداء في قلبها.

ولا تسمعه هذه المرأة نفسها. أرادت البكاء، لكن عينيها لم تعودا تبكيان؛ ليس أنهما زالتا، بل فقدتا مقدرة الدمع. الدمع لا يزيد إلا رطوبة الجدار، والجدار يحب الرطوبة ويتلذذ بها. مات هو يي بعد أعوام طويلة.

وجده أهل القرية جالساً في إطار الباب، ويداه على هيئة واحدة، كأنه يحتضن شيئاً أو يرسمه. كانت عيناه مفتوحتين، بياضهما إلى القمر، وعلى فمه ابتسامة خفيفة. لا أحد عرف آخر ما رآه.

لعلّه رأى تشانغ آه عائدة، ولعله لم ير شيئاً. دفنوه في التراب الأصفر عند الباب، في قبر صغير: كومة تراب لا غير، بلا شاهدة ولا علامة. وضع أحدهم قوسه فوق القبر، وكانت قد تفككت، ككومة أغصان يابسة.

ظل القمر في السماء، مضيئاً كعادته لكنه أكبر، يحجب ثلث السماء. وفي البدر لا ينام أهل الأرض من شدة النور؛ نور يكشف عروقهم. وعند نقصانه لا تظهر عليه بقع سوداء.

لكن إن دققت النظر وجدت نقطة سوداء بالغة الصغر كالبؤبؤ. لا، إنها البؤبؤ بالفعل، لأن القمر كرة عين تدور، تنظر إلى الأرض وإلى كومة القبر الصغيرة. لم يعد هو يي في القبر؛ فقد صار تراباً منذ زمن. لكن القمر لا يعرف.

أو لعله يعرف ولا يبالي. ما يباليه هو مَن في داخله: وعي تلك المرأة التي ابتلعت الحبة ما زال هناك. هضمها القمر تسعةً وتسعين في المئة، لكنها ما دامت باقية ما دام القمر باقياً.

محبوسة إلى الأبد في الجدار اللحمي، بعينين مفتوحتين ووعي يقظ، تنظر إلى البيت الخالي، والتراب الأصفر، والجبال العارية، وإطار الباب الذي لا يجلس عنده رجل. ظلت تنظر آلاف السنين. والقمر يضيء كل ليلة؛ ليس ذلك ضوء القمر.

إنه صراخ تشانغ آه. سُد فمها، فخرج الصراخ من عينيها وصار نوراً يضيء الأرض. يرى أهل الأرض القمر جميلاً، يكتبون له الشعر ويغنون ويطلبون منه الأمنيات. لو عرفوا ما القمر، وما الذي فيه، أفكانوا سيرفعون رؤوسهم إليه؟

لا بد أنهم كانوا سيفعلون؛ فهذا شأنهم: يقولون أجمل الكلمات لأفظع الأشياء. تفتت قوس هو يي إلى رماد، تطاير الرماد وسقط على التراب الأصفر، فنبت عليه عشب أسود دقيق كالأصابع. يتمايل في الريح نحو السماء.

اكتمل القمر من جديد. وطفا وجه تشانغ آه عليه، فمها مفتوح وهي تنادي منذ آلاف السنين. لا يسمع إلا الريح، وفي الريح جملة لا تتضح: كأنها «هو يي»، وكأنها «دعني أموت».

ظل القمر يدور، يختفي الوجه ثم يظهر، الوجه نفسه والفم نفسه المفتوح والجملة نفسها التي لا تتضح، ولن تتضح أبداً، لأن أحداً لن يبالي. القمر لا يبالي.

مات هو يي منذ زمن فلم يعد يبالي. أما تشانغ آه فلم تعد تعرف ما الذي تناديه. لا تعرف إلا أن فمها مفتوح لا ينطبق، منذ ألف سنة؛ ولا تعرف ما كانت تناديه. يخرج الصوت من عينيها.

ويخرج النور من عينيها، فيقع على الأرض فيقول الناس: ما أجمل ضوء القمر الليلة. لا يعلمون أن القمر ينادي؛ لا يسمعون. يحسبون النور نوراً، وهو ممتلئ بالأصوات، بأصوات آلاف السنين المتراكمة كقوالب شفافة، طبقة فوق طبقة، ضاغطة على الليل.

في اليوم الثالث بعد البدر بدأ وجهها يذوب حقاً، يسيل من الجدار اللحمي كالشمع. بقي نصف وجهها الأيسر على هيئته، وهبط نصفه الأيمن، هابطاً إلى شكل لا تريد رؤيته.

أما العينان فلا تسقطان؛ هما مسمرتان في الجدار. لم يبق جفنان، فقد أكلهما الجدار منذ زمن. حين أكل الجفنين كانت تشعر، كأن أحداً يصقل محجريها بورق زجاج. الآن لا تشعر؛ لا لأن الأمر لا يؤلم، بل لأن الألم طال أكثر مما يحتمل العصب.

ماتت أعصابها واحداً واحداً. وعند موت كل عصب كان كوتر ينقطع: طق، طق، طق. عدّتها: أكثر من سبعة آلاف عصب. لم يبق الآن إلا ثلاثة: واحد إلى كرة العين، وواحد إلى الحلق، وواحد إلى موضع لا تعرف ما هو.

لعلّه القلب، ولعله ليس القلب. لكنه ما زال ينبض، ببطء: نبضة في اليوم، كالبندول، لكن البندول يتوقف وهذا لا يتوقف أبداً؛ لأنها لا تموت. لقد ماتت منذ زمن، لكن موتها لم يكتمل. مات نصفها.

وبقي نصفها الآخر في الجدار كالخضار المخللة، منقوعة آلاف السنين حتى تشبعت وخرجت إلى شكل آخر من الحياة: لا حياة بشر، بل حياة جزء من القمر. وأحياناً تحس بما يفكر فيه القمر: يفكر في الطعام. لا يفكر إلا في الطعام.

أكل آلاف السنين: الصراخ والدموع والوعي، وما زال جائعاً. ينظر بعيني تشانغ آه إلى الأرض: أشياء حية كثيرة، أشياء كثيرة تصرخ وتبكي. والقمر يحدق بها.

يسيل لعاب القمر، لكن لا فم له؛ فمه هو الجدار اللحمي. ولا يسيل له لعاب، بل يفرز سائلاً يقطر على ساقي تشانغ آه. لم يعد يحق أن تسمى ساقيها ساقين: التحمَتا فصارتا ساقاً واحدة، وذاب أصابع القدم في الجدار.

بقيت الأظافر، شفافة، ويرى المرء من خلالها قلب القمر. قلبه أبيض كضوء القمر، لكن ليس مضيئاً، بل أبيض ميتاً كالجير. كلما نبض ومض ضوء أحمر، يمر من الظفر ويلقي ضوءه على وجهها.

فرأت وجهها منعكساً في الظفر: وجه ضبابي، عينان متسعتان، فم مفتوح، وفيه شيء أبيض ليس أسناناً، بل فتات سقط من الجدار، فتات يسد فمها منذ آلاف السنين. وأحياناً يتحرك الفتات.

فيه ديدان، لا ديدان الأرض، بل ديدان القمر: بيضاء دقيقة كالخيوط، تخرج من الفتات، تزحف على لسانها إلى حلقها، ثم تنزل إلى ذلك الموضع الذي لا يزال ينبض. تقف هناك وتهتز كأنها تبحث عن شيء، ثم تتابع زحفها إلى خارج جسدها عائدة إلى الجدار.

اعتادتها. خافت في البداية ثم لم تعد تخاف، وصارت تعد: دودة، دودتان، ثلاث… وعند الدودة العاشرة يطلع النهار. ولا تحتاج أن ترى الخارج كي تعرف طلوعه.

فالجدار يسخن حين يمتص القمر الشمس. ويتسرب ضوء الشمس خلاله، لكنه ضوء بارد لا حار، يمر عليها كماء مثلج. ترتجف من البرد، لكنها لا تستطيع الارتجاف؛ عضلاتها هُضمت منذ زمن.

لم يبق إلا العظم والجلد. جلدها شبه شفاف، ترى فيه ألياف القمر الفضية الدقيقة، تنبت من العظام وتدخل الجدار، فتثبتها في موضعها. لا تستطيع الحركة، ولم تستطع يوماً؛ لكنها لا تكف عن محاولة الحركة.

في كل لحظة تريد أن تثني إصبعاً. لا تستطيع، لكنها تريد، وقد أرادت ثمانية ملايين مرة. وفي كل مرة ينتفض العصب المتصل بالقلب ويؤلمها. صارت تسمي هذا الألم باسمها.

حين يأتي الألم تقول لنفسها: تشانغ آه، ما زلت حية. وحين يعود تقولها ثانية. ذلك برهانها الوحيد على أنها ليست القمر، وأنها ما زالت هي، وإن لم تعد تعرف من تكون. لم يبق في ذاكرتها إلا اسم واحد.

هو يي. ما هو هو يي؟ رجل. وما الرجل؟ هيئة. كيف كانت الهيئة؟ ذراعاها مبسوطتان. ماذا تفعل؟ لا تعرف. لا تعرف إلا تلك الهيئة، رأتها على القمر، ورأتها على الأرض.

رأت هذه المرأة الهيئة أيضاً. ثم اختفت وصارت كومة تراب؛ واختفت الكومة وصارت عشبا أسود؛ واختفى العشب وصار أرضاً خلاء. ومع ذلك ظلت تنظر، حتى نبتت في الخلاء أشياء أخرى. # نفسٌ من القمر

نمت بيوت، ونمت بشر، ونشأت كوم تراب جديدة، ثم بيوت جديدة وبشر جدد. ظلت ترى ثلاثة آلاف عام: تحول الخلاء إلى قرية، فالقرية إلى بلدة، فالبلدة إلى مدينة. تكاثر الناس وعلت البيوت، لكنها لم تر ما في داخلها.

لم تكن ترى إلا السطوح. وأحياناً ترى عليها أناساً: رجلاً وامرأة يتجامعان، وأماً تنشر الحَب، وأطفالاً يطلقون طائرات ورقية. حلقت طائرة ذات مرة إلى ما فوق السحب، قريبة جداً من القمر؛ كانت سنونوة من ورق، عينها نقطة حبر، والنقطة تنظر إليها وهي تنظر إليها. مضت السنونو، وانقطع الخيط فسقطت في السحاب واختفت. وفجأة أرادت تشانغ آه البكاء.

ليس لأجل السنونو ولا لانقطاع الخيط، بل لأنها تذكرت أنها كانت ذات يوم قابلة للسقوط، وقابلة للطيران، وقابلة للهوي في السحاب. لكنها لم تسقط؛ التقطها شيء: الجدار اللحمي. التقطها الهضم.

التقطها الخلود، والتقطها الأبد. لم تكن تعرف معنى الأبد؛ الآن تعرف: أن يبقى فمها مفتوحاً ثلاثة آلاف عام لا ينغلق؛ وأن يبقى القلب الأبيض الميت ينبض ثلاثة آلاف عام بلا توقف؛ وأن تزحف دودة ثلاثة آلاف عام وتظل تزحف؛ وأن تبقى الهيئة مرسومة ثلاثة آلاف عام خلف عينيها وعلى العصب المتصل بالقلب وعلى النبض المتأرجح. نبضة، ثم نبضة. ظلت تعد النبض ثلاثين سنة.

وفي ليلة من السنة الحادية والثلاثين، وكان بدراً أيضاً، سمعت فجأة صوتاً: ليس دقات القلب ولا زحف الدود ولا إفراز الجدار، بل صوت إنسان خافت، آتٍ من بعيد أو من تحت الأرض. قال الصوت: «تشانغ آه».

ظنت أنها أخطأت السمع، أو أن الجدار أصدر صوتاً؛ فالجدار يصدر أحياناً صوتاً كخروج الريح. لكنه قال ثانية: «تشانغ آه». هذه المرة كان أوضح: صوت رجل أجش كأنه لم يشرب الماء منذ زمن.

قال: «أين أنت؟» تحرك الفتات في فمها، وخرجت دودة منه وزحفت على لسانها. أرادت أن تجيب، لكن حلقها أيضاً مسدود بالفتات والديدان. كانت الديدان قد نسجت في حلقها شبكة فضية من لون ألياف القمر، تلف حبالها الصوتية الجافة منذ ثلاثة آلاف عام، كقطعتين من ورق الزجاج لا يخرج من احتكاكهما صوت. لم تستطع إلا الصراخ في قلبها، ومهما علا صراخ القلب لا يسمعه الخارج.

لم يكن في الخارج إلا الجدار يدق مقلداً قلبها: دم، دم، دم. قال الصوت: «سمعتك. أنت في الأعلى. أعلم أنك في الأعلى. ظللت أصغي طويلاً. سمعت نبض قلبك».

«وسمعت الضوء يخرج من عينيك. في الضوء صوت، وفي الصوت اسم. إنه اسمي». صمت الصوت، ثم قال: «أنا هو يي». حين سمعت الاسم أسرع ذلك القلب الأبيض الميت فجأة.

نبضة، نبضة، نبضة، ثلاثاً متوالية. كان أسرع من أن يحتمله الجدار، فبدأ ينكمش ويعصرها. أحست عظم عمودها الفقري يصر كأنه سينكسر، لكنه لم ينكسر؛ شدتها ألياف القمر أكثر. تألمت حتى صار الضوء أمام عينيها أحمر.

أضاء الأحمر المدينة على الأرض، وعلى سطح بيتها وقف رجل، شعره أبيض وظهره محني، يشبه هيئة ذاكرتها لكنه ليس هو. كانت الهيئة تبسط ذراعيها؛ وهذا الرجل لم يبسطهما، بل أرخاهما. يداه عتيقتان وعلى أصابعهما كلاليب.

رفع رأسه إلى القمر. عيناه بيضاوان كعيني هو يي في ذاكرتها. لكنه ليس هو يي: لقد مات منذ ثلاثة آلاف سنة، دُفن وصار تراباً، ونبت على التراب عشب حملته الريح، ثم سكنت الريح. لم يبق هو يي، لم يبق شيء.

من يكون هذا الرجل؟ يقول إنه هو يي، لكنه ليسه. إنه شخص آخر، من زمن لاحق بعيد، محبوس في الأرض كما أنها محبوسة في السماء. وما زالت المسافة بينهما ثلاثمئة وثمانين ألف كيلومتر.

لكنها لم تقرب، بل بعدت أكثر، لأن الرجل ليس حقيقياً. إنه زائف، صنعه القمر ليخدعها. يريد القمر أن تتكلم، أن تفتح فمها، أن يسقط الفتات وتخرج الديدان وتحتك الحبال الصوتية فيخرج صوت. يريد أن يسمع صراخها.

لا من عينيها، بل من الفم المسدود ثلاثة آلاف عام. القمر جائع، يريد صوتاً جديداً يأكله. لا تستطيع أن تغلق فمها، لكنها تستطيع ألا تصدر صوتاً. ستصبر ثلاثة آلاف عام أخرى، إلى أن يموت القمر. لكن القمر لن يموت.

قلب القمر يظل ينبض: نبضة، ثم نبضة. والرجل على السطح لا يزال رافعاً رأسه يقول: «تشانغ آه، جئت. جئت لأخذك». ومد يديه يرسم في الهواء تلك الهيئة.

هيئة الذراعين المبسوطتين، نفسها في ذاكرتها. لكنها لم تنظر؛ أغمضت عينيها. لم يبق جفنان، لكن محجريها يستطيعان الانقباض، وساعدها الجدار. لم يرد لها الجدار أن ترى؛ ليس حماية لها، بل حماية لنفسه.

لم يرد أن تعرف أن الرجل مولود من الجدار، لفظه القمر كطعم صيد. والسمكة هي هي. لكنها ليست سمكة؛ هي تشانغ آه. كررت لنفسها أنها تشانغ آه، ولها زوج اسمه هو يي. وقد مات هو يي.

مات منذ زمن وصار تراباً، مات العشب فوق التراب وجف الندى فوق العشب، وزال الانعكاس في الندى. كان في الانعكاس قمر، وفي القمر تشانغ آه. الآن تشانغ آه داخل القمر، لكن ثمة تشانغ آه خارجه أيضاً. لا، ليس خارج القمر تشانغ آه.

خارج القمر هو يي زائف، ينادي تشانغ آه زائفة. تشانغ آه الزائفة في القمر الحقيقي، والقمر الحقيقي في سماء زائفة، والسماء الزائفة في فراغ حقيقي. أين الفراغ؟ في قلبها؛ في قلبها ثقب، وفي الثقب ريح تهب من ثلاثة آلاف عام.

وفي الريح صوت هو يي الحقيقي: الجالس في إطار الباب، بعينيه البيضاوين، يرسم بيديه الهيئة. كانت تسمع آخر ما قاله يومئذ وما زالت تتذكره: «رأيتُك».

ماذا رأى؟ رآها، رآها عائدة. لم تعد، لكنه رآها. رآها تبسط ذراعيها فوق القمر، فحسبها تطير وهي مثبتة هناك. لم يعرف، ولم يعرف حتى حين مات. وكانت تفضل ألا يعرف.

فضّل سجين القمر أن يظن أنها طارت ثلاثة آلاف عام. أما هو يي الزائف فما زال على السطح يرسم وينادي «تشانغ آه». أغلقت عينيها ولم تصغ، لكن القلب لا يكذب؛ أخذ يسرع، والقلب الأبيض الميت ينبض أسرع فأسرع.

تشنج الجدار، وارتج القمر كله. رفع أهل الأرض رؤوسهم: القمر يهتز والنور يخبو ويقوى. قالوا إنه خسوف، ظاهرة فلكية. لم يعرفوا أنها تبكي، لا تخرج صوتاً ولا دمعاً؛ لا يخرج منها إلا الضوء، ضوء يخبو ويقوى.

اختفى هو يي الزائف من السطح، فبقي السطح خالياً. هبت الريح وحملت رماداً أسود دقيقاً كالأصابع، يتمايل نحو السماء. استقر القمر وعاد الضوء، أبيض.

أبيض ميت، لا بياض الصرخة؛ بياض الصمت والاستسلام. فتحت تشانغ آه عينيها إلى السطح الخالي، وظلت تنظر حتى الفجر والشمس، حتى شحب القمر وشفّ فصار ظلاً خفيفاً في السماء.

وظلت هذه سارقة الدواء تنظر حتى انتصف النهار واختفى القمر، ثم حتى غربت الشمس وحل الظلام وظهر القمر من جديد. فرأت فوق السطح شخصاً آخر، لا رجلاً بل طفلاً صغيراً في ثوب أحمر.

رفع الطفل رأسه وضحك: «يا قمر، يا أمي انظري إلى القمر». جاء صوت امرأة من البيت: «لا تنظر إلى القمر، عليه إنسان يخطفك». قال: «ليس إنساناً، إنه عين. العين تنظر إليّ».

قالت الأم: «لا تهذِ». قال الطفل: «حقاً. في العين ماء، وفي الماء نار، وفي النار إنسان. الإنسان فاتح فمه، فمه يتحرك، يتكلم. لا أسمع ما يقول، لكنني أعرف ما تقول».

خرجت امرأة بثوب من قماش، حملت الطفل إلى الداخل: «ألم أقل لك لا تخرج ليلاً؟ القمر يأكل الناس ليلاً». ظل الطفل فوق كتفها رافعاً رأسه إلى القمر حتى أغلق الباب.

نظرت تشانغ آه إلى الباب الخشبي، ومن شقه نور مصباح زيت دافئ لا يصل إليها. عندها البرد أبدي: القمر بارد، الجدار بارد، القلب بارد، النور بارد.

وحده الألم حار. حين يأتي تقول: تشانغ آه، ما زلت حية. قالتها مرة أخرى، فلم يأت الألم. انتظرت، ولم يأت. فخافت. حاولت تحريك إصبع يد ثم إصبع قدم، فلم تستطع. لم تعد تستطيع تحريك أي إصبع.

شدها الجدار أكثر مما ينبغي. لم تبق متحركة إلا كرتا عينيها. دارت بهما إلى الوجوه في الجدار؛ كانت الوجوه تنظر إليها. بعضهم بلا تعبير، وبعضهم يحرك زاوية فمه كأنه يقول شيئاً. لم تسمع، لكنها قرأت حركة الشفاه. كان هناك وجه شيخ.

قالت شفتاه: «الثلاثمئة الأولى—». فهمت: الثلاثمئة سنة الأولى هي الأشد، ثم يعتاد المرء. وقال وجه شاب: «لم آكل الدواء. دفعوني إلى هنا. خدعني أحدهم وقال إنه حلوى».

لم تعرف من الشاب ولا أكان صادقاً، لكن على الجدار قصصاً من كل نوع، الصدق والكذب مختلطان لا يميّزان. قرأت وجهاً آخر، وجه فتاة قال: «ما كان اسمي؟» لقد نسيته. ووجه عجوز قال: «بقيت ثلاثة أيام».

ثلاثة أيام إلى ماذا؟ إلى عيد الربيع، أو ذكرى موت، أو أي شيء آخر؟ لم تعرف. والعجوز نفسها لم تعرف؛ لم يبق لها إلا «بقيت ثلاثة أيام». كما بقي لتشانغ آه اسم هو يي دون أن تتذكر وجهه. حركت تشانغ آه شفتيها هي الأخرى: «اسمي تشانغ آه».

«جئت من ضفة النهر الأصفر. زوجي هو يي. أسقط تسع شموس. قطع طريقاً بعيداً إلى جبل كونلون، إلى شي وانغ مو، وأحضر لي حبة الخلود. أكلتها، ولم أترك له منها شيئاً».

«ظلمته. أنا الآن هنا، آكلَةً، وما زلت حية. لعلني سأبقى طويلاً، حتى تُهضموا كلكم، حتى لا يعود القمر قمراً، حتى تنطفئ الشمس، حتى تصير عظام هو يي رماداً».

«يطفو الرماد إلى السماء، ويسقط في هذا البؤبؤ، فوق عيني، فأعرف أنه جاء يبحث عني». انتهت. لم ترد الوجوه؛ لا تعرف أسمعت أم سمعت ولم تجد الأمر مهماً. فالقمر مملوء بالقصص؛ لا تزيده واحدة ولا تنقصه واحدة.

حاولت أن ترمش فلم تجد جفنين، وحاولت أن تنادي فبقي فمها مفتوحاً بلا صوت. بحثت عن الموضع الذي يؤلمها دائماً، عن العصب إلى القلب، عن ذلك الذي ينبض. وجدته، ما زال ينبض، لكنه لا يؤلم.

ليس بلا ألم، بل إحساس آخر، كأن شيئاً يريد الخروج من داخلها. ليس دودة؛ فقد مرت الديدان كثيراً. هذا شيء ألين، دافئ، حي، يصعد من القلب إلى الحلق، ومن الحلق إلى الفم.

ومن الفم إلى الشفتين ثم إلى—لم تعرف أين. لم تعرف إلا أن شيئاً خرج من فمها: لا صوت ولا نفس ولا فتات، بل شيء صغير كحبة رز يبعث ضوءاً واهناً، وطفا خارج فمها.

مر عبر الجدار. حاول الجدار أن يعوقه ولم يستطع؛ كان أصغر من أن يمسكه، فخرج من شقوقه إلى خارج القمر. كان السماء سوداء وليس فيها غير حبة الضوء، خافتة كيراعة لا كنجم. أخذت تطفو ببطء نحو الأرض. # طريق الضوء

طفا ببطء كأنه يطفو ثلاثة آلاف عام. راقبته تشانغ آه دون أن تعرف ما هو، لكنها عرفت أنه أهم منها ومن القمر ومن الأبد. ظل يطفو حتى بلغ السطح الخشبي ثم شق الباب، وانسل إلى الداخل.

اختفى. وبعد حين جاء ضحك طفل من البيت: «يا أمي، حلمت بشخص، امرأة نزلت من القمر. حملتني، كانت يداها باردتين لكن قلبها حار. قالت إنها لن تعود». ثم قال: «قالت إنها عادت إلى بيتها». انطفأ ضوء المصباح في شق الباب وسكن كل شيء.

ظل القمر كبيراً مستديراً مضيئاً، وتشانغ آه طافية على الجدار، بعينين مفتوحتين وفم مفتوح وقلب ينبض: نبضة، ثم نبضة. لكنها لم تعد تعد. ظلت تنظر إلى الباب المنطفئ، فرأت شيئاً يحرك زاوية فمها: ليس دودة ولا فتاتاً، بل قوساً خفيفاً ضئيلاً، كأنه ابتسامة. لأول مرة منذ ثلاثة آلاف عام، كأنها ابتسمت.

لم تبق حبة الضوء عند الطفل. قبل الفجر خرجت من حلمه، وانسلت من شق الباب، صغيرة مضيئة كما كانت. عادت إلى الطفو، لا إلى السماء، بل إلى مكان آخر، غرباً حيث الجبال وراء الجبال.

على الجبال أشجار يابسة لانقطاع المطر زمناً طويلاً. مر الضوء بشجرة فاهتز غصنها كأن طرف إصبع لمسه. مضى إلى جبل فيه كهف، حجبت فمه الكروم، فانسل من شقوقها.

كان الكهف شديد السواد، لا يرى فيه شيء، لكن الضوء يرى لأنه ضوء. رأى امرأة عجوزاً لا يعرف لها عمراً، شعرها أبيض كله كالقمر، مغمضة العينين جالسة القرفصاء على صخرة لا تتحرك، كأنها صخرة نفسها.

طفا إلى أمامها وتوقف. لم تفتح عينيها، لكن شفتيها تحركتا: «أتيت. عرفت أنك ستأتي. انتظرتك طويلاً؛ لا، لم أنتظرك أنت».

«انتظرت تشانغ آه. أنت لست تشانغ آه، أنت نفس من تشانغ آه. حبسته في القمر ثلاثة آلاف عام، فخرج هذا النفس. في النفس حياتها، وفي حياتها ذكرياتها، وفي الذكريات شخص».

«ليس هو يي، بل أنا». فتحت العجوز عينيها. كانتا بيضاوين كعيني هو يي وكعيني هو يي الزائف، لكنهما ليستا عمياء ولا ميتتين، بل شفافتين يرى من خلالهما جدار الكهف. ونظرت بهما إلى حبة الضوء.

«لا تعرفني، لكن عليك أن تعرفني. أنا شي وانغ مو». ومض الضوء كأنه حائر. ابتسمت العجوز ابتسامة خفيفة كأثر ماء على صخر: «شي وانغ مو، اسم كدت أنساه أنا أيضاً. مضى زمن طويل».

«أطول حتى من ثلاثة آلاف عامك. أسكن جبل كونلون منذ زمن لا أعرفه. يذوب ثلج الجبل ثم يتجمد، يتجمد ثم يذوب. عددت، ثم نسيت العدد، وحين نسيت لم أعد أعد. لكن شيئاً واحداً لا أنساه».

«الحبتان. أنا من أعطيتهما لهو يي. دواء الخلود: من أكله لا يموت، لكنه يصير شيئاً آخر. لا يصير خالداً، بل طعاماً، طعام القمر. القمر فم».

«فم يأكل بلا انقطاع. كم ابنة أكل لي، لا أذكر. كل امرأة تأكل الدواء تطير إلى القمر؛ وما إن تطير حتى يلتقطها الجدار اللحمي، ثم يهضمها ببطء. وحين يفرغ من هضمها».

«يلفظ القمر حبة ضوء، ضوءاً مثلك. يطفو الضوء عائداً إلى كونلون، إليّ. ولا يكون فيه شيء سوى الذكرى الأخيرة؛ وفي الذكريات نداءات: هو يي، أو أمي».

«أو دعني أموت. سمعت الكثير حتى صارت أذناي شفافتين». مدت يدها، وكفها يابسة كلحاء شجرة. وقعت حبة الضوء عليها خفيفة بلا وزن، كأنها تقع على سطح ماء. «لكنك مختلفة».

«ما زال فيك شيء حي ودافئ. هل ابتسمت؟» أنزلت رأسها وقربت عينيها الشفافتين من الضوء. «نعم، ابتسمت. ثلاثة آلاف عام، وأنت أول من يبتسم». أطبقت كفها على الضوء ووضعته على صدرها المستوي، الذي لا يعرف المرء إن كان فيه نبض.

«ماذا تريدين أن تقولي؟» سألت. ارتج الضوء في كفها. أغمضت العجوز عينيها، فغطى الجفنان الشفافان العينين الشفافين. «سمعتك. تقولين إنك لا تريدين العودة».

«لا تريدين العودة إلى القمر. تريدين البحث عن هو يي، عن هو يي الميت والمدفون في التراب. لكنه لم يعد موجوداً؛ صار تراباً. نبت على التراب شجر، قُطع الشجر، ومات قاطعه».

«ومات حفيد الميت أيضاً، وسُوي قبر الحفيد، وزُرعت في الأرض المسواة محاصيل، وأكلها الناس، وصار آكلوها تراباً. أي ذرة من التراب هي هو يي؟ لا تمييز. اختلط تراب ثلاثة آلاف عام».

«اختلط بالمطر والدموع والدم. التراب يعرف التراب، لكن الناس لا يعرف بعضهم بعضاً. لن تجديه». خفت الضوء في كفها كأنه يوشك أن ينطفئ، ففتحت العجوز عينيها.

«لكن أستطيع أن أرسلك إلى مكان: لا لتجدي هو يي نفسه، بل آخر ما تركه. آخر ما تركه ليس عظاماً ولا قوساً ولا اسماً، بل جملة. قال إنه رآك».

«رآك تعودين. لم تتبدد الجملة؛ ما زالت عند إطار الباب. تعفن الإطار منذ زمن، لكن الجملة بقيت. للكلمات وزن، حتى أخف الكلمات لها وزن. ظلت تضغط على ذلك الموضع من الأرض ثلاثة آلاف عام».

«فتركت طبعة لا ترى، لكن التراب يعرفها والريح تعرفها والقمر يعرفها. اذهبي إليها، وتمددّي فوقها، تسمعين كلماته. فإذا سمعتها تذوبين».

«تذوبين كالندى وكالدخان. الموت الحقيقي، لا أبد بعده. أتريدين؟» انطبق الضوء، لا انطفاءً بل كانطباق قبضة صغيرة: قبض ثم انفتح ثم أشرق أكثر. هزت العجوز رأسها.

نهضت، وساقاها يابستان، لا صوت لخطواتها. حملت الضوء إلى فم الكهف، فانفرجت الكروم من تلقائها. كان الفجر يوشك أن يجيء؛ نور في الشرق، ليس ضوء قمر بل ضوء الشمس التي لم تطلع بعد. رفعت العجوز يدها، فطفا الضوء من كفها.

«امضي شرقاً، إلى أقصى الشرق. هناك نهر، وعند انعطافته شجرة سوفورا. وتحتها بيت هو يي. صار الآن حقلاً، مزروعاً بالقمح الأخضر الذي لم ينضج».

«استلقي فوق القمح حتى يحل الظلام، وحين يخرج القمر ستسمعين». نفخت عليه نفخة باردة كثلج كونلون، فأسرع الضوء شرقاً. وبقيت العجوز عند الكهف بعينيها الشفافتين تتبعه حتى اختفى في ضوء الصباح.

ثم عادت إلى الكهف، وانطبقت الكروم وعاد الظلام. جلست القرفصاء على الصخرة وأغمضت عينيها. تحركت شفتاها بلا صوت، بحركة تقول كلمتين: «تشانغ آه». ثم سكنت وصارت حجراً، جزءاً من الحجر. هبت ريح في الكهف تصفر بين الجدران، كأن أحداً يبكي أو يضحك، ولم يتبين أيهما.

طفا الضوء شرقاً طويلاً، عبر جبال وأنهار وقرى وحقول كثيرة. أشرقت الشمس، فضاؤها فصغر، لا ذاب بل انكمش حتى صار كرأس إبرة، وظل يطفو. رفع الفلاحون رؤوسهم ورأوا لمعاناً، فحسبوه انعكاس ندى، وعادوا إلى عملهم.

بلغ النهر، وعند انعطافته كانت بالفعل شجرة سوفورا قديمة، لحاؤها متشقق كفم. وتحتها حقل قمح أخضر. هبت الريح فتموج القمح كالماء. نزل الضوء على سنبلة فانحنت، ثم استقامت.

طفا بين السيقان يبحث عن الطبعة. وجدها في وسط الحقل: طبعة لا ترى، لكن القمح يعرفها. كان قمح ذلك الموضع أقصر من سواه، أصفر الورق وصغير السنابل، لأن تحت الأرض صوتاً.

صوتاً لم ينقطع منذ ثلاثة آلاف عام، يثقل جذور القمح فلا تمتد؛ وإن امتدت لم تسمع التراب، بل ذلك الصوت وحده: «رأيتك». استلقى الضوء على الطبعة. لم يعد حبة، بل طبقة بالغة الرقة مفروشة في ظل القمح.

انتظر الليل. مضت الشمس ببطء من الشرق إلى الغرب يوماً كاملاً. أضاءته فشحب أكثر، لكنه لم يبرح. وأخيراً غربت الشمس وحل الظلام وظهرت النجوم واحدة واحدة.

ثم خرج القمر، كبيراً مستديراً مضيئاً، فألقى نوره على القمح وعلى طبقة الضوء الخافتة. عندئذ صعد صوت من أعماق الأرض، عبر التراب وجذور القمح وسيقانه، إلى طبقة الضوء.

قال الصوت: «رأيتك. رأيتك تعودين. شعرك أسود، وجهك أبيض، يداك مبسوطتان، أنت تطيرين، وطيرانك جميل. أراك كل يوم، كل يوم أراك».

«أعرف أنك هناك، فوق القمر. لا تنزلين؛ لا بأس إن لم تستطيعي النزول، يكفيني أن أنظر إليك. ابيضت عيناي، لكنني ما زلت أراك. أنت مشرقة، أبهى من القمر، لأنك في عيني».

«لستِ في السماء، أنت تطيرين في عيني. طرت ثلاثة آلاف عام، أما تعبتِ؟ إن تعبت فانزلي. أنتظرك عند الباب. الباب مفتوح، لم أغلقه قط؛ إن أغلقته لن تستطيعي الدخول، لن أغلقه».

«لا أغلقه إن هبت الريح، ولا إن نزل الثلج، ولا إن حرقتني الشمس، ولا حتى إن مت. إن متُّ يبقى الباب مفتوحاً، منتظراً عودتك». سكت الصوت. هبت ريح في الحقل، فحكت السنابل بعضها بعضاً.

بدأت طبقة الضوء تتبدد، لا تنطفئ؛ تذوب كالسكر في الماء، ذرة ذرة، في التراب وفي جذور القمح وفي الطبعة. وفي النهاية بقيت حبة بحجم الأرز، ومضت كأنها تهز رأسها موافقة أو نافية، ثم لم يبق شيء.

بقي القمر مضيئاً كما كان. وتشانغ آه طافية على الجدار، بعينين وفم مفتوحين وقلب ينبض: نبضة، ثم نبضة. لكنها أحست بشيء أخف من الألم والنبض والأبد: حبة الضوء المتبددة.

كان آخر إحساس فيها قطرة ماء تقع في التراب، ثم لا إحساس. ليس خَدَراً، بل فراغاً؛ فراغاً طيباً، كفراغ من ينام بعد أقصى التعب، كفراغ من لا يعود مضطراً إلى التفكير. نظرت خارج القمر إلى حقل القمح.

لم يكن فيه شيء إلا الريح، ولا في الريح شيء إلا غبار ثلاثة آلاف عام وندى تلك الليلة. في الندى انعكس القمر، وفي القمر انعكست تشانغ آه. نظرت إلى نفسها في الندى ولم تعرفها: أهو وجه امرأة؟

أم تجعّد في جدار اللحم، أم انعكاس في بؤبؤ القمر؟ لم تعرف ولم يعد يلزمها أن تعرف. أرخَت ذلك العصب الوحيد؛ لا، بل أرخى نفسه، كقبضة بقيت مشدودة عمراً ثم فتحت. انفرجت الأصابع واحداً واحداً.

كانت الكف فارغة دائماً، لكنها قبضت طويلاً فحسبت أنها تمسك شيئاً. الآن فتحتها فلم تجد شيئاً، لكنها لم تحزن. نبض القلب الأبيض الميت نبضة ثقيلة، ثم أبطأ: نبضة في اليوم، ثم يومين، ثم ثلاثة أيام، ثم أسبوعاً، ثم شهراً، ثم سنة.

أبطأ حتى حسبته توقف، لكنه لم يتوقف؛ ظل ينبض ببطء لا يسمع. ولا بأس إن لم يسمع. نظرت إلى نفسها في الندى، فجف الندى وطلعت الشمس، فاختفى الندى. # بابٌ مفتوح

واختفى وجه تشانغ آه أيضاً. نما القمح، من أخضر إلى أصفر، فحُصد. وزُرع في الأرض شيء آخر: ذرة عالية تحجب القمر. قُطفت الذرة، ثم زُرع القمح من جديد. سنة بعد سنة، وموسم بعد موسم، كانت تنظر؛ لا تنظر دائماً، بل تلقي نظرة حين تتذكر.

وسواء نظرت أم لم تنظر، كانت تعرف: تعرف أن الأرض تتبدل وأن الناس يتعاقبون، وأن أحداً لم يعد يذكر اسمها. لكنها تعرف شيئاً واحداً: أن حبة الضوء ذابت هناك، وأن التي فيها عادت حقاً إلى بيتها. لم تعد إلى القمر.

عادت إلى التراب، إلى كلمات هو يي، إلى الباب الذي لم يغلق قط. ذلك الباب في قلبها؛ والقلب لا يزال ينبض، نبضة بعد زمن طويل، ومع كل نبضة يتحرك فمها حركة كأنه يقول شيئاً، بلا صوت.

لا يبقى إلا شكل الفم: كلمتان، «هو يي»، ثم كلمتان أخريان، «أنا أيضاً». ثم يسكن الفم. لا يتضح هل يريد أن يقول «رأيتك» أم «عدت» أم شيئاً آخر، لكن ذلك لم يعد مهماً. والقمر يدور سنة بعد سنة.

ظل أهل الأرض ينظرون إلى القمر، يقولون إنه جميل، ويكتبون له الشعر ويتمنون الأمنيات. وقف رجل في حقل القمح ليلة بدر، فسمع فجأة صوتاً تحت قدميه، صوت رجل يقول: «رأيتك». ففزع.

نظر إلى أسفل فلم ير إلا التراب. ثم سمع صوت امرأة خافتاً، كأنه يأتي من القمر أو يصعد من التراب، يقول: «أنا أيضاً». ثم لم يبق شيء. هبت الريح فحكت بقايا القمح اليابسة. وقف الرجل قليلاً ثم مضى.

حكى للناس فلم يصدقه أحد، ثم لم يصدق نفسه هو أيضاً. لكنه في كل بدر كان يذهب إلى حقل القمح ويقف قليلاً ويصغي. لم يسمع شيئاً بعدها، ومع ذلك ظل يذهب؛ لا يعرف لماذا، إنما يريد الذهاب، كأن أحداً هناك.

كأن أحداً ينتظره، وكأن المنتظَر ليس هو. لكنه حين يقف في ذلك الموضع لا يشعر بوحدة كبيرة. القمر ما زال في السماء، وتشانغ آه ما زالت في القمر، لكنها لم تعد في القمر. فأين هي؟ في مكان لا يمكن وصفه، مكان لا يعرفه أحد.

مكان لا يعرفه القمر نفسه، لكنها تعرف اسمه. اسمه «أن تُسمَع»، و«الباب مفتوح»، و«تحت القمح»، و«إن تعبت فانزل»، و«أنا أيضاً». وضعت ذلك المكان في قلبها، لا في القلب الأبيض الميت.

ظل القمر يدور، لكنها لم تعد تدور معه. جلست تحت شجرة القرفة وأسندت ظهرها إلى جذعها. كان اللحاء بارداً، لا برودة القلب الأبيض الميت، بل برودة اللحاء التي ينبغي أن تكون، برودة حقيقية. أغلقت عينيها، فلم تسمع نبضها وحده، بل أصواتاً أخرى بعيدة جداً من تحت القمر: صوت ريح هضبة التراب الأصفر، يمتزج بخفق أجنحة الغربان.

كان هو يي هناك: ما زال يصيد الغربان ويطبخ حساء الغراب ويقف عند الباب. ينظر إلى الخارج. لا قمر الليلة، فهي ليلة محاق، لكنه ينظر مع ذلك. لا يرى تشانغ آه، لكنه يعرف أنها في الأعلى، في مكان عالٍ جداً لا يوصف، مكان يعرفه ولا يستطيع أن يبلغه. ومن بعيد جاء صوت وتر قوس يضرب الهواء: طِنّ—.

فتحت تشانغ آه عينيها ووضعت يدها على صدرها. كان قلب بحجم حبة أرز ما زال ينبض: نبضة، نبضة، نبضة. شعرت أنه لعلّه سيقول لها يوماً ما ينبغي أن تفعل بعد ذلك. وإلى ذلك الحين ستنتظر، بلا عجلة. القمر لا يعجل، وهي لا تعجل.

عرفت الآن أن «أن تُسمَع» ليست مجرد سماع: إنها أن يستطيع شخصان، يفصل بينهما السماء والأرض، والحياة والموت، والقمر والتراب الأصفر، أن يسمع كل منهما تلك الكلمة في قلب الآخر—

«أنا أيضاً».

ذلك يكفي. ومن أقصى البعيد جاء نعيق غراب، ليس غراب الحساء، بل غراب حي صاح قبل الفجر.

دار القمر إلى جهة أخرى وتحرك ظل شجرة القرفة مقدار بوصة. نهضت تشانغ آه، لا لتذهب، بل لتبدل وضعها؛ فقد طالت جلستها مسندة إلى الجذع حتى آلمها ظهرها قليلاً. وكان الألم شيئاً طيباً: يعني أن الجسد ما زال موجوداً، وأن ذلك القلب الصغير يضخ الدم حقاً وينبض حقاً، ويجذبها شيئاً فشيئاً من القمر إلى عالم البشر.

حتى وإن لم تبق تشانغ آه الأرضية، فإن تشانغ آه البشرية تنبت من جديد في هذا القلب الجديد.

جلست المرأة مرة أخرى مسندة إلى شجرة القرفة. انسكب عليها ضوء القمر؛ لم يكن ضوءاً بارداً، بل فيه شيء من الدفء، كرماد الموقد: يبدو رماداً، لكن إن قلبته وجدت تحته جمرة حمراء. لمست صدرها، فوجدت القلب لا يزال ينبض، ينبض، ينبض. فاطمأنت.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.