كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/40 · جينغ وي تملأ البحر
الفصل السابق

40 · جينغ وي تملأ البحر

ما وراء الليل

الفصل التالي

كانت الشمس بيضاء. وقفت نُوَى عند حافة الجرف بثوبها الأزرق المخضر، ترفرف ذيله ريح البحر. وكانت الأمواج تضرب الجدار الصخري، مرةً ثم مرة. تقدمت خطوة، وتحت قدميها صخور سوداء نمت عليها محارات رمادية كأنها عيون لا تفتح إلا نصف فتحة.

— آنستي.

نادتها خادمتها من خلفها، فلم تستدر نُوَى. كان البحر مستوياً كلوح من حديد.

— آنستي، حان أن نعود.

رأت الماء يتحرك، لا موجاً فوقه، بل شيئاً يتحرك تحته. جاء صوت من قاع البحر، كأن فماً هائلاً انفتح في الماء. أضاءت عيناها: «أتسمعينه؟»

— ماذا أسمع؟

— الماء يصدر صوتاً.

اقتربت الخادمة ونظرت. «لا شيء.» فأشارت نُوَى إلى السطح: «إنه في الأسفل. لقد نادى اسمي.» شحب وجه الخادمة. انحنت الفتاة، وأسندت يدها إلى الصخر ومدت رأسها: «نُوَى—» ثم قلدت النداء: «نُوَى—».

فجأة سكن البحر، وانقطع هدير الموج وتوقفت الريح. قالت الخادمة وقد برد ظهرها: «هيا نذهب.» ابتسمت نُوَى ابتسامة خفيفة: «عودي أنتِ. سأبقى قليلاً، وسألحق بك حالاً.» وحين التفتت الخادمة ثانية، كانت تموجات دوائر تصعد من الأعماق.

غرفت نُوَى بيدها ماء البحر؛ كان بارداً على غير مألوف، كأنها أدخلت يدها في فم ميت. سحبتها سريعاً، فإذا بطرف أصابعها عظمة بيضاء رفيعة منحنية، عظمة سمكة. وضعتها على الصخر، فتحولت في لحظة إلى مسحوق حملته الريح. شعرت بفراغ في صدرها. حلقت فوقها طيور بحر تصرخ، فرفعت رأسها؛ وانزلقت قدمها على طحلب الصخر. اندفع جسدها إلى الأمام، وخبطت يداها الهواء، ولم تمسكا شيئاً.

مرّت أصابعها بمحارات الجرف فشقت جلدها، وسقط دمها في البحر؛ احمر الماء لحظة ثم ابتلعه. اصطدمت بالماء، فدخل أذنيها وأنفها وفمها، وبدأت تهبط. امتلأ ثوبها بالماء كأن أيدي لا تُحصى تجرها إلى العمق. فتحت عينيها؛ ماء أخضر داكن يشتد سواداً كلما نزلت. حاولت الصراخ فاندفع الماء إلى حلقها ورئتيها. كان الألم ناراً، لا ألم الغرق وحده: شيء يتحرك في رئتيها ويعضهما.

— لا—!

عضّت ابنة يان دي أسنانها: «أبي ينتظرني، وما زال الدواء يغلي في المرجل.» وضربت الماء بيديها: «لم يبق إلا القليل.» لكنها كانت تهبط. نظرت إلى كاحليها؛ شعر أبيض يلتف عليهما حلقات. كان في الماء شعر.

تسلق الشعر كاحليها وساقيها وركبتيها وفخذيها. صار الماء كله شعراً أسود يطفو كالأعشاب البحرية، نامياً من قاع البحر. كلما ركلت اشتد التفافه، فانغرز في لحمها وانشق الجلد. خرج دمها حاراً إلى ماء بارد، ثم امتصه البحر خيطاً خيطاً. ضعفت ذراعاها وساقاها، وابتعد نور السطح؛ الشمس البيضاء صارت نقطة ثم انطفأت.

كان القاع أسود لا يُرى فيه شيء، لكن الأصوات جاءت من كل الجهات، خفيفة كخطوات عظام فوق الحجارة: طقطقة، طقطقة طقطقة، تقترب. امتلأ بطنها بالماء حتى كاد ينفجر. عندئذ أضاء القاع نقطةً نقطة: لا لؤلؤ ولا مرجان، بل آلاف العظام المفروشة في كل مكان، وكل عظمة تتوهج بنور أبيض بارد كالصقيع.

خرج الهمس من العظام: «تعالي—. تعالي—. تعالي—». رجال ونساء، شيوخ وصغار، كلهم يقولون الكلمة نفسها. رأت نُوَى العظام تزحف بنفسها: سلاميات وأضلاع وفقرات بلا لحم ولا جلد. جاءت إليها عظمة إصبع قصيرة بيضاء فيها كسر، انتصبت وانحنت لها كأنها تحييها. حاولت الصراخ، فلم تستطع؛ واندفع من رئتها إلى حلقها ثم من فمها عظم رفيع منحنٍ، مثل عظمة السمك التي وجدتها، لكنه ملطخ بدمها.

جاءت أسماك سوداء ذات عيون بيضاء، تنهش وجهها ويديها وقدميها. شدت سمكة شحمة أذنها فمزقتها، فازداد جنون السرب. أخذ وعيها يبهت، وخبا ضوء العظام. ماتت.

رأت جثتها كما لو كانت جسد امرأة أخرى. «أهذه أنا حقاً؟ لا أعرف وجهي.» حاولت أن تنتشلها، فمرّت يدها خلالها مرة بعد مرة. ركعت على سطح الماء؛ كان الماء تحت ركبتيها بارداً صلباً. تحتها أكل السمك الوجه حتى تشوه: اختفت الشفتان، ونصف الأنف، وعين؛ أما الأخرى فتدلت معلقة بعصبها، تطفو كقنديل صغير.

غابت الشمس فاحمر البحر، ثم أظلم وظهرت النجوم. بقيت راكعة، ورأت السمك يفرغ من لحم وجهها ثم يعود سرب أكبر، بأسنان أشرس، لينقر العظم: قرقعة، قرقعة، قرقعة. نهضت ومشت إلى الشاطئ، فلان الماء تحت قدمها وسقطت فيه ثانية؛ هذه المرة بقيت بين الأعلى والأسفل.

كان حولها بشر كثيرون شفافون مثلها، رجال ونساء وصغار وكبار، صامتين يحدقون فيها. اصطدمت برجل بملابس صياد؛ وجهه أبيض، شفتاه سوداوان وعيناه حفرتان. سألته: «من أنت؟» فتح فمه، ولم يكن فيه لسان بل تجويف أسود: «غريق.» وأشار خلفه: «كلهم غرقى.»

ملأ الغرقى البحر من سطحه إلى قاعه طبقة فوق طبقة. بعضهم بملابسه، وبعضهم عارٍ، بعضهم سليم وبعضهم متعفن، لكن عظامهم جميعاً باقية ومتوهجة. لم يكن ضوءاً أزرق أو أخضر، بل بياض العظم، بياض الموتى. سألت: «منذ متى وأنتم هنا؟» فلم يجب؛ وجّه تجويف فمه إلى القاع. هناك عظام طبقات: منها ما صار أدق من الرمل، ومنها ما بقي كاملاً يزحف ببطء، قديمها فوق جديدها، لا عدد لها.

— هذه العظام؟

— عظام بشر. أكلهم البحر، ثم لفظ عظامهم.

قال مراقب العظام: «لكنه لا يلفظها كاملة؛ يترك نصفها في القاع.»

ومن بعيد جاء النداء الضعيف: «نُوَى— نُوَى—». لم يكن صوت واحد، بل ألفاً وعشرة آلاف، جميع الموتى وكل العظام ينادون اسمها. ارتفع الصوت، فارتج القاع والماء وجسدها. سدت أذنيها، لكن الهمس اخترق كفيها وجمجمتها ودماغها. صاحت: «كفوا عن النداء!» فضاع صوتها في همسهم. صار الهمس في رأسها وفي عظامها؛ شعرت بعظامها تستجيب وترتج وتقول: «نُوَى—».

فتحت عينيها. من جسدها الروحي الشفاف تسرب نور أبيض؛ كانت عظامها تتوهج كنور عظام القاع. لم تستيقظ من حلم، بل استيقظت من الموت. صفا البحر، فرأت كل عظمة وكل ميت وكل وجه. رأت جثتها وقد أكل لحمها كله؛ هيكل أبيض نظيف، لا عظمة ناقصة فيه، لكنه يتحرك. انثنت سلامياته، وانطبقت عظام كفه، وارتفع ذراعه. كان هيكلها يتسلق من الأعماق، بطيئاً، يتشبث بصخور القاع كل خطوة، حتى بلغ قدميها ورفع محجريه الفارغين إليها وفتح أسنانه.

— أنتَ… عظامي؟

ارتجف صوت ابنة يان دي. «ظللتَ في القاع كل هذا الوقت؛ لا بد أن لديك ما تقوله.» طقطق الهيكل. انحنت ومدت يدها خلال الماء؛ رفع يده مقابل كفها، فمرت يدها خلالها. تابع التسلق، ثم تشبث بشيء على السطح ودفع نفسه؛ فانقلب الهيكل كله إلى فوق البحر، ووقف أمامها معلقاً فوق الماء. وقف الهيكل أمامها في طولها وهيئتها، وربت كتفها. لم تحس بثقل، بل ببرودة تخترقها من الكتف إلى الجسد كله. فتح فمه، واصطدمت عظامه: «انتشلي—». ثم: «انتشلي العظام—». وفي الثالثة: «انتشليها كلها. لا تتركي عظمة. أخرجيها جميعاً.»

كل لفظة خرجت من بين الأسنان كأنها مضغت ثم بصقت. صرخت العظام كلها، أسماء مختلفة اختلطت في دوي واحد هزّ الماء. وضع الهيكل قدمه على قدمها؛ لم تتألم، لكنها رأت قدمها تتحول من شفافة إلى بيضاء، ومن روح إلى عظم، والبياض يصعد إلى كاحلها وساقها وركبتها وفخذها. صرخت ودفعت الهيكل، فسقطت هي إلى الخلف في الماء. رأت نجوماً بيضاء كالعظام، وأغمضت عينيها.

وحين فتحتهما اختفى الهيكل، واستوى الماء، وأصبح الصباح. جلست على الصخر، حيث بقي أثر الطحلب الذي انزلقت عليه بالأمس، وقد جف وصار مسحوقاً أسود تذروه الريح. رفعت رأسها: «أبي… أنت في الجبل وأنا في البحر، ما أبعد ما بيننا. حين تذوق مئة عشبة، هل تتألم هكذا؟»

تذكرت يان دي على سفح الجبل يمضغ الأوراق وحده. أحياناً يخضر وجهه، وأحياناً ينهار. كانت طفلة فتركض وتحمل رأسه، ثم تسمعه يقول: «هذه العشبة سامة.» سألته: «أبي، هل ذقت عشبة سامة ثانية؟ ما هي؟» فتح عيناً وقال: «لا أعرف. قطفتها الآن، ولم أسمّها بعد.»

كان يجرب كل عشب بنفسه، لا شجاعةً بل لأنه لا يثق بالقدر: «ما يقول الناس إنه سام قد لا يكون ساماً، وما يقولون إنه غير سام قد لا يكون كذلك. لا تعرف إلا إذا ذقته بنفسك.» قالت: «وإن متّ؟» قال: «فأموت، وأعرف كيف متّ؛ خير من أن أعيش في الجهل.»

وتذكرت مرجل الدواء البرونزي ذا الأرجل الثلاث، والحطب تحته، ورائحة الأعشاب المرة القابضة الحادة تخنق العينين. كان أبوها يقلبه بملعقة خشبية طويلة، يقلب مرة وينظر، ثم يقلب مرة، كأن في الدواء حروفاً. وحين سألته قال إنه يصغي: «الدواء يتكلم؛ يقول ما يشفيه وما لا يشفيه. اسمعيه، فإن صببته على الناس عمياناً قتلتهم.» قالت: «ولم لا أسمعه؟» قال: «لأنك لم تموتي قط. من مات مرة تختلف أذناه.»

الآن ماتت؛ أذناها تسمعان أمواجاً على بعد عشرة أميال، وطقطقة عظم في أعماق مئة ذراع، واحتكاك حبات الرمل، لكنها لا تسمع صوت أبيها. هل بقي مرجله؟ هل ما زال يذوق الأعشاب؟ هل علم بموتها، وبأنها صارت روحاً تجلس على الصخر تحت الشمس البيضاء؟ أرادت البكاء، لكن الروح لا دموع لها؛ غدتاها الدمعيتان في القاع أكلها السمك.

نظرت إلى الماء تحت الصخر، فرأت وجهاً أبيض بلا دم، ليس وجهها بل وجه امرأة غرقت. كانت تبتسم بشفتين سوداويين وأسنان بيضاء: «أتيتِ أنت أيضاً. ستصيرين عظاماً، وتتوهجين، وتصيرين جزءاً من الضوء الأبيض.» ركضت نُوَى الماء بقدمها فتكسر الوجه، ثم التحم أقرب من قبل حتى رأت الرمل في محجريه. قالت المرأة: «لن تكسريَني؛ إنما تكسرين نفسك.»

نظرت نُوَى؛ تشقق طرف قدمها كخزف، وصعدت الشقوق إلى ساقها. رفعت قدمها، فتوقفت الشقوق ولم تلتئم؛ بيضاء كعروق الجليد وكسر العظم. مدت المرأة يدها الشفافة ذات الأظافر السوداء: «انزلي. الصخر ليس مكانك، مكانك في الأسفل مع العظام ومعنا. البحر ليس بارداً؛ البارد هو الأعلى، فيه الريح والشمس والنبض. في الأسفل لا شيء إلا السكون. الصعود يحتاج قوة، أما النزول فلا يحتاج شيئاً. لا تقاومي، فتنزلين، كالنوم.»

ارتدت نُوَى، فضرب ظهرها الصخر وترك فيه شقاً آخر. بدأت يدها تتشقق من أطراف الأصابع كبراعم الجليد. قالت الغريقة: «ستصيرين مثلنا قريباً. الماء يسوّي كل شيء: الوجه والقلب والاسم، فلا يبقى إلا العظم، أبيض أملس صلب لامع، جميل حقاً.» أغمضت نُوَى عينيها وفكرت بعنف في وجه أبيها وعشب التل وبخار المرجل وصوت الملعقة وقوله: «أذنا من مات مرة مختلفتان.»

فهمت جينغ وي: الاختلاف ليس أن تسمع أبعد، بل أن تسمع بألم أكبر. كل صوت يقول إنها لن تعود، وكل موجة تقول إن البحر انتصر، وكل عظم يهمس: «أنت لنا.» غربت الشمس وطلعت، وظلت على الصخر طوال الليل. وظلت المرأة تحتها تبتسم. عند الصباح لم تغطس بنفسها بل دفعها الضوء إلى العمق؛ ذاب وجهها مثل حبر في إناء ماء، أسود ثم رمادي ثم لا شيء. لكن نُوَى عرفت أنها تنتظر في أعمق مكان.

سألت السطح: «إلى متى أبقى؟ يوماً، سنة، أم عمراً؟ لا، لم يبق لي عمر.» لم يجب البحر. عادت الطيور والصخور والأمواج كأن شيئاً لم يحدث، لكن الشقوق لم تفارقها. وعند الظهر غاصت من جديد، لا تدري لماذا. مر الماء خلال روحها، وبقيت قادرة على الحركة والسباحة والهبوط. اخضر الظلام ثم اسود، وعاد نور العظام من الأسفل. وطئت القاع فحطمت ضلعاً؛ انكسر ثلاث قطع، وكل قطعة تتحرك كدودة.

كانت العظام تمتد حتى الأفق، مستوية كأن يداً سوتها: بيضاء كالمسلوقة، صفراء، أو هشة تتفتت، بشرية وسمكية، كبيرة وصغيرة مختلطة. مشت وقالت: «هل من أحد؟ هل بقي أحد مستيقظاً؟ كلمني، أي شيء.» كانت كل خطوة تسحق عظاماً، والعظام المحطمة تزحف إلى قدميها لتلتصق بها، فتنفضها وتمضي.

توقفت أمام عظم فخذ عظيم أغلظ من ساقها، عليه كتابة مخربشة بالأظافر. قرأت حرفاً واحداً: «أنا—» ثم محا البحر الباقي. ورأت فقرة ملتوية كحية علقت بها أسنان بشرية مربوطة بشعر مثل قلادة. لمستها فحيت الأسنان وعضت أصابعها؛ انطبعت فيها آثار صغيرة متساوية كأنها أسنان طفل. تعثرت بجمجمة صغيرة ناقصة سن، فرفعتها فتفتت في كفها، وغرزت شظايا بيضاء في روحها الشفافة. نزعتها، فحملت كل شظية خيطاً من روحها وطفَت كقناديل دقيقة.

سارت أعمق، وصارت طبقة العظام من الكاحل إلى الركبة إلى الفخذ، كوحل. ثم رأت نوراً آخر، أدفأ وبرتقاليّاً. تبعته حتى خفت العظام ووصلت إلى فسحة فيها طاولة حجرية، فوقها مصباح زيته أحمر وفتيله عظمة إصبع مشتعلة. وراءها جلس شخص بثوب أسود، وجهه داخل قلنسوة، ولم يظهر إلا يدان رماديتان وأظافر طويلة ملتوية كالرَّق.

قال: «اجلسي.» سألت: «من أنت؟ أهذه العظام كلها تعدّها أنت؟» رفع رأسه: «اجلسي، إنك تحجبين النور.» لم تجلس. «من أنت؟» قال: «من يراقب العظام. أراها كلها وأحصيها، لكن لا أبلغ آخرها.»

— لمَ؟

— لأن عظاماً جديدة تأتي كل يوم.

خدش ظفره الطاولة بصوت حاد، فارتعشت. سألته: «أنت إله البحر؟» ضحك: «إله؟ أنا أول إنسان أكله البحر.» رفع القلنسوة قليلاً؛ لم يكن له وجه، بل صفيحة عظم مسطحة بلا عين ولا أنف ولا فم، ومع ذلك خرج صوته من خلفها. أشار إلى حجر أمامه: «اجلسي.»

جلست. وما إن لامست الحجر حتى نبتت منه أيدٍ عظمية أمسكتها. حاولت الفكاك فلم تستطع. قال: «لا تخافي؛ نريد فقط أن نبقيك لتسمعي قصتي. قبل زمن طويل لم يكن هنا بحر، بل جبال. كنت أصطاد وأزرع. ذهبت يوماً لأستقي، فرأيت إنساناً في سطح الماء يلوّح لي؛ نزلت وغرقت.»

«بعد موتي طفت ورأيت جسدي تحت الماء والسمك يأكله. أردت انتشاله، لكن الروح بلا قوة. شاهدت اللحم يؤكل، ثم بقي هيكل وهبط إلى القاع واختلط بعظام الآخرين. لم أعد أعرفه، وكان في القاع يومئذ عظام كثيرة مفروشة طبقات. حاولت فرزها: أيها لي وأيها لغيري، فلم أقدر. كلها بيضاء طويلة، طرف غليظ وطرف رقيق. فتشت عظمة عظمة عن علامة، آلاف السنين، بلا جدوى. فتركت الفرز وبدأت العد.»

— العد؟

— أعد العظام كل يوم. أفرغ اليوم، فتأتي جديدة غداً، فأعدها؛ أفرغ غداً، فتأتي أخرى بعد غد. وهكذا.

سمعت نُوَى العظام تتحرك لا في البعيد، بل في الحجر الذي تجلس عليه؛ عظام كثيرة متراكبة تتحرك، والحجر كله عظام. «لماذا تعدها؟»

قال وهو يوجّه صفيحة عظمة وجهه إليها: «إن لم أعدها زحفت إلى الأعلى.»

— إلى الأعلى؟

— تخرج من القاع، وتصعد الشاطئ، وتعود إلى عالم البشر. وعندها تقع كارثة.

— أي كارثة؟

— إذا عاد الموتى، فأين يذهب الأحياء؟

وانطفأ المصباح فجأة. في السواد تضخم صوت العظام؛ لم يعد في الحجر فقط، بل في قاع البحر كله. كانت جميع العظام تتحرك وتزحف وتتجمع عندهما. تحركت الأرض تحت نُوَى وارتفعت، فسقطت في العظام. التفّت عليها من الجهات الأربع، تضغطها وتجرها إلى باطن الأرض. تكاثرت حتى دفنتها ولم تبق إلا يد ممدودة، ثم غطتها العظام أيضاً. انقطع كل شيء إلا دقات قلبها: دق، دق، دق؛ ثم توقف القلب. وسمعت من عظامها هي: «وجدناك.»

رنّت عظام ابنة يان دي كلها وغنت اسمها: «نُوَى— نُوَى— وجدناك—». فتحت عينيها فجأة؛ كانت لا تزال عند الطاولة والمصباح مشتعل. يد الرجل في مكانها وأظافره ملتفة، لكن على الطاولة ضلع أبيض منحنٍ، كسره طري يرشح نوراً ضعيفاً. دفعه إليها: «ضلعك.»

لم يكن في صدرها جرح، لكنها أحست فراغاً صغيراً؛ فقدت عظمة. لمست الضلع فتفتت إلى مسحوق، طاف لحظة ثم صار حصاة صغيرة مستديرة ملساء كحجر لعبة. أخذتها؛ كانت باردة كأنها انتزعت لتوها من الأرض. قال مراقب العظام، وقد غطى صفيحة وجهه ثانية: «هذه أول عظمة من عظامك انتُشلت. وهناك أكثر: عظامك وعظام غيرك، القديمة والجديدة، كلها، لا تتركي عظمة.»

قبضت الحصاة، فآلمت راحة يدها بصلابتها وبرودتها. قامت؛ انكمشت الأيدي العظمية في الطاولة، ولم تعد تمسكها. مشت، وكل عظام القاع تنحّي لتفتح لها طريقاً. وكل خطوة أثقل من سابقتها، والحصاة في يدها أبرد حتى بدا بردها حارقاً.

طفَت جينغ وي إلى السطح حين أظلمت السماء. صعدت الشاطئ الرمادي المختلط بفتات المحار الأبيض، وركعت طويلاً، ثم دفنت الحصاة. وما إن دفنتها حتى نبتت؛ لا، أخرجت جذوراً بيضاء غرست نفسها في الرمل. تصلب الرمل وصار حجراً بحجم الكف، ثم توقف. حدقت نُوَى فيه فرأت شيئاً صغيراً أبيض يزحف داخله: عظمة إصبع رضيع، قدر حبة أرز، تكتب مساراً متعرجاً هو كلمة: «انتشلي.»

نطقتها، فتحطم الحجر إلى حصى لا يحصى، وفي كل حصاة شيء يتحرك، وكل حصاة عظمة. نظرت إلى البحر الهادئ الذي تلعق أمواجه الرمل برفق؛ تحت السطح أضاءت العظام القاع بنور أبيض بارد، نور ميت. لم يكن البحر ماءً، بل جهاز هضم حي يأكل الناس كل يوم ويلفظ العظام كل يوم. انحنت وجمعت الحصى واحدة واحدة، كوّمتها على الشاطئ: كومة صغيرة ثم كبيرة ثم تل ثم جبل لا يكف عن الارتفاع. كانت تعرف أن في القاع أكثر مما يعد، وأكثر مما يمكن جمعه إلى الأبد، لكنها تجمع؛ وإلا زحفت العظام إلى الشاطئ، إلى عالم الناس، إلى الغرفة التي عاشت فيها، إلى السرير الفارغ.

طلع النهار، وألقت الشمس البيضاء ظلاً طويلاً للجبل، وظل نُوَى أطول، لكنه لم يعد ظل إنسان. رفعت يدها فرآتها ظل طائر. «أهذه أنا؟ سأصير طائراً، جينغ وي.» كان الظل ذا جناحين عريضين وعنق نحيل واتحد بالحجارة. نظرت إلى يديها؛ قصرت الأصابع وضاقت الكف وتحوّل الجلد إلى ريش أزرق رمادي. فتحت فمها تريد النداء، فلم يخرج إلا زقزقة: «جينغ— وي—».

حلقت ابنة يان دي. «أنا أطير حقاً، لكن ما اسمي؟» ملأت ريح البحر الريش. «نُوَى— لا، جينغ وي. أنا جينغ وي.» تحتها البحر وفوقها السماء، معلقة بينهما. رأت عظمة طافية، انقضت وحملتها بمنقارها إلى الشاطئ، وضعتها على الكومة فصارت حصاة. طارت ثانية فعادت بعظمة ثانية، ثم ثالثة، ذهاباً وإياباً. «كم عظمة بعد؟ عشرة آلاف؟ مئة ألف؟ أم إلى الأبد؟» حطت تلهث ونظرت إلى البحر: «إلى الأبد؟ حسناً.»

مر زمن لا تعرفه، وصار جبل الحصى أعلى من الجرف. كل يوم تطفو عظام جديدة وتضاف حصى جديدة. بعضها منها وأكثرها ليس منها. حملت ضلعاً يماثل ضلعها انحناءً وطولاً وشكل كسره، وعلى داخله كتابة لا تستطيع قراءة منها إلا: «أنا—…». محا الماء باقي الحروف. وضعته على الجبل فتحول إلى حصاة، لكنه لم يلتصق؛ تدحرج إلى سفح الجبل. أعادته فتدحرج، ثم أعاده فتدحرج. في المرة الثالثة حملته إلى البحر ورماه. أحدث رذاذاً صغيراً، فسكن السطح ثم فقع بالفقاقيع واضطرب الماء، وعادت العظمة تطفو وتتجه إلى الشاطئ كأنها تطاردها. طارت فطارت خلفها، صعدت فصعدت العظمة، ابتعدت فتبعتها. حطت على الجبل فحطت بجانبها وتحولت بطقّة إلى الحصاة نفسها، تحدق فيها بلا عينين، تنتظر أن تحملها.

حملتها، لكن لم تضعها على الجبل؛ طارت بها بعيداً إلى البحر العميق. كان السطح مليئاً بعظام طافية وغارقة ونصف طافية، بعضها ما زال متعلقاً باللحم، عظام من غرقوا أمس، والسمك لم يفرغ منهم، لكنها تتوهج بالفعل.

رأت طفلاً في الثالثة أو الرابعة يطفو على وجهه، وفي ظهره ثقب تخرج منه عظام بيضاء حادة. كانت عظامه تزحف إلى الخارج واحدة واحدة، كدود يخرج من شرنقة. انقضت وأخذت ترقوة صغيرة رفيعة. تقاوم الترْقوة في منقارها لتقفز عائدة إلى البحر، فعضّت عليها بقوة وأعادتها إلى الكومة. صارت حصاة والتصقت ببقية الحصى فلم تعد تتحرك. بقي على منقارها دم الطفل الدافئ، فمسحته بالرمل وعادت إلى البحر.

كانت ملايين العظام وملايين الموتى، رجالاً ونساء وصغاراً وكباراً، ينتظرونها ويصيحون باسمها في الريح والموج وبين السماء والبحر: «جينغ— وي—». لم يعودوا يقولون «نُوَى». جينغ وي اسم الطائر؛ نُوَى غرقت، أكل السمك لحمها وبيّض الماء عظامها. صارت جينغ وي، طائر يملأ البحر وطائر ينتشل العظام، يحمل كل يوم ويضع كل يوم ويبني كل يوم؛ لكن البحر لا يمتلئ لأنه يأكل الناس كل يوم. غرق أمس ثلاثة عشر، واليوم سبعة، وسيغرق غداً وبعده، دائماً. كبر البحر وكبر الجبل، لكن البحر بقي أكبر.

كانت تحلق بالعظمة غير المستقرة في دوائر، تقفز في منقارها لتعود إلى البحر وإلى العظام الأخرى. لكنها لا ينبغي أن ترقد هناك؛ ينبغي انتشالها وتحويلها حجارة وجبالاً لتصد الماء، حتى لو لم تصده. لا بد من الصد والجمع والتكديس والطيران. عادت ليلاً، والجبل كجبل حقيقي. وضعت العظمة، فصارت حصاة بيضاء باردة وسط الحصى، ثم رأت الجبل يتحرك. كل الحصى تزحف ببطء نزولاً نحو البحر، تريد الرجوع إلى القاع. نشرت جناحيها حاجزاً. توقفت الحصى عند الريش ثم بدأت تصعد عليها: إلى مخالبها وساقيها وجناحيها وعنقها، تثقل أكثر فأكثر. لم تهتز ولم تطِر؛ وقفت حتى غطاها الحجر، وصارت جزءاً من الكومة والجبل والقبر. سمعت عظامها تتحطم في داخلها واحدة واحدة، ثم تزحف الشظايا خارج جلدها وريشها، حصى بيضاء تتراكم فوق الحصى.

صفر الحصى في الريح كناي وبكاء وألف طفل ينفخون صدفة بحر. وفي داخلها لم تعد تميز الحصاة من ذاتها: الحصى هي وهي الحصى؛ جينغ وي حصاة، نُوَى حصاة، والغرقى حصى. ومن لم يغرق سيصير حصاة يوماً. استمر الجبل في النمو حتى لمس الغيوم، واستمر البحر في المد؛ كلما زاد الجبل شبراً، علا البحر ذراعاً، دائماً أسرع وخلفه وفوقه.

انشق الفجر، وطفا عظم جديد. خرج طائر جينغ وي جديد من شق في الكومة، بريشه الأزرق الرمادي وجناحيه العريضين وعنقه النحيل؛ حمل عظمة لا تهدأ وطار إلى بحر الغد الذي لا يمتلئ أبداً. كان البحر ينتظره والعظام تنتظره. وكان الرجل بلا وجه لا يزال إلى طاولته في القاع، يخدش ظفره: خط طويل وخط قصير، يعد العظام بلا نهاية. جف الزيت، وانطفأ فتيل عظمة الإصبع، وغرق القاع في ظلام تام. ثم جاء الهمس: «نُوَى— جينغ وي— انتشلي العظام— إلى الأبد.» فعادت العظام تتحرك، عظمة عظمة، آلافاً وملايين، تزحف في القاع وتطفو، تنتظر الطائر كي يحولها إلى حصى وجبل، ثم يغمر البحر الجبل وينشق منه طائر جديد. البداية تعود ولا تنتهي. قالت في حلمها: «سأحملها. سأحمل كل العظام حتى لا يجد البحر عظمة يلفظها، حتى يصير القاع مستوياً كالرمل، حتى لا يغرق أحد، وتبقى قوارب الصيادين آمنة، وتضيء الشمس بحراً نظيفاً. سأحملها حتى ترقدوا جميعاً، فلا تضيئون ولا تنادون اسمي.»

صمتت العظام قليلاً ثم تكلمت معاً، لا سخرية في صوتها بل تنهيدة: «لن تحمليها كلها؛ لأنك لا تحملين عظاماً. أنت تحملين كلامنا الذي لم نقلْه. كل واحد منا مات وفي فمه نصف جملة: ما أراد أن يقول ولم يتمه، وما أراد أن يصرخ به ولم يتمه، وما أراد أن يسبه أو يحبه ولم يتمه. تحولت تلك الكلمات إلى عظام وغاصت في القاع. كلما حملت عظمة سمعت نصف جملة. حملتِ عشرة آلاف سنة وسمعتِ عشرة آلاف نصف جملة؛ كل جملة تحزنك أكثر، ولا تعرفين لمن كانت، بل تعرفين فقط أنها لم تكتمل قبل موته. حين تحملينها إلى الشاطئ وتكوّمينها جبلاً، تظنين أنك تملئين البحر، لكنك في الحقيقة تتمين عنهم جملتهم. ولن تتميها أبداً: كل يوم وكل لحظة يموت أحد، ومع كل موجة يغوص عظم، وكل نصف جملة يصير عظمة جديدة. منقارك وجناحاك وريشك وكل ما فيك يحمل نصف جملة لا ينتهي.»

توقفت نُوَى عن الطيران في حلمها وحطت على سطح البحر، الذي حملها كلوح زجاج. ركعت وقالت للقاع وللعظام ولأنصاف الجمل: «إذن سأحملها دائماً؛ حتى أصير أنا أيضاً نصف جملة، وحتى يصير نصف جملتي عظمة، حتى يحمل طائر جينغ وي التالي عظامي ونصف جملتي، ويحملها عني وعنكم وعن كل غريق وعن كل كلام لم يكتمل. إلى الأبد أحمل، وإلى الأبد أملأ.»

سكتت العظام وسكن البحر. استيقظ الحلم، لا استيقاظاً حقيقياً بل غرقاً في نوم أعمق. لا تعرف كم نامت، حتى سمعت صوتاً من خارج جبل الحصى، ومن البحر والسماء: «نُوَى— نُوَى—». لم تكن الحصى؛ بل صوت الرجل بلا وجه من القاع ينادي اسم نُوَى، ذلك الاسم البعيد كاسم حياة سابقة أو اسم شخص آخر. نُوَى غرقت وأكل السمك لحمها وابيضت عظامها؛ لم تعد موجودة، لكن النداء بقي.

اخترق الصوت البحر وشقوق الحصى وهمسها، ودخل أذنيها؛ لا، لم يعد لها أذنان، فالحصى غطتهما، ومع ذلك دخل رأسها وعظامها وترقوتها المكسورة. تحت طبقات الحصى تذكرت فجأة زمناً بعيداً، حين لم تكن جينغ وي بل نُوَى، وحين هبطت إلى القاع المظلم. كان في الظلام نور ضعيف كفتيل مصباح أو عظمة إصبع تحترق. طافت نحوه طويلاً، فرأت طاولة حجرية ورجلاً بلا وجه، أمامه عظام لا تحصى يعدها، ظفره يرسم خطاً طويلاً وخطاً قصيراً.

سألته: «من أنت؟ ما هذا المكان؟ كيف أعود؟» لم يرد وظل يعد. ثم توقف ظفره وقال بصوت من جوف الأرض: «تعودين؟ لن تعودي. أكل اللحم، وابيض العظم. أنت ميتة، والميت لا يعود.» قالت: «لم أمت. أتذكر اسمي: نُوَى. أبي يان دي. خرجت أنظر إلى البحر وسقطت فيه؛ أريد أن أرجع، أبي ينتظرني.»

قال بعد صمت طويل: «نُوَى اسمك، لكن الاسم لا يهم، والجسد لا يهم. المهم العظم: هو الأخير، هو الأصدق، ولا يكذب. المسِي صدرك؛ هل فيه نبض؟» لمست صدرها، فلم تجد شيئاً، فراغاً لا نبض فيه. لمست وجهها؛ كان موجوداً لكنه بارد كالحجر. خافت: «أحقاً متّ؟ أحقاً لا أعود؟ ماذا أفعل؟ أبقى هنا دائماً، في هذا السواد وهذا البرد؟»

قال: «لا يلزم أن تبقي هنا. تستطيعين العودة، لكن العائد ليس نُوَى، بل شخص آخر: طائر. طائر يملأ البحر وينتشل العظام، اسمه جينغ وي. كل يوم يحمل عظام البحر إلى الشاطئ، يكوّمها جبلاً ويريد أن يسوّي البحر، لكنه لا يسوى؛ لأن البحر يأكل الناس كل يوم والعظام تطفو أكثر. لن ينتهي أبداً.» قالت: «ألا أستطيع ألا أكون جينغ وي؟ ألا أكون طائراً أو أملأ البحر؟ أريد العودة إلى البيت، إلى نُوَى.»

— لا. نُوَى ماتت، والميت لا يبعث. لكنك تعيشين في جسد جينغ وي. مع كل عظم تحملينه تتذكرين شيئاً، ومع كل حصاة تكومينها تنسين شيئاً. في النهاية تنسين أنك نُوَى، ولا تتذكرين إلا جينغ وي؛ ثم تنسين سبب ملء البحر، فلا تذكرين إلا وجوبه؛ ثم تنسين حتى ملء البحر، فلا تفعلين إلا حمل العظام وتكديس الحصى. تصيرين طائراً حقيقياً: لا تفكرين ولا تتذكرين، فقط تطيرين وتحملين وتكدسين، إلى الأبد.

بكت ابنة يان دي في بحر الظلام؛ اختلطت دموعها بالماء. قالت: «لا أريد أن أنسى أبي ولا بيتي ولا اسمي. أنا نُوَى، أنا نُوَى، أنا نُوَى.» ومع الصراخ صار صوتها نداء طائر: «جينغ— وي—». وتغير جسدها: الذراعان جناحان، والساقان مخلبان، والفم منقار، ونما الريش الأزرق الرمادي. صارت طائراً، جينغ وي. تراجع الماء فطفَت إلى السطح؛ السماء والبحر رماديان، والعظام الكثيرة تطفو وتناديها: «جينغ— وي—».

فبدأت تحمل العظام، وتعود بها إلى الشاطئ لتصير حصى وجبالاً، يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة لا تعرف كم. صارت جزءاً من الكومة، وفي الكومة رأت هذا الحلم: الرجل بلا وجه، ولحظة تحولها، واسمها القديم. والآن استيقظت داخل الحصى، لا استيقاظاً حقيقياً، بل يقظة في حلم داخل حلم، في طبقات حلم. سألتها الحصى: «ما الاسم الذي تقولينه؟ من نُوَى؟ أهو اسمك؟ ألستِ جينغ وي، ألستِ طائراً؟ الطائر لا اسم له، له نداء فقط. جينغ وي، جينغ وي، هذا اسمك وهذا صوتك. انسَي نُوَى؛ نُوَى ماتت وغرقت، وأنت لا تعرفينها. أنت جينغ وي، طائر يملأ البحر وينتشل العظام، يطير ويحمل ويكوّم إلى الأبد.»

أحاطتها أصوات الحصى كالماء. أرادت أن تجادل وتقول إنها تتذكر نُوَى وأنها نُوَى التي تحولت، لكن ما خرج من فمها كان: «جينغ— وي—». رضيت الحصى وسكتت. أغمضت عينيها تنتظر الفجر؛ فإذا جاء انشقت، وإذا انشقت طارت، وإذا طارت حملت، وإذا حملت كوّمت، وإذا كوّمت دُفنت، وإذا دُفنت حلمت، وإذا حلمت استيقظت، ثم انشقت ثانية: دائرة بلا نهاية.

لكن ذلك الليل طال حتى رأت أحلاماً لا تحصى، ونسيت من هي، ونسيت أنها في الحصى. لم تشعر إلا بالثقل: حجارة تضغط، وعظام تنكسر، ودم يسيل حتى ينفد، ونخاع يؤكل؛ صارت قشرة فارغة، طائراً فارغاً ملأته الحصى. صارت القشرة أيضاً حصاة والتحمت بالجبل، فلا يُفرَّق بعضها من بعض. قالت الحصى بفرح: «صارت منا. أخيراً صرنا سواء: حصى وعظام وموتى. لن نعود أبداً، أبداً.»

وأخيراً أضاء الأفق، خط رفيع كبياض بطن السمك، ثم تسرب البرتقالي منه كالدم من الجرح. أضاءت كل حصاة في الجبل، وتوهجت حوافها. شعرت جينغ وي بالنور؛ كان دافئاً، لكنها لم تعد تعرف الدفء. انتقلت حرارة الحصى إليها، لطيفة كيد أبيها على جبينها حين يقول: «لا حمى بك، إنما أطلتِ الوقوف في الشمس.» وكانت نُوَى تقول: «لم أقف في الشمس، كنت أنظر إلى البحر.» فيقول: «ما الجميل في البحر؟» فتجيب: «إنه كبير.» يقول: «والجبل كبير أيضاً.» فتقول: «لكن البحر ينادي الناس أن ينزلوا إليه.» لم يفهم أبوها ولم تشرح. الآن فهمت؛ البحر ينادي، وقد نزلت حقاً.

حين اشتد النهار، حلق سرب طيور بحر فوق الكومة، ورأى بينها ريشة زرقاء رمادية لجينغ وي لا تزال ظاهرة. حط طائر صغير ونقرها فاهتزت، نقرها ثانية فلم يصدر شيء. قال طائر أكبر: «لا تنقرها. هذه جينغ وي الميتة، جينغ وي التي تملأ البحر.» سأله الصغير: «لماذا تملؤه؟» فكر الكبير: «في البدء كان حقداً، ثم عجزاً عن النسيان، ثم عادة؛ وفي النهاية لا شيء. تريد الملء فقط، كما يريد الحي الطعام، والميت أن يُذكر، والبحر أن يأكل الناس. لا يحتاج إلى سبب.»

سكت الطائر الصغير، ونظر إلى الريشة ترتعش في الصباح كأنها ما زالت تطير. طلعت الشمس كاملة؛ بياضها طبيعي، لا بياض جينغ وي، أبيض يبهر العين. وبين شقوق الكومة نبت عشب رفيع أصفر الخضرة، تميل به الريح. غرست جذوره في شقوق الحجر والعظم وفي ترقوة جينغ وي. شعرت بها خفيفة، كشيء ينمو؛ ليست هي، بل حياة أخرى تستعمل عظامها المكسورة تربة. قالت في قلبها: «لا بأس. لن أملأ البحر، لكن يمكن أن تنبت عشبة. العشب أخف من العظام، وذلك جيد.»

قد تصير جذراً لعشبة، أو سماداً لزهرة، أو غصناً في عش طائر، أو حبة رمل في ريح البحر، أو حصاة تحت قدم إنسان لا تؤلمه. ظل البحر يمد ويجزر؛ في المد يغمر طرف الكومة، وفي الجزر يكشف عظاماً جديدة لفظها أمس، بيضاء سليمة عليها طحالب. لم تستطع جينغ وي أن تنهض لتحملها. لكن البحر نفسه يملأ نفسه؛ يدفع إلى الشاطئ الرمل والمحار وقناديل البحر الميتة، طبقة بعد طبقة، يوماً بعد يوم، ألف سنة وعشرة آلاف. يملأ نفسه بما قتله. طفا عظم ميت جديد وانحشر في الكومة، مختلطاً بحصى جينغ وي وترقوة نُوَى؛ ولم يعد أحد يعرف أيها لأي أحد.

ومنذ ذلك الحين يرى صيادو بحر الشرق أحياناً، قبيل الفجر، طائراً صغيراً أزرق رمادياً يخرج من شقوق جبل الحصى. ليس طائراً يخرج حقاً، بل نور يتسرب من الشقوق فيتكتل على هيئة طائر، يطوف بالجبل ثلاث مرات ثم يتبدد نقاط ضوء تقع على سطح البحر. يقول الصيادون: إنها جينغ وي، لا الطائر المتحول، بل نُوَى الأصلية؛ تخرج قبل أن يستيقظ البحر لتنظر نظرة واحدة، ثم تعود تنتظر يوم يستوي فيه البحر ولا تعود جينغ وي لازمة. ذلك اليوم بعيد، لكن النور يعرف ولا يستعجل. ما زال البحر يملأ نفسه، وجينغ وي تنتظر. وبين الانتظار والملء ماء لا يرى آخره، لكنه يتغير: في عشرة آلاف سنة لا ينخفض سطحه، غير أن قاعه يرتفع شبراً، لا برفع الجبل بل برفع الزمن.

لا تعرف نُوَى ذلك. تعرف فقط أن النور يخرج قبل أن يستيقظ البحر، نوراً متكتلاً كطائر، أزرق رمادياً لا في الحقيقة بل في ذاكرة ثوبها الأزرق المخضر وقد بهت لونه. ليست فيه كلها، بل شيء منها: الشمس البيضاء الأخيرة التي رأتها قبل السقوط، قطرة دمها حين شقت المحارات إصبعها، والخفقة في قلبها وهي تسمع صوت القاع. يقول الصيادون إن جينغ وي لن تستيقظ ثانية وإن الجبل لن يكبر، لكن البحر يملأ نفسه بالرمل والعظام والنور؛ وجزء النور أخف الأجزاء وأثقلها، لأنه نُوَى الأولى التي تخرج لتنظر مرة ثم تعود إلى الانتظار. اليوم بعيد، والنور يعرف؛ لا يستعجل أبداً.

أشرق النهار حقاً. طلعت الشمس البيضاء من البحر كما في ذلك اليوم، وكما قبل عشرة آلاف سنة. لكن سطح البحر هذه المرة بلا موج، مستوٍ كلوح حديد. لا أحد يعرف ما تحته، لكن جينغ وي تعرف والبحر يعرف؛ اتفقا أن ينتظرا يوم يستوي فيه البحر. خرجت نُوَى من النور، وخرجت جينغ وي من شق الصخر، ووقفتا معاً على أرض وليدة. لم تقولا ملءً ولا موتاً، بل قالت إحداهما: «ما زلتِ هنا.» وقالت الأخرى: «وأنتِ أيضاً.»

مد البحر مرة وجزر مرة. جرف الموج بعض حصى الجبل، وأعاد بعضه، فزادت حصاة ونقصت أخرى. لم يعد ذلك مهماً. المهم أن الموج ما زال يأتي، وأن الحصى ما زال، وأن جينغ وي في موضع لا يُرى؛ لا لأنه غير مرئي، بل لأنه من ذلك الوجود الذي تعرفه من غير أن تراه.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.