كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم
الفصل السابق

41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم

ما وراء الليل

الفصل التالي

كان السور العظيم أول ما سمع وان شي ليانغ هاتين الكلمتين وهو يعزق الأعشاب في الحقل. كان ذلك عند نهر ليشوي في آذار؛ ذبل زهر الخوخ لتوّه، وتفتّح زهر الكمثرى، أبيضَ ممتداً على مدّ البصر. هبّت الريح، فسقطت البتلات على ليشوي وراحت تنجرف مع الماء، إلى موضع لا تبلغه عين وان شي ليانغ.

وقف شيخ القرية على حافة الحقل، وفي يده لفافة من الخيزران بلون أخضر مزرق، وصلت لتوّها من ديوان الولاية وما زالت عليها فتاتات طين الختم. كان في الثانية والستين، أمضى ثلاثين سنة شيخاً لقرية ليشوي؛ ابيضّ شعره وانحنى ظهره. وقد تلا في عمره لفائف لا تُحصى.

لفائف تطلب الغلال، وتفرض الضرائب، وتجند الرجال. وكلما قرأ واحدة بكى أحد. ولم تختلف هذه المرة. تنحنح الشيخ، وكان صوته يابساً كأن شيئاً عالقاً في حلقه.

— وان شي ليانغ—!

استقام وان شي ليانغ، وغرس معزقته في الأرض. أمسك بمقبضها، والعرق يسيل من جبهته فوق حاجبيه وحافتي عينيه، ولم يمسحه.

— أمر إمبراطور تشين: يُبنى السور العظيم لصدّ غزاة الشمال. وكل من بلغ الخامسة عشرة ولم يجاوز الخمسين يُساق إلى السُّخرة.

فرغ الشيخ من القراءة، وارتجفت اللفافة قليلاً بين يديه. لم تكن الريح؛ بل يداه هما اللتان ترتجفان. نظر إلى وان شي ليانغ، وفي عينيه شيء لا اسم له: ذنب، أو عجز، أو شيء آخر لم يفهمه وان شي ليانغ. قبض الرجل قبضته حتى صرّت عظام أصابعه في راحته. حدق في اللفافة الخضراء، بلون شتلات الربيع نفسها. لكن الشتلات تعني النماء، واللفافة تعني—الموت.

كان وان شي ليانغ في الخامسة والعشرين، صلب البدن عريض الكتفين غليظ الظهر، يحمل وحده مكيالين كبيرين من الحبوب عشرة أميال من غير انقطاع نفس. صبغت الشمس وجهه بلون البرونز، وكانت أخماص يديه أغلظ من القطع النقدية، ومفاصله غليظة، وتحت أظفاره طين أسود لا يزول بالغسل. لم يكن يعرف القراءة، لكنه كان يعرف حقله.

يعرف كل كتلة تراب فيه، وما يزرع عند الاعتدال الربيعي وما يحصد عند الاعتدال الخريفي. ويعرف—عيني مِنغ جيانغ نو. لم يمض على دخوله بها ثلاثة أيام. قبل ثلاثة أيام كان أعزباً عند ليشوي، يعيش في غرفتين من طين مجفف، سقفهما من القش.

نما الطحلب في زاوية الجدار، ولم يكن على الموقد إلا قدر واحد ووعاءان وثلاثة أزواج من عيدان الطعام. ينام وحده على سرير من ألواح، يغفو على خرير ليشوي ويصحو على صياح الديك. كانت أيامه كالنهر: لا تموّج فيها، ولا انتظار، ولا تبدل.

إلى أن جاء ذلك اليوم. وكان زواجه من مِنغ جيانغ نو مصادفة غريبة. فقد صاد أبوه وأبوها السمك معاً في ليشوي وهما شابان. وفي فيضان ذات مرة سقط أبو وان شي ليانغ في الماء؛ كان التيار عاتياً والموج عالياً، وكاد يجرفه.

قفز أبو مِنغ جيانغ نو، وأمسك طوق ثوبه بين الموج، وجرّه إلى الشاطئ بكل ما فيه. وكاد الاثنان ألا ينجوا. وبعد أن صعدا، تمددا على الرمل وهما مغطّيان بالطين يلهثان. قال أبوها: «أنقذت لك حياة.» فقال أبو وان شي ليانغ: «وأنا مدين لك بحياة.»

ضحك أبوها: «فلتردّ إليّ حياة في المستقبل—ليتزوج ابنك ابنتي.» وضحك أبو وان شي ليانغ. كانت مِنغ جيانغ نو يومها في الثالثة، ووان شي ليانغ في الخامسة، ولم يعرف أي منهما أن مزحة قالها أبواهما عند ليشوي ستصير، بعد عشرين سنة، زواجاً، وثلاثة أيام بين زوجين، وانتظار عمر كامل.

حين رفع الغطاء الأحمر عن وجهها رأى وجهاً ليس الأجمل. نساء ليشوي كلهن يزرعن الأرض وينسجن ويغسلن الثياب عند النهر، فلا تكون بشرتُهن بيضاء ناعمة بعد الريح والشمس. لكن عينيها—لم ينسهما وان شي ليانغ ما عاش. كانتا سوداويْن لامعتين، تلمعان كدوامة في أعمق موضع من ليشوي؛ من نظر إليهما انجذب إلى داخلهما، فلا يخرج ولا يريد أن يخرج.

رفعت مِنغ جيانغ نو رأسها إليه. لم تكن تلك أول مرة يلتقيان؛ نشآ في قرية واحدة، والتقطا السمك معاً في ليشوي وطاردَا الجراد على حواف الحقول. لكن الأمر هذه المرة لم يكن نفسه. هذه المرة كانت زوجته، وكانت بيته.

قالت بصوت خفيض: «ما بك متوتراً؟ يدك ترتجف.»

خفض وان شي ليانغ بصره. كانت يده اليمنى ترتجف حقاً. حاول أن يوقفها فلم يستطع. لم يكن خوفاً، بل لأنه أحس أن حياته قد أصبحت جديرة بأن تُعاش. أطفأ الشمعة الحمراء، لا لأنها أزعجته، بل لأنه أراد أن يسمع ليشوي. كان خرير الماء يتسرب من شق النافذة، رخياً ناعماً، كيد تربت برفق أسفل جدار البيت الطيني.

استدارت مِنغ جيانغ نو. لم ير وجهه في الظلمة، لكنها شعرت أنه ينظر إليها.

— إلى ماذا تنظر؟

— إلى عينيك.

— هما سوداوان. أترى السواد؟

— أراه.

— وبماذا ترى؟

لم يجبها في الحال. مد يده، لا ليلمس وجهها، بل وضع كفه على كفها.

— بيدي، قال. يدك تنبض.

— وعلى إيقاع نبض قلبي.

لم تقل شيئاً، لكنها شبكت أصابعها في أصابعه. التف إصبعا البنصر معاً، وتعقد طرف الخيط الأحمر في الظلام. وظل ليشوي يجري؛ الصوت نفسه الذي سمعه طوال حياته، لكنه ذاق فيه، للمرة الأولى تلك الليلة، حلاوة.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.