كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم — الفصل 2
الفصل السابق

41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

في فجر اليوم الأول من الزواج استيقظت مِنغ جيانغ نو قبل الضوء. ظل وان شي ليانغ نائماً، شخيره الخافت كخرخرة قط، فلم توقظه. أوقدت النار وغسلت القدر ثلاث مرات وغسلت الأرز وأضافت الماء، لكنها أكثرت منه فصار الأرز عصيدة. دقّت الأرض بقدمها من الغيظ. استيقظ زوجها وجاء حافياً إلى الموقد، نظر في القدر وقال: «العصيدة طيبة؛ لا تحتاج إلى مضغ، فتوفّر القوة.» رمقته بعينين غاضبتين: «أتسخر مني؟» هز رأسه: «أبداً. كنت أحرق الطعام حتى يصير فحماً حين أطهو وحدي. هذه أفضل وجبة أكلتها.» أرادت أن تبتسم واستحت، ثم ابتسمت أخيراً.

وفي اليوم الثاني أخذها إلى أرضه: ثلاثة مو من حقول الأرز عند ليشوي، يسهل ريها وتعطي كل سنة اثني عشر مكيالاً كبيراً من الحبوب. خلعت حذاءها وخاضت الوحل حافية؛ كان ليّناً، يملأ ما بين أصابعها. سألها: «أبارد؟» قالت: «بارد، لكنه مريح.» وانحنت تحرك الشتلات بيدها، فارتجفت عند أصابعها كأنها تعرفها.

— أهذه الأرض مما تركه أبوك؟

— تركها لي، وأنا أتركها لك.

— وأنت؟

— أنا؟ أنا من يزرعها لك.

ضحكت، ثم سكتت فجأة، ونظرت إلى الحقول الثلاثة وإلى الصفصاف الأعوج عندها وليشوي يلمع بعيداً. وقالت: «حين نهرم نبني كوخاً عند الحقل؛ نظل فيه صيفاً للظل وشتاءً للشمس، ولا نذهب إلى مكان.» قال: «حسناً، لا نذهب إلى مكان.» لم يعرفا أن ذلك الكوخ لن يُبنى قط، وأن كلمة «حسناً» تلك، حين قالاها بصدق، كانت أكبر من السماء وأثقل من الأرض وأطول من ليشوي.

بعثرت الريح شعرها فلم تصلحه. قالت وعيناها تلمعان: «سنزرع محصولين كل عام: قمحاً في الربيع وأرزاً في الخريف. نبيع الفائض بثوب، وأصنع لك ثوبين جديدين.» قال: «لا أريد ثوباً جديداً؛ اصنعيهما لك.» قالت: «أنا أنسج، فلا كلفة.» قال: «والنسج يتعب العينين، وعيناك جميلتان، لا تفسديهما.» التفتت: «ما الجميل في عيني؟» قال: «أنهما تريانني.» فاحمر وجهها إلى أذنيها.

وفي صباح اليوم الثالث كانت تعد الفطور وهو يحمل معزقته إلى الحقل. بلغ الباب ثم التفت؛ كانت ظهرها إليه، والمغرفة بيدها، ومئزرها من خيط كتان خشن نسجته بنفسها. ومع ذلك بدت جميلة. وقف على العتبة، نصفه في البيت ونصفه خارجه، والشمس تقسمه إلى زوج وسُخريّ، وقال: «ماذا تعنين بقولك: عُد مبكراً؟»

لم تلتفت أولاً: «وما معنى سؤالك؟» قال: «قلتها أمس.» استدارت والمغرفة في يدها: «أي عُد حين تصير الشمس فوق الرأس، لا تنتظر الظلام؛ فالطريق سيئ في الليل.» قال: «حسناً، أعود عند الظهر.» وخرج. لم يعرف أنها آخر مرة يسمع منها: «عُد مبكراً»، ولم يعرف أن الشمس حين بلغت كبد السماء ذلك اليوم لم يعد.

لم يكن لا يريد العودة، لكن شيخ القرية وقف على حافة الحقل. ركضت مِنغ جيانغ نو من البيت حافية، وغاصت أصابعها في طين آذار البارد، ولم تعبأ. وقفت أمام الشيخ، لا راكعة: أمامه، وأمام لفافة الخيزران، وأمام كلمة «تشين». لم يجرؤ على النظر في عينيها، ولف اللفافة ببطء كأنه يفر، ثم مسّ كتفه كتفها حين انصرف.

شعرت أن جسده يرتعش، لا من الشيخوخة بل من الخوف، من معرفة أنه يفعل ما لا ينبغي ولا يملك إلا أن يفعله. بقيت آثار أقدامه الطينية على الحافة، وفوقها قطرة؛ لم تكن ماء الحقل، بل دمعة الشيخ. غرس وان شي ليانغ معزقته؛ كان مقبضها دافئاً لأنه أمسكه طوال الصباح. مد يده نحو خدها، فتوقفت على مسافة إصبع من جلدها. لكن ذلك الإصبع كان عشرة آلاف ميل.

قال برقة كضباب ليشوي: «انتظريني.» رفعت عينيها إلى عينيه البرونزيتين اللتين أحرقتْهما شمس السنين، فرأت صورتها وطبقة لم تفهمها. عرفت لاحقاً أن اسمها الوداع. قالت: «سأنتظرك.» ثلاث كلمات بذلت فيها قوة عمر. ظل مقبض المغرفة دافئاً في يدها، لكن يدها أخذت تبرد.

رأت ظهره يصغر حتى اختلط بظل شجرة السَّفَساف، وفتحت فمها لتناديه، لكن حلقها كأنه حُشي بقطن منقوع فلم يخرج صوت. ركضت خطوتين، لا لتلحق به بل لتنظر إليه مرة أخرى. انعطف فاختفى خلف الشجرة. أفلتت المغرفة، ارتطمت بالطين وارتدت ثم سكنت. لم تلتقطها؛ قرفصت ودفنت وجهها في ركبتيها. ظل ليشوي يجري: رنّة بعد رنّة. كان جميلاً من قبل، وصار الآن ضجيجاً يهز قلبها. وبعد زمن طويل، حين مالت الشمس غرباً، التقطت المغرفة ونفضت عنها التراب وعادت. كانت نار الموقد قد انطفأت وحدها، والطعام في القدر برد. حملت منه وعاء وجلست على العتبة تأكل لقمة لقمة؛ الطعام بارد والدمع ساخن، وامتزجا بملوحة مُرّة.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.