كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم — الفصل 3
الفصل السابق

41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

مشى وان شي ليانغ في صف طويل يمتد من مدخل ليشوي إلى ما وراء الجبال. حمل كل رجل صرة فيها ثوبان وقوت ثلاثة أيام وحذاء قش، وربطوا في كاحل كل واحد حبلاً من ليف؛ كل عشرة في حبل، فلا يهرب أحد. إذا سقط رجل جرّه التسعة، حتى يعجزوا، فيفك المراقب الحبل ويلقيه عند الطريق. كان على الجانبين كثيرون تُركوا هناك؛ بعضهم يلهث، شفتاه متشققتان كالأرض القاحلة، يمد يده إلى الهواء ولا يمسك شيئاً، ثم تهوي يده ولا تتحرك.

نظر وان شي ليانغ وراءه فرأى ليشوي نقطة رمادية ومِنغ جيانغ نو عند الباب نقطة أخرى. بين النقطتين طريق يطول. لم يعرف هل بكت، ولم يجرؤ على النظر ثانية؛ خاف أن تستدير قدماه إلى غرفتي الطين والموقد وصورة زوجته في مئزر الكتان. لم يخف السور ولا السوط ولا الحجر الذي يكسر العظم؛ خاف ألا يراها مرة أخرى.

سار ثلاثة وعشرين يوماً، يحدق في قفا الرجل أمامه. فقاعات في القدمين ثم فقاعات جديدة ثم أخمص صار كالسَّمْت. قبل الفجر توقظه السياط، ثم لقمة خبز ممزوج بالرمل ونصف مغرفة ماء أصفر، ومسير من الشروق إلى الغروب وتحت القمر حتى يسقط أحد ويقول المراقب: قفوا. فينامون على الأرض، رؤوسهم على صررهم، بلا أحلام. حفظ الأيام لأن تشابهها كان يجعلها، إن لم يميّزها، ثقباً رمادياً لا نهاية له.

في اليوم الأول ثلاث فقاعات. وفي الثالث تقشر الجرب وانكشف اللحم الطري. وفي السابع اجتاز جبلاً أصلع لا شجر فيه، ومن قمته لم ير إلا جبالاً أخرى كمتاهة لا مخرج منها. وفي الرابع عشر خاض نهراً يبلغ خصره، ماؤه يجمّد العظم؛ لم تستقر أقدامهم، وحين صعدوا لم يحسوا بساقيهم حتى فركوهما بالعشب وعاد الدم كالإبر. وفي الحادي والعشرين ظهر خط أسود عند الأفق. قال من أمامه: «ذلك هو السور العظيم.»

لم ينم وان شي ليانغ تلك الليلة. جلس قرب نار صغيرة من أغصان يابسة تنهار سريعاً؛ تطير شراراتها كاليراعات، إلا أن اليراعات حية والشرر ميت. سأل رجل: «كيف يكون السور؟» لم يجب أحد، فلم يره أحد. قالوا إنه عالٍ حتى يصد سهام غزاة الشمال، صلب حتى لا تهدمه المدافع، طويل حتى يمضي المرء عمره ولا يبلغ آخره. ألقى وان شي ليانغ غصناً في النار وقال بصوت حجبه فرقعة الحطب: «لا أريد إلا أن أعرف: هل في جداره نافذة تتجه جنوباً؟» فالجنوب هو ليشوي. لم يجب أحد؛ فالسور ليس لسكن الناس، بل للسهام والحجارة وعظام الموتى.

في اليوم الثاني والعشرين اقترب الخط؛ لم يكن أسود بل رمادياً مخضراً كوجه ميت. وفي الثالث والعشرين صار السور. لم يكن من آجر أزرق منتظم كما تخيله، بل جسداً هائلاً يزحف: مئات الآلاف يحملون الحجارة ويدكون التراب ويرصّون الآجر، فتتحرك الأجساد على سطحه كأن السور نفسه يتلوى.

أُرسل وان شي ليانغ إلى القطاع الثالث، عند جرف يسمّى جرف كسر القلب. من قمته لا يُرى القاع، بل سحب تتقلب في منتصف الجبل؛ ومن سقط لم يعد قط. كان عمله حمل الغرانيت الحاد المقطوع من الجبل، وزن الحجر مئتان أو ثلاثمائة جين، يحمله رجلان بعصا وحبال خشنه من المحجر إلى القمة، رحلة تستغرق ساعتين. في يومه الأول حمل إحدى عشرة مرة. في المرة الحادية عشرة ارتجفت ساقاه، ونبضت عضلات بطن الساق كوتر يعزف، فعض أسنانه حتى نمت دماء مالحة في لثته وسالت إلى الحجر الذي على كتفه، وتركت فيه بقعة حمراء غسلها العرق سريعاً.

كان المراقب تشاو في الثلاثين، لحم وجهه عريض وعيناه صغيرتان لامعتان كمسمارين، ومعه سوط من جلد ثور منقوع بزيت التونغ يشق الظهر. وقف على صخرة عالية يرقب السُّخريين كنسر ينتظر من تلين قدماه. رأى وان شي ليانغ جلداً وقع على غيره: فتى من القرية المجاورة اسمه آمو، لم يبلغ العشرين، زلّت قدمه على حصاة مفكوكة، فاندفعت الصخرة التي يحملها وسحقت قدم رفيقه؛ خرج العظم الأبيض من الجلد والدم أحمر حوله. ركع آمو يخبط جبهته في الأرض، لكن تشاو لم ينظر إلى الدم ولا القدم، بل إلى زاوية من الحجر انكسرت: «الحجر لا ينبغي أن تكون فيه فجوة؛ إن بُني به الجدار مال.» عدّ ثلاثة ثم جلد ثلاثاً: شقّ الأولى ظهره، والثانية لفّت عنقه وضربت أذنه، والثالثة مرت قرب عينه فانفجرت مقلتها. لم يمت آمو، لكن عينه لم تنفتح بعدها.

في الليل نام وان شي ليانغ في كوخ أغصان وقش مفتوح من جوانبه، قشه مبتل بمطر الأمس. مطر الشمال جليد، خلاف مطر ليشوي الدافئ، وقطراته عبر الشقوق على وجهه؛ لم يمسحها. اختلط عرقه بماء القش فكان كالغارق في ماء بارد. أغمض عينيه فرأى مِنغ جيانغ نو قرب الموقد، تحمل وعاء الأرز المحروق ووجهها مخطّط بسخام من أرنبته إلى أذنها، وفي عينيها خوف صغير من أن يكره طعامها. قال في ذاكرته: «العصيدة طيبة، لا تحتاج إلى مضغ.» حدّجته، لكن ابتسامتها بدأت. «هذا أفضل طعام أكلت»، فقال. اختفى خوفها وتحول إلى ضوء لم يره في عينيها من قبل؛ لا ضوء شمس ولا قمر ولا مصباح، بل ضوء السعادة.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.