انتظرت مِنغ جيانغ نو ثلاثة أشهر. لم تنتظر جالسة، بل واقفة عند مدخل القرية تنظر في جهة رحيله، وساهرة في الليل تسمع ليشوي، وجالسة عند النول من أول الضوء إلى المصباح ومن الظلام إلى الفجر. في الشهر الأول كانت تذهب قبل الشروق إلى شجرة السَّفَساف العتيقة عند المدخل، ذات الجذع الذي لا يطوقه ثلاثة رجال وتاج الظل الواسع، وتنظر إلى الطريق الصاعد شمالاً: جبل ثم جبل ثم جبل. لم تر نهايته، لكنها عرفت أن وان شي ليانغ في جهته، وأن لتلك الجهة اسماً: السور العظيم.
وفي الشهر الثاني أخذت تنسج، لا لأنها كفت عن الانتظار، بل لأنها لم تستطع أن تجلس؛ إذ يمتلئ رأسها بظهره يحمل المعزقة، وبابتسامته الغبية حين قال إن العصيدة طيبة، وبالنظرة التي أخفى فيها كلاماً لم يقله. دفعت المكوك أسرع من اللازم فانقطع الخيط، تصلحه فينقطع، تنسج ثوباً وتفكه، ثم تنسج غيره وتفكه. كان القماش جيداً، لكنها لم تكن تنسج قماشاً، بل الوقت: لعل وان شي ليانغ يعود حين تمتلئ الغرفة بالأثواب.
وفي الشهر الثالث عاد شخص من السور، لا حياً بل رماداً في أنبوب خيزران منقوش عليه اسم. ذهبت إلى العجوز لي، وكان طباخاً هناك ثلاثة أشهر بعد أن عجز عن الحجارة والدكّ؛ طبخ لآلاف حتى امتلأت يداه بثور الحرق، ثم صار يرتعش فلا يمسك مغرفة. عاد فجلس على عتبة بيته يحمل وعاء ماء عكراً وينظر إليه من غير أن يشرب، كأنه نسي كيف يشرب. وقفت أمامه وشفتاها بيضاوان من انحسار الدم.
— هل رأيت وان شي ليانغ من ليشوي؟
رفع رأسه ونظر إليها زمناً أطول من نظره إلى الماء، حتى خُيّل إليها أن عمرها كله مرّ في تلك النظرة. كانت عيناه رماديتين كحصى ليشوي الذي صقله الماء حتى محا لونه. قال أخيراً: «رجال ليشوي في القطاع الثالث، أعلى الجرف، جرف كسر القلب. ثمانية من كل عشرة يسقطون منه. يتحطمون في حصى القاع؛ ينكسر العظم ويفسد اللحم فلا يميّز المرء إن كان ما يراه إنساناً أم حجراً.» ثم قال، وهو ينظر إلى صورته في الماء، إن الموتى الذين أنزلوهم كانت وجوههم مغطاة بغبار الجير والتراب والدم، ولم يبق أبيض فيها إلا الأسنان التي كشفها انكماش الشفاه. لم تبكِ.
عادت إلى البيت، وكان أقل من ميل لكنه بدا عمراً. مرّت بحقولهم؛ بلغ الأرز نصف قدم، أخضر يموج في الريح كأن أحداً يمشط شعره فيه. لم تنم تلك الليلة. نسجت في ضوء مصباح زيت الفول، والمكوك في يدها سمكة، حتى الفجر. فخرج قماش أبيض طوله ذراع وقليل، يكفي ثوب حداد. لم تعرف أميت وان شي ليانغ أم حيّ، لكنها عرفت أنها إن كان ميتاً ألبسته الحداد، وإن كان حياً أحرقت الثوب وما معه من قلق وكوابيس وانتظار، وتركت ليشوي يجرف الرماد.
خرجت قبل أن يكتمل الفجر، والصرة على ظهرها تثنيها، لا لثقلها بل لما فيها من انتظار وعمر وقلب مكسور ما زال ينبض: ثوب الحداد، عشرة أقراص حنطة سوداء، حذاء قماشي، قِربة من ليشوي، وحزامه الأحمر الذي لبسه يوم الزواج، مطوياً بعناية في القاع.
في اليوم الخامس لقيت مطراً ليس مطر ليشوي الدافئ، بل مطراً بارداً كالإبر يدخل العظم. لم يكن معها معطف مطر؛ انتفخت الأقراص وتشقت، فوضعتها على صخرة لتجف، لكن المطر لم ينقطع حتى انقسمت ثلاثة قطع. التقطتها كلها: الخبز المكسور يؤكل، أما القلب المكسور فلا تعلم. وفي اليوم الثامن عشر مرت بقرية مهجورة، أبوابها مفتوحة وقدر فيها نصف عصيدة فاسدة غطاها العفن، ورماد الموقد بارد منذ عشرة أيام على الأقل. عند المدخل لوح لم تقرأ حروفه، لكنها فهمت السهم المتجه شمالاً والرجل المرسوم ساقطاً: رجال القرية كلهم ذهبوا شمالاً ولم يعودوا. قوّمت اللوح الذي تحركه الريح كعجوز يسعل، ومضت.
ثلاثون يوماً قطعت فيها سبعة أنهار وتسعة جبال وثلاث براري. في اليوم الأول فقاعات لم توقفها؛ وفي الثالث فتحتها بإبرة، أخرجت القيح وربطتها بخرقة. في السابع زحفت على بطنها فوق جبل عارٍ يوشك أن تطيّرها ريحه. وفي الرابع عشر خاضت نهراً إلى خصرها، جلست على الضفة لا من التعب بل لأنها لم تر في الجانب الآخر إنساناً ولا طريقاً ولا قرية، وخافت أن تكون ضلت. وفي اليوم الحادي والعشرين، بعد الجبل الخامس، لقيت عجوزاً على الطريق.
كان شعرها أبيض ووجهها شقوقاً كسرير نهر يابس، وتتكئ لا على عصا بل على عظمة ساق بشرية كبيرة المفاصل، في شقوقها طين أسود لا يشبه تراب الشمال الأصفر. ارتدت كتاناً أسود يجر ذيله على الأرض حتى نبت فيه الطحلب. أعطتها مِنغ جيانغ نو نصف قرص، فلم تأكله، بل وضعته على ركبتها ورفعت عينين فارغتين، لا عمياء بل كأنهما رأتا كل شيء؛ بئران جافتان لا ماء في قاعهما، بل ظلمة لا نهاية لها.
قالت: «يا ابنتي، لا تذهبي شمالاً.» عضّت مِنغ جيانغ نو شفتها المتشققة حتى ذاقت الدم: «أبحث عن زوجي.» أمالت العجوز رأسها كطائر مسن، وصرّت مفاصله: «من في الشمال يصيرون جداراً، وزوجك منهم. سترين جداراً لا إنساناً.» قالت: «حتى الجدار سأراه.» فابتسمت العجوز بلا صوت كآخر ورقة يابسة تهوي في الشتاء، ثم رسمت بعظمة الساق دائرة حول ظلها. لم يصدر صوت عظم في الطين، بل رنين معدن على صخر.
قالت: «جدار الشمال ليس عادياً. تحته شيء عتيق مدفون منذ موت بانغو، قبل دا يو وقبل أن تخلق نُوَى البشر: النقص الذي بقي من بداية السماء والأرض، الجزء الذي لم يتمه بانغو. يظن إمبراطور تشين أنه يبني جداراً لغزاة الشمال، ولا يعلم أن ارتفاعه يهيّج ما تحته. مئات الآلاف يدقون الحجارة والتراب ويسيلون دماً فوقه؛ وذلك عند أذن الشيء في الأعماق كقرع الطبول.» ضغطت طرف العظم في الدائرة فانفلقت كنصفَي بيضة.
— فإذا سقط الجدار يخرج؟
اختفت ابتسامتها، وظلت ساكتة حتى هبط الغسق من قمة الجبل: «لا يخرج، لكنه يستيقظ. وحين يستيقظ، لا يعود السور سوراً؛ يصير جسراً من عالم البشر إلى جيويو، العالم السفلي.»
حفظت مِنغ جيانغ نو الكلمات جميعاً وإن لم تفهمها. حنت للعجوز فانزلقت صرتها وخبطت ظهرها؛ أحست كأن عظمة تضغطها، اسمها وان شي ليانغ. مضت شمالاً. بقيت العجوز في ضوء الغروب، وظلها على الأرض لم يكن ظل إنسان بل ظل ثعبان طويل. مشت طوال الليل؛ ليس لأنها لم تعرف التعب، بل لأن في قلبها وتراً مشدوداً إن توقفت انقطع. جلست عند الفجر قرب صخرة وأكلت فتات الأقراص، ثم تذكرت قوله إن قرص الحنطة السوداء لا يؤكل بارداً لأنه يجرح الأسنان، فضحكت ضحكة من يتذكر حماقة حبيب. لفت الفتات وأعادته إلى أسفل الصرة، فوق الحزام الأحمر الذي لم تلبسه قط في جرف كسر القلب خوفاً من أن يتسخ. نهضت، وفرقعت ركبتها، ولم تعبأ. كان خط رمادي أسود يظهر في الأفق—السور—فأسرعت خطوتها.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.