كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم — الفصل 5
الفصل السابق

41 · مِنغ جيانغ نو تبكي السور العظيم — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

رأت مِنغ جيانغ نو السور، لا السور الزاحف الذي رآه وان شي ليانغ، بل وحشاً عظيماً ناضجاً رابضاً فوق ظهور الجبال، كتنين رأسه في بحر الشرق وذنبه في صحراء الغرب. عشرة آلاف ميل من حراشف رمادية مزرقة، كل حرش آجرة. لم تكن الآجرات رمادية في الأصل؛ كان السواد الرمادي لون دم مئات الآلاف حين يتسرب في الفواصل ويجف. وقفت عند القاعدة ورفعت رأسها حتى نهايته؛ كان أعلى السور في سحب رمادية لا تُفرَّق منه. سار الحراس فوقه كل عشرات الخطى، بدروع سوداء ورماح طويلة، وصفائح دروعهم ترن: طِن—طِن—طِن، كأجراس تستدعي الأرواح.

مشت بمحاذاة القاعدة تنادي: «وان شي ليانغ—!» كان صوتها مبحوحاً، لكنها لم تسكت. توقفت عند كل بوابة: «من ليشوي، في القطاع الثالث، وان شي ليانغ. أرأيتموه؟» هز حراس البوابات الثلاث الأولى رؤوسهم، وفي الرابعة أشاح الحارس بعينيه، أما الخامس فكان فتى في وجهه بقايا طفولة؛ تحركت شفتاه ولم يجرؤ على الكلام، وأشار بعصا رمحه إلى القطاع الثالث.

كلما اتجهت إليه اشتد انحدار الطريق وكثرت الجثث. لم تكن جثة أو اثنتين بل رقعاً كاملة؛ على بعض العظام ثياب بالية تطير منها قطع رمادية وصفراء كالـفراش، إلا أنها ليست ملونة: الرمادي كتان، والأصفر جلد بشري جاف ملتصق بالعظم. رأت هيكلاً يقبض على نصف حذاء قش جديد لم يُبلَ نعله؛ مات صاحبه عند قدم السور قبل أن ينظر إليه. أخذت الحذاء برفق ووضعته عند الطريق ورأسه إلى الجنوب، إلى جهة البيت، ثم تابعت. صرير الممر الخشبي تحتها جعلها لا تنظر إلى أسفل؛ تخاف أن ترى وان شي ليانغ، وتخاف أكثر ألا تراه.

بلغت القطاع الثالث عند أعلى جرف: جرف كسر القلب، ليس جرفاً عادياً بل نصل يغرز نفسه في السحاب، وريحه سكاكين. حفر الهواء على جانبه، خلال آلاف السنين، خطوطاً طولية كضلوع وحش أو شفاه الأرض المتشققة. السحب حول القمة رمادية كالسور. تنفست بعمق، وهواء الشمال الجاف يؤلم حلقها، ولم تسعل خوفاً من أن تضيع النفس الذي لا بد ألا يضيع. كان الجرف أملس لا عشب عليه، والطيور تدور بعيداً عنه؛ يقسم السحب نصفاً، نصف يصعد مطراً ونصف يهبط ضباباً. تسلقت الممر الخشبي المهترئ، يهتز تحتها ويتساقط نشاره في هوة لا قاع لها.

في القمة منصة سوّاها أمر الإمبراطور ليُبنى السور عليها. وكل من صعد إليها لا طريق له إلا ذلك الممر؛ يصعد وينزل مئات يومياً، ومن يهوي يسمونه «سُخريّ السقوط». لا يُكتب اسمه في الخيزران ولا يرسل رماده إلى أهله؛ هو حصاة إضافية في قاع الجرف.

وقف المراقب تشاو والسوط بيده؛ تشقق جلده وفي شقوقه دم أسود جاف لا يغسل. اقتربت منه، أقصر منه برأس، لكن عينيها تشتعلان، لا بحمرة النار بل بلون الجمر الداكن في آخر الاحتراق، أحرّ من اللهب. قالت: «وان شي ليانغ، من ليشوي، أين هو؟» لم ينظر إليها كزوجة تبحث، بل كشيء لا يريد مواجهته. خلال ثلاثة أعوام رأى نساء يندبن ويركعن ويُغشى عليهن عند قدميه، لكنه لم ير امرأة لا رجاء ولا خوف في عينيها، بل ثقل لا يعرف اسمه، أثقل من الحجر وأصلب من الحديد وأبرد من الموت.

فتح لفافة قديمة كثيرة العقد، عند صفحة ليشوي توقفت يده. رفع عينيه وفيهما شفقة المرء لمن هو حيّ وسيهلك قريباً: «وان شي ليانغ من ليشوي سقط من جرف كسر القلب قبل ثلاثة أشهر. لم نجد الجثمان؛ القاع عميق والحصى كثير، ولا يمكن استعادته.»

اهتز جسدها لا ليسقط، بل كشجرة ضربها الفأس ولم تقع؛ ترتعش أغصانها وتتطاير أوراقها ويبقى جذعها. ابيض وجهها كتمثال حتى بان تحته عرق أزرق، ثم تجمد الدم فيه. وبدأت تبكي، لا عويلاً ولا صراخاً ولا سقوطاً على الأرض؛ وقفت ويداها متدليتان وأصابعها منحنية كأنها تريد أن تمسك شيئاً لا يُمسك.

انسكب الدمع صامتاً، هادئاً، إلا أن كميته لم تكن كمية إنسان بل نهر؛ كأن ليشوي فاض من عينيها. تراجع تشاو خطوة. رأى أعاصير المطر والسيول والانهيارات الثلجية، ولم ير دمع إنسان يكفي لابتلال القمة كلها، وللسيلان على الجرف، ولإرخاء أساس السور.

جاء أول رعد من الأفق، لا رعد صيف بل رعد شتوي في سماء صافية. لم يأت من السماء بل من باطن الأرض، وكانت الأرض تزأر. صاح الحراس: «السور يتحرك!» تحرك فعلاً، لا كزلزال بل كحية تنزع جلدها. ظهرت شقوق من القطاع الثالث، امتدت شرقاً وغرباً على الجبال، واتسعت وتعمقت. أشرق فيها نور أزرق باهت، ليس ضوء الشمس ولا النار؛ ضوء كضوء القمر لكنه أبرد، يبرد كل من يراه من فروة رأسه إلى أخمصه.

فرت السُّخرة وألقت الحجارة، وجلد المشرفون الناس فلم يوقفوهم. لم يهرب تشاو؛ وقف في زاوية القمة ينظر إلى ظهرها، وقد فهم فجأة أنه بعد ثلاثة أعوام و«إعدام» عشرات الرجال ليس ملك ذلك الجرف، بل نملة على شجرة جيانمو. ولم تهرب مِنغ جيانغ نو. ركعت أمام أكبر شق، كان واسعاً كواد لا يرى قاعه، والنور الباهت يصعد منه كأن الأرض فتحت عيناً. مدّت يدها داخله ولمست، لا تراباً ولا حجراً، بل ضلع إنسان دافئاً من دموعها التي شبعت بها الأرض. حملته، ورأت فيه ندبة قديمة التأم كسرها: في الثامنة عشرة نطح ثور وان شي ليانغ صدره في الحقل فكسر ضلعه. الندبة الآن في كفها.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.