انهار السور ابتداءً من القطاع الثالث، لا بأن يسقط وجهه كله، بل بأن يغور جوفه كأن شيئاً يدفعه من الداخل: آجرة إلى الداخل ثم ثانية وثالثة، وجدار كامل تضغطه يد عملاقة لا تُرى. وحين تساقط الغطاء ظهر ما فيه: عظام بشر طبقات فوق طبقات. ملأوا بين كل طبقة طبقة بملاط الجير؛ لم تدفن العظام فيه بل بُني بها. بين كل آجرتين ضلع أو فقرة أو شظية جمجمة أو عظام كف. لم تكن بيضاء، بل سوداء لامعة تمتص الضوء، سواداً أصابها بعد أن سُلِبت بالقوة من مئات الآلاف آخر طاقة حياتهم.
سمعت مِنغ جيانغ نو في الهمس صوتاً واحداً هو صوت وان شي ليانغ يناديها. لم يأت الصوت من الضلع في يدها، بل من التراب الأصفر تحته. ألصقت أذنها بالأرض الباردة؛ كان تحتها فراغ، وفيه نبض هائل بطيء منتظم.
فهمت أن الشيء الذي قالت العجوز إنه تحت السور هنا، نائم منذ ملايين السنين، منذ سقوط بانغو وخلق نُوَى للبشر ورسم فوشي للرموز. حين صار عمود بانغو الفقري شجرة جيانمو، امتدت جذورها في أعماق الأرض كشبكة تغطي السماء، وكل جذر دقيق يصل إلى شيء في العمق، وأطول جذر مر بهذه السلسلة الجبلية. لم يعلم إمبراطور تشين، فبنى السور فوق ذلك العرق الجذري؛ عمل فوقه مئات الآلاف وسال دمهم وماتوا، فلم تتبدد طاقتهم بل امتصتها الجذور. كانت جيانمو كشجرة مقلوبة: لا تسند فقط بل تطلب، تطلب آخر طاقة من الصنّاع والجنود والسُّخريين الموتى، ثم ترسلها إلى أعمق الأرض لتقوي ختماً.
اتسع الشق وانفتحت الأرض كلها أمامها. أضاء النور الأزرق الباهت فلقاً لا نهاية له، ورأت في عمقه جذوراً في غلظ الذراع متشابكة، كل جذر يحمل هيكلاً أبيض. وكان هيكل وان شي ليانغ بينها، يسنده جذر برفق في الهواء؛ لا يخترقه ولا يخنقه، بل يحمله كأم تحمل رضيعاً نائماً. لم يكن ذلك سجناً بل حراسة. مدّت يدها، وما إن بقي بينها وبينه ثلاث أقدام حتى أفلتت الجذور كلها. صعد هيكله ببطء ووضع برفق عند حافة الشق، وبين مفاصله شرر دقيق كأن جيانمو تعيد إليه آخر خيط حياة.
عضّت إصبعها. سقطت القطرة الأولى على العظم، فاشتد النور الأزرق حتى أضاء القمة ونصف السور، ثم انفجر في السماء كزهرة لوتس زرقاء بين النجوم. وسقطت الثانية على آجر الحافة، فتحطم كأن يداً خفية عصرته، وصار غباراً ودخاناً أزرق طار إلى الجدران الشمالية الباقية؛ ارتجت آجراتها كلها في لحظة كأن نفساً مكبوتاً طويلاً مر في سور العشرة آلاف ميل. وسقطت الثالثة حيث انكمشت جيانمو؛ فأغلق الشق بسرعة، ضغطت التربة جانبيه، وسكن الزلزال واختفى الفلق. وبدا جرف كسر القلب كما كان، إلا أن العظام المبنية في الجدار اختفت.
وعندئذ رأت مِنغ جيانغ نو خريطة جيانمو كاملة منقوشة على ضلع وان شي ليانغ، لا بدم بل بعلامة تركتها الجذور في آخر لحظة. شجرة جذورها إلى أعمق الأرض وأغصانها تعبر الأرض وجيويو وعالم البشر إلى السماء. تحتها مئات الآلاف راكعون في خط ملتف ليس خطاً بل السور العظيم؛ ليس ركوع استرحام أو استسلام، بل صلاة. فوق التاج قصر معلق في الفراغ تلتف حوله كروم تسعة الألوان، فيه تنام آخر ذرة من وعي بانغو بعد موته. لم تكن مهمة جيانمو أن تسند الكون، بل أن تنقل عبر الجذور طاقة كل موتى العالم إلى ذلك القصر كي يبقى وعي بانغو صافياً. فإذا تبدد ذلك الوعي تمدد النقص الكامن في السماء والأرض وابتلع كل شيء بما لا تصفه لغة. ذلك هو «الشيء»؛ ليس وحشاً، بل الجزء الذي لم يتمه بانغو، المختوم في أعمق عرق لجذور جيانمو. تضغطه الشجرة وتحبسه، وتنفق طاقتها ليلاً ونهاراً لإبقاء الختم؛ وكانت طاقة موتى بناء السور أحدث غذاء له.
ظن الإمبراطور أنه يبني حائطاً يصد الغزاة، ولم يعلم أنه يبني قناة غذاء لجيانمو: كل موت يزيدها قوة وكل قوة تزيد الختم متانة. قرأت مِنغ جيانغ نو تحت الرسم سطراً بحروف أقدم من حروف تسانغ جيه، كحديد محمّى وُسم في عينيها، وفهمته لأن دمها دخل الشجرة: «قد يسقط الجدار، أما الإخلاص فلا يفنى. أثقل قيد في الدنيا هو قلب الإنسان، والذي تنتظرينه كان ينتظرك دائماً.»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.