لم تضع مِنغ جيانغ نو ضلع وان شي ليانغ في الصرة، بل لفّته بثوب الحداد الأبيض طبقتين وحملته عرضاً على صدرها كمولود. نزلت خطوة خطوة من جرف كسر القلب. الممر هو الممر، المهترئ مهترئ والمتأرجح متأرجح، لكنها كانت أثبت مما كانت صعوداً؛ لم تخف الصرة، إنما تغيّر قلبها.
حين جاءت كان قلبها ناراً تحرق كلمة «ابحث» عبر ثلاثين يوماً وسبعة أنهار وتسعة جبال، ناراً تستعجل قدميها. وفي العودة بقيت النار، لكنها صارت مصباح زيت فول صغيراً في غرفتي الطين عند ليشوي؛ ضعيفاً ينير طريق المرء إلى بيته ولا تطفئه الريح، لأن فتيله ضلع وان شي ليانغ. بلغت ليشوي بعد ثلاثة أشهر تماماً. كانت شجرة السَّفَساف عند المدخل أكثف أوراقاً لقد جاء الصيف، وفوقها غراب مال برأسه إليها ثم طار.
دست قدمها شيئاً عند المدخل؛ كان أثر قدمها الحافية حين ركضت قبل ثلاثة أشهر إلى شيخ القرية. جف الأثر وبقي شكله، فوضعت قدمها فيه فطابقها. نظرت شمالاً: الجبال وراء الطريق ما زالت جبالاً، لكن ما وراءها لم يعد «مجهولاً»؛ صار «المكان الذي ذهب إليه.»
دفنت الضلع عند ليشوي. لم تحفر حفرة عميقة، بل عشاً ضحلاً وضعت فيه العظم نظيفاً، وغطته بثوب الحداد ثم بتراب رطب بارد من ضفة النهر. ربّتت عليه بكفها كأنها تربت طفلاً نام وينتظر أن يصحو صباحاً، وظلت قرفصاء طويلاً والماء يجري عندها. غطى خريره صوتاً مضغوطاً في حلقها، لم يكن بكاء، فقد انتهى البكاء، بل كلاماً: «يوم ذهبت، بقي نصف قدر عصيدة على الموقد. فسدت فألقيتها؛ لا لأنني لا أريد حفظها، بل لأن الفاسد يؤلم البطن، وأنت قلت ذلك. شتلات الحقل بلغت نصف قدم. قلعت الأعشاب وحدي ثلاثة أيام؛ كانت كثيرة، أكثر من كل عام، كأنها تتنمر لأنك غبت.
«قلت إنك تعود عند الظهر. بلغت الشمس الظهر وغابت، ثم طلعت وبلغته وغابت، أكثر من تسعين مرة، ولم تعد. لكنني وجدتك. تسعون يوماً، وتسعة جبال، وسبعة أنهار، وثلاثة وستون حارساً، وتسلق جرف كسر القلب. الآن عدت إلى البيت.» اختلط طين السور الأصفر في أظافرها بطين ليشوي مثل نهرين صارا نهراً. لم تنفض طين ركبتيها؛ كان طين ركوعها وطين ضلعه وطين البيت.
غرست غصن سَفَساف صغيراً عنده، مكسوراً لتوه من الشجرة العتيقة، وعصارته اللزجة اللامعة كدمعة. كل يوم تسقيه بمغرفة قرع ورثتها عن أبيها، فيها شق لكنها متينة؛ تغمسها في ليشوي حتى تمتلئ، ثم تسكبها برفق في التراب، فينفذ الماء خيطاً أسود رقيقاً إلى الداخل.
نما الغصن على نحو عجيب: نصف قدم في شهر، وأول ورقة في ثلاثة أشهر، وبلغ نصف قامة في ستة، وبعد عام صار جذعه أغلظ من الشجرة القديمة. وبعد ثلاثة أعوام غطى تاجه السماء ونصف ليشوي، وظلّه يتحرك في الماء كأن وان شي ليانغ يكلم النهر بكلام لا يسمعه سواه. قال أهل القرية إنها شجرة شيطانية: أسرع من نمو الشجر، أعمق جذراً مما تحتمله ضفة ضحلة، وأخضر من خضرة الأوراق، كاليشم وكالحياة التي ترشح من العظم. لم ترد على كلامهم. جلست كل يوم على كرسي خيزران تحتها، تسمع النهر وترى السحب الشمالية، وتضع عند الجذور في كل صباح الشاي الذي كان يحبه. لا أحد يشربه، لكن الماء ينفذ في الطين.
كانت تنتظر، لا عودته بل لأنها تعرف أنه هنا. وفي ليلة نامت تحت الشجرة وحلمت به عند حقلهم، يحمل المعزقة إلى جانب الأرز اللامع. نظر إليها لا بنظرة الوداع، بل بنظرته العادية المتعبة ذات الابتسامة المستخبئة حين كانت تودعه عند الباب. ابتسم، وهو أكثر ما حفظته من ابتسامته في أيام الزواج الثلاثة: «أنا هنا، كنت هنا دائماً.» مدت أصابعها فمرت من صدره؛ لم يكن جسداً ولا لحماً، بل النية التي تنقلها جيانمو، نية وان شي ليانغ ونيات مئات الآلاف الذين ماتوا عند السور. قال: «لم تهدم دموعك السور؛ الذي هدمه هو الإخلاص في دموعك.»
أرادت أن تسأل ما الإخلاص، فقال: «هو القوة التي شق بها بانغو الفوضى، والتي خلقت بها نُوَى البشر، ورسم بها فوشي الرموز، وتجرع بها شين نونغ كل عشب سام. هو أثقل ما بين السماء والأرض، لكنه خفيف لا تحسين به حتى تحتاجين إليه، فينمو من عظامك. في دموعك إخلاص، فانشق السور لك. وفي دم مئات الآلاف إخلاص، فثبتت جيانمو تحت ذلك الختم ثلاثة آلاف سنة، وتستطيع أن تثبت ثلاثة آلاف أخرى.» استيقظت، ووسادتها مبللة لكن فمها يبتسم.
خرجت إلى ضوء القمر المتكسر فضة على ليشوي. حفيف أوراق السَّفَساف لم يكن ريحاً عادياً، بل مئات الآلاف من الأصوات تقول: «انتظر.» وكان صوت واحد شديد الوضوح: صوت المراقب تشاو. تجمدت؛ كان حياً حين تركته عند الجرف، لكن صوته خرج الآن من الجذور. قال: «أنا تشاو مراقب القطاع الثالث. حين سألتني امرأة من ليشوي عن وان شي ليانغ قلت لا يمكن العثور عليه، وكذبت؛ كان يمكن. يوم سقط لم أرسل أحداً، خفت من جيانمو تحت القاع. ثلاث سنوات كنت أحس شيئاً يتنفس تحت قدمي؛ ضربت وقتلت لا بأمر الإمبراطور بل خوفاً من ذلك النفس، خوفاً من أن تأخذني الجذور. ثم جاءت المرأة وبكت السور حتى انهار. لم تخف ومدت يدها إلى عظامه؛ فعرفت أنني ظللت أهرب وأنها لم تهرب، بل انتظرت. لذلك توقفت أنا أيضاً عن الهرب. قفزت إلى الجرف، لا لأنتحر، بل لأرى ما تحته؛ أمسكتني جيانمو. أنا الآن بين الجذور مع وان شي ليانغ ومئات الآلاف. ليس هنا بارداً؛ هو أدفأ من القمة.» وضعت يدها على الجذع؛ لحاؤه خشن بارد، لكن في داخله دفء دقيق كحرارة إنسان وراء ثوب سميك.
عاد الغراب وحط أعلى الغصن وقال بصوت صدئ: «أنت لا تعرفينني، لكنك رأيتني. في طريقك شمالاً كان هيكل عند الطريق وفوق رأسه غراب، ذلك أنا. سقط الرجل بعد وان شي ليانغ بثلاثة أشهر ولم ينهض؛ أكلت لحمه لجوعي. وبعدها غفر لي وقال إنه يريدني أن أعيش بدلاً منه، ولذلك ألبس صوته الآن.» رأت في عينيه السوداوين وجهها القديم في الصحراء تمسك نصف قرص. قال: «النصف الذي أعطيته له لم يأكله؛ ظل في صدره حتى مات، ويده عليه. تعفن، لكن في عفنه أثر أصابعك.» احمر محجر عينيها ولم يبق دمع؛ استُنفد عند الجرف. هز الغراب جناحيه، وسقط ريش أسود إلى ليشوي فحمله الماء.
قال أيضاً: «العجوز التي لقيتِها لم تكن إنسانة؛ كانت قشرة ثمرة أخرجتها جيانمو قبل ثلاثة آلاف عام. أخذت الثمرة وبقيت القشرة في هيئة عجوز عند الطريق. لم تكن مهمتها أن تدلك بل أن تمتحنك. لو صدقتِها وعدت إلى ليشوي لانقطعت نية وان شي ليانغ وحيدة تحت السور، ولم يحملها أحد إلى البيت. انتظرت جيانمو ثلاثة آلاف عام شخصاً يحمل العظم إلى البيت.» صمتت مِنغ جيانغ نو حتى انتقل القمر من شرق الشجرة إلى غربها، ثم قالت لنفسها لا للغراب ولا لتشاو ولا لزوجها: «حملته. نخاعه باقٍ ونفسه باقٍ. سأحرس هذه السَّفَسافة حتى أصير شجرة؛ عندها تصل جذوري بجذور جيانمو ويبلغ تاجي سحب السماء، وأنا بينهما السلم الذي يصل الأرض بالسماء.» صاح الغراب صرخة خشنة كزفرة حمل ثقيل وطار، ولم يبق عند قدمها إلا ريشة ذيل سوداء. غرستها في شق من اللحاء، فارتعشت في الريح كأن إنساناً يهز رأسه موافقاً.
بعد عشرة أعوام ابيض نصف شعر مِنغ جيانغ نو، وبقيت عيناها مضيئتين كدوامة في ليشوي لا تشيخ. صار السَّفَساف شاهقاً واسعاً يغطي نصف القرية، وجذوره تعبر ليشوي إلى التلال المقابلة؛ عند نهايتها فرع من جيانمو قريب من عالم البشر. فهمت لماذا قطعت الأنهار والجبال في ثلاثين يوماً بعد ثلاثة أيام من الزواج: لم تكن أسرع من الناس، بل كانت جيانمو تحرّك آثار أقدامها صامتة فوق عروقها الدفينة، وتقودها إلى الختم الذي يحتاج دموعها.
لم يعد أهل القرية يخافون الشجرة. في الصيف يلعب الأطفال في ظلها ويصطادون السمك، ويتسامر الشيوخ تحتها، ويعقد العرسان خيطاً أحمر على غصونها. كلما كثرت الخيوط بدت أصغر سناً. لم يعلموا أن طرف كل خيط يصل إلى هيكل في جذور جيانمو، وأن كل جرس نحاسي مربوط به يدق اسماً نائماً تحت العظام منذ ألف عام. عرفت مِنغ جيانغ نو أن السور لن ينهار ثانية؛ لا لقوة بناء الإمبراطور، بل لأن دمعة امرأة حملت عظمة راكعة عند جرف كسر القلب أعطت جيانمو أساساً أثقل من عظام مئات الآلاف. اسم ذلك الأساس: الإخلاص.
وقفت ذات يوم تحت الشجرة ولمست خيط نور روحي في جهة الغرب، ثم دخلت وأودعت ضلع وان شي ليانغ بعناية في صندوق خشبي، وحملت العصا لتسقي الشجرة آخر سقية. لم يعكس الماء وجهها في المغرفة، بل برعماً أخضر يتحرك في أعمق جيانمو، عليه زهرة صغيرة بيضاء لا بياض الثلج بل بياض العظم. لم تعد مِنغ جيانغ نو إلى الشمال، لكنها عرفت أن في السور شقاً فتحه الدمع وجذراً زرعه الإخلاص. وفي كل عيد تشينغ مينغ تضع تحت خوخة الحوش وعاءين وزوجي عيدان: واحد لها، والآخر فارغ مملوء بالماء. تقول: «إنه عطشان؛ لا ماء تحت السور.» يقول الجيران: «ثلاثة أعوام، آن أن تتركيه.» لا ترفع رأسها، بل تحرك ماء الوعاء، فيهتز كأن أحداً من بعيد أومأ.
تهز رأسها: «من وضع عيدانه هو من يضع. أنا لم أمسك عيداني قط.» والعظام المبنية في الجدار، والطاقة المدفونة في التراب الأصفر، والأرواح التي آوتها جيانمو لم تذهب؛ إنها تنتظر حامل العظم التالي إلى البيت، والبكاء التالي الذي يشق الأرض، والكلمات التالية: «سأنتظرك.» تعرف جيانمو أن أثقل قيد في الدنيا ليس الختم ولا الأغلال، بل قلب الإنسان؛ فإذا كثر الإخلاص صار القيد جسراً إلى كل من يُنتظر.
**تمهيد خفي:** امتزج ضلع وان شي ليانغ بجذور جيانمو، وصارت علاماته أول «عقدة» مبعثرة للشجرة في عالم البشر. تحت كل صدع من سور يهدمه الدمع تستقر من ذلك الحين عقدة جذرية لفرع جيانمو، تنتظر بعد آلاف السنين من يقرأ العلامات ويوقظ الفروع. وامتصت جيانمو قطرات الدم الثلاث في التراب، فتكثفت إلى ثلاث «جواهر نخاع الدم» في نهر جوفي تحت أساس السور؛ تمتص طاقة عروق الأرض عبر الدهور، ثم تظهر بعد ألفي سنة كنوزاً عليا لترميم الأرض. ولم يكن بناء الإمبراطور في تلك الجبال صدفة، ففيها أطول جذر عرضي لجيانمو؛ سالت دماء وطاقة مئات الآلاف على امتداد السور لتغذيه ألف سنة وتقوي ختم جيويو تسع طبقات.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.