كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/42 · ملكة الغرب الأم
الفصل السابق

42 · ملكة الغرب الأم

ما وراء الليل

الفصل التالي

في ذروة كونلون، على جبل اليشم، جلست ملكة الغرب الأم فوق أعلى جرفٍ صخري.

تدلّى ذيلها الشبيه بذيل النمر عند حافة الجرف، يهتزّ برفقٍ بخطوطه المرقّطة. وبرزت أسنانها النمرية من زاويتي فمها كخناجر من عظم أبيض. غطّى شعرها المنفوش نصف وجهها، وعلى رأسها تاجٌ من اليشم، علامة إلهة العقاب.

حطّت ثلاثُ طيورٍ زرقاء على كتفيها؛ ريشها يلمع ببريق البرونز، ومناقيرها كذهبٍ أحمر، وعيونها كنجوم باردة. كانت تتولى الكوارث السماوية: الأوبئة، والجراد، والزلازل، والعواصف الرعدية، والعقوبات الخمس، والقتل، والعقاب، والسجون، والحروب. ومن جبل اليشم كانت تطل على عالم البشر، فترى المرض والموت والخوف ونيران الحرب والمجاعة.

كان من الناس من يستسقي، ومنهم من يسأل الحياة، ومنهم من يرجو الموت. تثاءبت ملكة الغرب الأم. فالألف عام عندها كيوم واحد، وقد ملت ذلك كله. تحرّك الذيل النمري وصفّر في الهواء كالسوط.

حلّقت الطيور الزرقاء الثلاثة فوق رأسها ثم عادت وهبطت، وغرزت مخالبها في نسيج كتفيها.

«يومٌ آخر لا شيء فيه»، قالت بصوت غليظ، كحجر يتدحرج على سفح جبل. «لا تغيّر. لا مفاجأة.»

مال أحد الطيور برأسه. «يا سيدتي، يبكي أحدهم عند سفح الجبل.»

رفعت ملكة الغرب الأم عينيها. «وعلامَ يبكي؟»

رفرف الطائر. «لا أعلم. لكن البكاء هو نفسه بكاء الأمس، والذي قبله، والذي كان قبل مئة عام.»

سخرت ملكة الغرب الأم، ولمع ناباها. «فدَعْهم يبكون. فإذا فرغوا، سكتوا.»

صمت الطائر، ودفن رأسه في جناحه.

نظرت ملكة الغرب الأم إلى يديها. كانت أظفارها سوداء، وعلى رؤوس أصابعها حراشف دقيقة، وفي خطوط راحتيها نُقشت شرائع العقاب: الوشم، وقطع الأنف، وقطع القدم، والخصاء، والإعدام.

تشققت الصخرة وتناثر غبارها حين نهضت. جرّت ذيلها خلفها، فكنس طرفه الثلج المتراكم عند الجرف وتطاير رذاذه. مضت إلى الجانب الآخر من قمة جبل اليشم، حيث شجرة هائلة: شجرة الخلود. أغصانها وأوراقها تحجب السماء، ولحاؤها كبرونز، وأوراقها زرقاء، وكل ورقة منقوشة بحروف عتيقة.

تحت الشجرة تراكمت عظام بيضاء؛ عظام بشرٍ جاؤوا يلتمسون دواء الخلود، فلم يستطيعوا صعود الجبل، فماتوا عند سفحه، وأكلتهم الوحوش حتى لم يبق إلا العظم. نظرت إليهم بلا تعبير. وحط طائر أزرق على كومة العظام.

«يا سيدتي، لماذا جاء هؤلاء؟»

رفعت عينيها. «يلتمسون دواء الخلود.»

نقر الطائر عظمة. «ألم يكونوا يعلمون أنهم لن يستطيعوا الصعود؟»

قالت: «كانوا يعلمون، لكنهم جاؤوا مع ذلك.»

مال الطائر برأسه. «لماذا؟»

لم تجبه. مرّ ذيلها على كومة العظام فتدحرجت العظام متناثرةً بفرقعةٍ خافتة.

«الخلود...» أخرجت زفرة كدرة. «ولِمَ يُبتغى؟»

طار الطائر في الجو وصاح ثلاث مرات؛ ارتد صوته في كونلون، كأنه يسأل وكأنه يجيب.

استدارت إلهة العقاب، فكنس ذيلها الحصى، وتدحرجت الحجارة من الجرف وظل صداها طويلًا لا ينقطع.

ثم حلّقت الطيور الثلاثة من جديد. فردت أجنحتها فحجبت الشمس، وغمر ظلها ذروة جبل اليشم. رفعت ملكة الغرب الأم رأسها؛ تسلل الضوء من شقوق الريش كذهبٍ مهشّم. ضيقت عينيها، وبرزت أنيابها النمرية وبريقها البارد.

«اذهبن»، قالت وهي تلوّح بيدها. «انظرن إلى أسفل الجبل. انظرن إلى عالم البشر.»

فرفرفت الطيور الثلاثة ومضت.

بقيت ملكة الغرب الأم وحدها عند الجرف، وذيلها يتأرجح خلفها. اشتدت الريح، فبعثرت شعرها وحرّكت ثوبها، وكشفت ما يتدلّى عند خصرها: رقعةً من اليشم، ونايًا من عظم، وجرسًا من برونز. كلّها أدواتُ عقاب، وكلّها مسّها الدم.

خفضت رأسها إلى بحر السحاب عند سفح الجبل. كان السحاب يتلاطم كأنه عالم آخر. تذكّرت أمورًا بعيدة، بعيدةً حتى لم تعد تذكرها بوضوح. لم يبق في ذاكرتها إلا أنها إلهة العقاب، والوباء، والموت، والكوارث السماوية، والخوف نفسه؛ تجسيد العقوبة، وحارسة النظام، وسيف الطريق السماوي، تقطع كل ازدراء، وكل عصيان، وكل جشع، وكل طموح.

تحركت أذنا سيدة جبل اليشم، وأضاء ناباها إضاءة خافتة. كان هناك من يقترف الشر؛ شعرت بالجشع والخيانة والقتل وعدم الوفاء والعقوق والظلم. أغمضت عينيها ونقرت أصابعها نقرة خفيفة، فانطلقت تموجات لا تراها العين، وانسابت تحت السحاب إلى عالم البشر.

هناك سيقع وباء، أو زلزال، أو حرب؛ بحسب ثقل الجريمة. فتحت عينيها وكانتا فارغتين. «مملّ»، همست. تدلى ذيلها النمري واهنًا، ومسح الأرض، فانشق فيها صدع رفيع.

عادت الطيور الزرقاء الثلاثة. وكانت إحداها تحمل شيئًا في منقارها. حطت على كتف ملكة الغرب الأم وأفلتته، فسقطت ثمرة في يدها. كانت ثمرة شجرة الخلود، زرقاء وصلبةً كالحجر الحديدي.

«أنضجت أخرى؟» نظرت إلى الثمرة. كان البشر يقتتلون طلبًا لها، أما هي فلم تجد فيها طعمًا. يأكلها إنسان فيحيا ألف عام؛ ثم ماذا بعد الألف؟ يصير ترابًا، أو مسخًا، أو يعيش وحيدًا في الدنيا، يرى أهله يموتون وأصدقاءه يرحلون وكل شيء يزول، حتى لا يبقى إلا هو وشجرة الخلود وجبل اليشم وكونلون والطيور الزرقاء الثلاثة والريح التي لا تتغير أبدًا.

ألقت إلهة كونلون الثمرة من الجرف. هوت سريعًا إلى بحر السحاب بلا صوت، وعاد الصمت. ثم استدارت إلى كهفها. كان بابه علوّ عشرة أذرع، وعلى جدرانه رسوم: صور العقوبات الخمس، وإله الوباء وهو ينشر الوباء، والجراد وهو يعبر الأرض، والأرض وهي تنشق بالزلزال، والرعد وهو يشطر الجبال. كلّ لوحة منها مجدها وقدرها.

دخلت المرأة ذات الذيل النمري الكهف، ولمع ذيلها عند المدخل ثم اختفى. في الداخل سرير حجري وطاولة ومقاعد من حجر، وفي الجدار أحجار يشم مضيئة ترسل ضوءًا شاحبًا مرعبًا. جلست، وكان السرير باردًا. استلقت وحدقت في سقف الكهف، حيث نُحت وجهها هي: ذيل نمر، وأسنان نمر، وشعر منكوش، وتاج يشمي، وملامح مرعبة. تلك صورتها الإلهية، لا تُبدّل ولا يُعصى أمرها.

أغمضت عينيها. وقفت الطيور الثلاثة عند المدخل، وضمت أجنحتها ودفنت رؤوسها في ريشها. غرق جبل اليشم في السكون؛ لم يبق إلا صفير الريح، وحفيف الأوراق، وأنفاسها.

رأت الإلهة ذات الأنياب النمرية حلمًا. رأت أحدًا يصعد جبل اليشم، لا يخافها، ولا يركع لها، ولا يطلب منها شيئًا؛ إنما ينظر إليها ويسألها: لماذا أنت هنا؟ لماذا أنت وحيدة؟ لماذا مللتِ؟ من أنتِ؟

استيقظت. أطبقت أنيابها فصرّت. جلست صاحبة التاج اليشمي، وضرب ذيلها الجدارَ الحجري فظهر فيه شق.

«من؟» صاح صوتها خافتًا.

استيقظت الطيور الثلاثة مذعورةً، ترفرف وتصيح بصوت حاد. قفز أحدها إلى ركبتها. «يا سيدتي، ما بك؟»

اضطرب صدرها. «كان هناك أحد... في الحلم... ينظر إليّ.»

مال الطائر برأسه. «أيّ إنسان؟»

أغمضت عينيها تستعيد وجهه. «لا أراه بوضوح. لكن عينيه... لم تخافا، ولم تهابا، ولم تهربا.»

فتحت عينيها، ولمعت أنيابها. «مثير للاهتمام.»

خرجت إلى فم الكهف ونظرت شرقًا. كان الغبار يتصاعد عند طرف السماء، رقيقًا كأنه لا شيء، لكنها رأته واضحًا. ذلك غبارُ ثمانية جياد تثيره حوافرها: تشي جي، وداو لي، وباي يي، ويو لون، وشان زي، وتشيو هوانغ، وهوا ليو، ولو إر؛ ثمانية خيول سماوية تجر عربة وتتجه غربًا، نحو كونلون، نحو جبل اليشم، نحوها.

طال نابا ملكة الغرب الأم قدر شعرة. كان ذلك حماسًا وفضولًا وشيئًا لا تستطيع تسميته. خفق قلبها خفقة خفيفة.

حلّقت الطيور الثلاثة عاليًا، تدور وتصيح. هي الأخرى شعرت أن شيئًا آتٍ، وأن شيئًا سيتغير. وقفت ملكة الغرب الأم عند الكهف، وذيلها يرقص خلفها، والريح ترفع شعرها المنفوش حتى انكشف وجهها كله. كانت أنيابها النمرية بارزة، لكن عينيها لم تعودا فارغتين؛ فيهما ضوء ونار وانتظار. حدقت إلى الشرق وإلى الغبار الذي ظل يرتفع أيامًا ويقترب، يقترب.

منذ ألف عام، وأخيرًا، تجرأ بشرٌ على المجيء إلى كونلون، إلى جبل اليشم، إلى لقائها.

ابتسمت أم الأوبئة. انكشفت أنيابها كلها، مرعبة، لكن فيها خيطًا من فضول. «تعال»، همست، وحملت الريح صوتها. «دعني أرى أيّ ضربٍ من البشر أنت.»

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.