حين وصل الخبر، كانت ملكة الغرب الأم جالسة تحت شجرة الخلود. حملت الطيور الزرقاء الثلاثة إليها ريشة منقوشة بالكتابة؛ رسالة جاءت من الشرق: ملك تشو، الملك مو، يقود الجياد الثمانية في حملة غربًا.
قبضت تجسيد الكوارث على الريشة، وقرأتها مرة ثم مرة أخرى. عضت شفتها السفلى بأنيابها النمرية، ورسم ذيلها دائرةً على الأرض.
«الملك مو من تشو»، نطقت بالاسم، فلامس طرف لسانها أسنانها النمرية، وجاء نطقها غريبًا؛ فقد مضى زمن طويل منذ تكلمت بلغة البشر.
مالت الطيور برؤوسها وأطلقت هديرًا خافتًا في حناجرها، فضولًا وحيرة، كأنها تسأل: لِمَ يعنيك اسمه؟ لكنها لم تعبأ بها. نهضت، فمسح ذيلها جذع شجرة الخلود، واهتز تاجها وتساقطت الأوراق الزرقاء حتى فرشت الأرض.
مضت الإلهة ذات الشعر المنفوش إلى الجرف ونظرت شرقًا. كانت تستطيع أن ترى ظلال الجياد الثمانية الآن: ألوانها مختلفة؛ الأحمر كالجمر، والأبيض كالصقيع والثلج، والأسود كاليشم المداد، والأصفر كورق الذهب. عبرت الرمال المتحركة التي تشبه بحرًا وتبتلع كل حي، لكنها لم تبتلع حوافر تلك الجياد.
وعبرت جبال السماء التي تسند القبة السماوية، حيث لا تنقطع الرياح والثلوج منذ عشرة آلاف عام، وصخورها حادة كالمدى. كانت حدواتها تطير بالشرر، وصوت حوافرها كالرعد.
واجتازت المستنقع العظيم، ماؤه أسود كالحبر، وفيه تنين مائي كامن ووحش سراب ينفث الضباب. صهلت الجياد الثمانية فهز صوتها الجهات الأربع، فغاص التنين إلى القاع وكتم وحش السراب أنفاسه.
راحت ملكة الغرب الأم تراقب، تقبض أصابعها ثم تبسطها. رأت هيئة في العربة: شامخة، ثابتة، تمسك باللجام وتحدق غربًا. كان ذلك الملك مو، ملك البشر. أكان لا يعرف التعب؟ ألا يخاف الموت؟ ألا يعلم أن إلهة العقاب تسكن كونلون؟ أما كان يخافها؟
أخذ ذيلها النمري يضرب أسرع فأسرع. كان ذلك توترًا. فطوال ألف عام، لم يجرؤ أحد على الاقتراب من جبل اليشم، ولم يجرؤ أحد على تحديق صورته الإلهية؛ أما هذا الملك مو فكان قادمًا إليها مباشرة، بلا خوف ولا تردد.
رأت صاحبة بركة اليشم عربة الملك مو تقف عند سفح الجبل. نزل منها ورفع رأسه إلى الجبل. في تلك اللحظة التقت نظراتهما عبر آلاف الأذرع من الصخر والطبقات المتراكبة من السحاب. أضاء نابا ملكة الغرب الأم بريقًا خفيفًا، بريق الإدراك وتموج القوة الإلهية؛ لكن نظرة الملك مو لم تحِد ولم تختبئ. بل وقف ويداه خلف ظهره وابتسامة عند طرف فمه، كأنه يتأمل منظرًا، أو ينظر إلى صديق قديم.
تراجعت المرأة تحت شجرة الخلود خطوة. لم يكن ذلك خوفًا، بل لأن تلك النظرة كانت مضيئة أكثر مما ينبغي، مضيئة كشمس لم تر مثلها قط. رفرفت الطيور وصاحت قرب أذنها، كأنها تسأل: ماذا نفعل؟ أننزل وباء؟ أن نثير زلزالًا؟ أن ندعه يموت عند سفح الجبل؟
لم تجب. استدارت إلى الكهف وجلست على السرير الحجري. التف ذيلها عند قدميها، وخفضت رأسها إلى يديها: أظفار سوداء، وحراشف دقيقة بين الأصابع. كانت تلك صورتها الإلهية، مهيبةً ترهب كل الأرواح؛ لكنها شعرت فجأة أن هاتين اليدين أشدّ قبحًا مما ينبغي.
أغمضت سيدة الطيور الثلاثة عينيها وأصغت إلى دقات قلبها، ثقيلة كالطبل. بدأ الملك مو صعود الجبل. وكان الطريق من صنع يديها: عند كل تسعٍ وتسعين درجة حاجز.
الحاجز الأول: جبل السكاكين. شفراته متجهة إلى أعلى وبريقها بارد، ومن يطأها من البشر تتشقق قدماه ويسيل دمه. فلما وطئها الملك مو، انحنت الشفرات وصارت ترابًا، لأن في قلبه رحمة؛ وصاحب الرحمة لا يصيبه السكين.
نظر الملك مو إلى الشفرات التي تحولت ترابًا تحت قدميه. «سكاكين طيبة»، قال بهدوء، «لكن يؤسفني أنها وُضعت في غير موضعها.» انحنى وأخذ قبضةً من التراب، فإذا هي دافئة رطبة في كفه كالماء. «لو صُهرت هذه السكاكين وصُنعت محاريث، لفلحت مئة مو من الأرض.» ترك التراب يقع من يده إلى الدرج، وتابع صعوده.
الحاجز الثاني: بحر النار. لهب يبلغ السماء وحرّ يحرق، ومن يدنو منه من البشر يحترق جلده ولحمه. فلما اقترب الملك مو انقسمت النار وصارت زهور لوتس، لأن في قلبه فضيلة؛ وصاحب الفضيلة لا تحرقه النار.
نظر إلى اللوتس المتفتح في اللهب ومد يده فقطف زهرة. احترقت في كفه، لكنها لم تحرق يده. «نار طيبة»، ابتسم قليلًا، «يمكن أن تحرق الفخار، ويمكن أن تصهر الحديد. لكن يؤسفني أنها لا تستعمل إلا لقطع الطريق.» أعاد الزهرة إلى النار، فعادت إلى موضعها والتحم اللهب من جديد.
الحاجز الثالث: هاوية الجليد. بردها ينفذ إلى العظام، وفيها مسامير جليدية كالسيوف، ومن يمسها من البشر يتجمد تمثالًا من ثلج. فلما لمسها الملك مو ذابت المسامير ماءً وفاض تيار دافئ، لأن في قلبه وفاءً؛ وصاحب الوفاء لا يتجمد عليه الجليد.
وقف عند حافة الهاوية ينظر إلى المسامير وقد صارت ماء ربيع يتدفق بصوت رخيم. «ماء طيب.» قرفص وملأ كفيه من ماء الجليد وشرب جرعة. «يُروي العطش، ويُسقي الزرع؛ لكن يؤسفني أنه لا يستعمل إلا لتجميد الناس.» نثر الماء عائدًا إلى الهاوية، ونهض ومضى صاعدًا.
في الكهف، كانت ملكة الغرب الأم مغمضة العينين، لكنها ترى كل شيء. تحرك طرف فمها، وعضت شفتها السفلى بأنيابها حتى تركت أثرًا أبيض. رفعت يدها وضغطتها على قلبها. كان في داخلها شعور لا تستطيع تسميته: حموضة، وقبض، وحكة، وألم. مضى عليها زمن طويل من غير أن تشعر به، زمن طويل حتى نسيته وصار غريبًا عنها.
تذكرت وحيدة ذروة جبل اليشم: هذا الشعور اسمه الاضطراب.
صعد الملك مو تسعمئة وتسعًا وتسعين درجة، حتى بلغ ذروة جبل اليشم وبركة اليشم. كان ماء البركة صافيًا أخضرَ كاليشم، ساكنًا بلا موج. وبجوارها طاولة ومقعدان من حجر، صنعتهما ملكة الغرب الأم ذات يوم على غير اهتمام. على مدى آلاف السنين، جلست هناك وحدها، وشربت وحدها، ونظرت وحدها إلى انعكاسها في الماء.
لم يتعجل الملك مو الاقتراب. وقف عند البركة ويداه خلف ظهره، يتأمل انعكاسه. رأى وجهه ورأى كونلون وراءه. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت لين: «ماء طيب. جبل طيب.» ثم رفع رأسه وأدار بصره حوله. «ووحدةٌ طيبة.»
سمعت ملكة الغرب الأم الكلمات الثلاث في الكهف، فاهتز صدرها. نهضت فجأة؛ استقام ذيلها النمري، وبانت أنيابها، وتحرك شعرها المنفوش بغير ريح. غضبت لأنه أصاب الحقيقة. هو، مجرد بشر، تجرأ فأصابها.
خرجت من الكهف، وذيلها يجر وراءها، يترك أثره في الأرض مع كل خطوة. أرسل التاج اليشمي فوق رأسها ضوءًا غامضًا، ففزعت الطيور الثلاثة وطارَت تصيح.
استدار الملك مو نحو فم الكهف. رأى ملكة الغرب الأم: ذيل النمر، وأسنان النمر، والشعر المنفوش، والتاج اليشمي، وإلهة العقاب التي تشع من جسدها هالة شرسة. لم يتراجع، ولم يركع، ولم يغمض عينيه. بل فتحهما على اتساعهما ونظر إليها جيدًا، مرةً ثم مرة.
ثم قال: «إذن حتى إلهة العقاب بين السماء والأرض...» وتوقف. كان في صوته شيء اسمه رؤية ما وراء الظاهر، وشيء اسمه الفهم، وشيء يقول: أنا لا أخاف. «حتى هي تبدو عليها أمارات التعب.»
تجمدت ملكة الغرب الأم في مكانها. أطبقت أنيابها فصرّت، وقبضت يدها، وضرب ذيلها صخرةً عند بركة اليشم فحطمها مسحوقًا.
«أيها البشري»، قالت بصوت أجش غليظ، «أتطلب الموت؟»
ابتسم الملك مو وضم يديه تحيةً. «أنا ابن السماء في تشو، جي مان، أحيي ملكة الغرب الأم.» كان لا يتذلل ولا يتكبر، وصوته ثابت كأنه يخاطب ندًّا.
حدقت فيه طويلًا، حتى سكتت الطيور الثلاثة، وحتى كفّ ماء بركة اليشم عن التموج. ثم أخفت أنيابها، وكفت ذيلها، وأخمدت ضوء التاج اليشمي في شعرها. استدارت إلى البركة وجلست عند الطاولة الحجرية، ورفعت يدها تشير إلى المقعد المقابل. «اجلس.»
جلس الملك مو قبالتها. وعلى الطاولة أكواب حجرية فيها شراب اليشم، خمر قديم معتق منذ عشرة آلاف عام. ملأت لنفسها كأسًا ثم ملأت له كأسًا. رفعه، وشمّه.
«خمر طيب.»
شربه دفعة واحدة، ووضع الكأس، ونظر إليها مباشرة. «يا ملكة الغرب الأم، في خمرك طعم الوحدة.»
لم تجبه. رفعت كأسها وشربته دفعة واحدة. نزل شراب اليشم في حلقها حارًا كالسيف. نظرت إليه: هذا البشري لا يخاف صورتها الإلهية ولا هالتها المرعبة، وقد رأى تعبها واستخرج وحدتها من خمرها. من هو؟ ولماذا جاء؟ وماذا يريد؟ أدواء الخلود، أم شيئًا آخر؟
وضعت الكأس الحجري، وتحرك ذيلها على الأرض برفق. لم يكن غضبًا؛ كان فضولًا.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.