كان القمر شديد الضوء حتى بدا أبيض على نحو غير طبيعي، كأن مصباح كشف معلق في السماء. واللوح النحاسي في يد لي دا تشوانغ ازداد حرارة حتى نفطت أصابعه وانفجرت الفقاعات والتصق جلده باللوح، لكنه لم يفلتْه.
تجمع من بقي، أكثر من عشرين شخصاً، في فناء تشاو الصغير، متلاصقين ظهراً بظهر وكتفاً بكتف كالسردين. وفي الوسط اللوح النحاسي.
كانت تسوي هوا راكعة تضم حذاء شياو دو تسي، لا شياو دو تسي نفسه؛ لم يعد بعد. جف دمعها، ولم يبق إلا خطان أبيضان يابسان من زاويتي عينيها إلى ذقنها.
قالت بصوت أجش يكاد لا يسمع: «سأذهب معك.»
هز لي رأسه. «انتظري هنا. حين لا يعود اللوح حاراً… يكون الباب قد أُغلق.»
نهض وساقاه ترتجفان كأن الرصاص فيهما، ومشى إلى بوابة الفناء. نادته تسوي هوا: «يا دا تشوانغ!» لكنه لم يلتفت؛ لم يكن لا يريد، بل كان يخشى أنه إن التفت فلن يستطيع السير.
أضاء القمر الطريق كأنه نهر أبيض، أبيض يلسع العين كرماد عظام مفروش. وفي كل خطوة يضيء اللوح أكثر، ويسيل الدم بين أصابعه ويمتد في رسومه. خفتت الخطوط القديمة، وتكونت خطوط جديدة متعرجة في الدم: ختم جديد كتبه بدمه.
كان الدم ينزل إلى معصمه ثم يقطر على الأرض، وفي ضوء القمر الأبيض بدا أسود.
كانت حفرة الشجرة أمامه على بعد عشر خطوات، لكنها لم تعد حفرة، بل فم أسود أوسع مما كان في النهار. انقلب تراب فمها إلى الخارج كأن شيئاً يدفعه من الداخل. لم يصل ضوء القمر ولا المصباح إلى قاعها؛ كان السواد جداراً قائماً على عمق ثلاثة أقدام.
خرجت منها رياح نتنة، رطبة من باطن الأرض، فيها حلاوة عفنة، ومعها نفس طويل كأن أحداً تنهد ثلاثة آلاف عام. كان في التنهد مقاطع لا تُفهم، كناس كثيرين يتكلمون وقد دفنهم التراب والزمن.
قال لي بصوت منخفض: «أتيت.»
فصمت كل شيء. توقفت الريح وصوت البلع وحتى حشرات البعيد. ثم جاءت الضحكة التي سمعها قبل سبعة أيام، لكنها هذه المرة قريبة من تحت قدميه مباشرة.
وفي غمضة عين رأى الشيء على بعد ثلاث خطوات عند حافة الحفرة.
كان يلبس ثوباً أحمر عتيقاً اسودّ من الدفن آلاف السنين، لا أحمر ولا أسود، قطعة قماش واحدة بلا رسوم ولا ياقة ولا أكمام ولا خياطة، كأنها سحبت من الرأس إلى القدمين.
لم يكن له وجه. موضع الوجه مستو كصفحة ورق حمراء تتحرك تموجاً كالماء. لكن فيه عينان: دائرتان حمراوان لا لون فيهما بل حرارة، كفولاذ مصهور. كانت تجاويف العينين تنتقل من وسط الصفحة إلى يسارها إلى يمينها، لكنها لا تكف عن النظر إليه.
تراجع لي لا بإرادته، بل لأن جسده رجع وحده. انتصب شعر ظهره وخدر جلده حتى أذنيه ومؤخرة رأسه وعموده الفقري وفخذيه.
وتكلم الشيء، لا بفم فهو بلا فم أو شفتين أو لسان أو حبال صوتية، بل بصوت يُسكب مباشرة في الرأس:
«ثلاثة آلاف ومئة سنة. انتظرت ثلاثة آلاف ومئة سنة. ختمني هؤلاء الفتية بشجرة ولوح نحاس ودم آل تشاو سبعة أجيال. عرفت أن شخصاً سيقطع ذلك يوماً، لكنني لم أعرف… أنك ستأتي.»
أغمض لي عينيه. امتلأ ذهنه بوجه تسوي هوا: حين تبكي وحين تضحك وحين تشعل النار عند الموقد، وبقميصها المزهر وزهور السوفورة البيضاء الصغيرة العطرة على شعرها. وامتلأ بشياو دو تسي في حذائه القماشي يطارد الدجاج في الفناء ويضحك ككرات زجاج صيفية تسقط على طوب أخضر. وامتلأ بتشاو لاو شوان على العتبة، وجمرة غليونه تضيء وتخبو.
ثم تذكر كلمة تشاو: «ذلك الشيء لا يؤذي الناس، بل يؤذي من كان قلبه فارغاً.» لم يفهمها من قبل. كان قد خاف منه واختبأ منه وتوسل إليه، فكان قلبه فارغاً. أما الآن فامتلأ بوجه تسوي هوا وحذاء شياو دو تسي والبطاطا الحلوة التي تطبخها العمة وانغ وجرس العم لي؛ لا موضع لثغرة واحدة.
رفع رأسه ونظر إلى الضباب الأحمر وقال ثلاث كلمات: «أنا لا أخافك.» لم يتظاهر؛ لم يعد لديه مكان يخاف به.
خطا خطوة إلى الأمام، لا إلى الخلف، نحو الحفرة والثوب الأحمر والشيء بلا وجه. فتراجع الشيء خطوة، لا خوفاً بل ليترك له الطريق إلى فمه. جرّ طرف ثوبه على الأرض فخطّ خطاً رفيعاً في الغبار.
وقف لي على الحافة، نصف قدمه فوق التراب والنصف الآخر فوق السواد. رفع اللوح إلى ضوء القمر ورأى أن حروفه صارت جديدة، كلها من دمه:
«دم آل تشاو في سبعة أجيال يتحد في هذه الأداة. بلحمي وعظمي أمد عهد الألف سنة؛ يعود القربان إلى موضعه ويقوم ختم التراب. وإن فُتح مرة أخرى، فالدم هو القَسَم.»
قفز لي دا تشوانغ وهو يقبض اللوح ويتلو المقاطع الثمانية عشر التي علمه تشاو إياها يوماً كاملاً. نطقها حرفاً حرفاً، وكل حرف أثقل وأعلى من سابقه، والأخير خرج من أعمق رئتيه كصرخة.
اشتد الهواء عند أذنيه والنتن، واندفع الظلام من الجهات لا ليحيط به بل ليعصره ويلفه من قدميه ورأسه وأصابعه وقلبه. أحس بشيء يحيطه، ليناً رطباً دافئاً لا بحرارة جسد بل بحرارة شيء ابتلع لتوه.
امتلأت أنفه وحلقه ورئتاه برائحة الدم والعفن، وظل يهبط، يهبط بلا قاع، ثم توقف؛ لم يصل إلى أرض، بل علقته خيوط حية دافئة حول كاحليه وساقيه وخصره وصدره، عبرت القماش والجلد واللحم تبحث عن عظامه.
وانفجر اللوح فجأة بضوء أبيض.
قال الناجون فيما بعد إن عموداً أبيض خرج من حفرة الشجرة إلى السماء، أضوأ من القمر وشمس الظهيرة. توقف في الهواء كأنه ينظر إلى القرية ومجرى النهر الأصفر القديم والأرض الصفراء، ثم انكمش وامتصته الحفرة حتى لم يبق ضوء.
ثم انهار فم الحفرة وتحرك التراب بنفسه من أسفل إلى أعلى، لا كتلًا تسقط بل سائلاً كالماء، حتى امتلأ واستوى. وعند الفجر اختفى اللوح النحاسي ولي دا تشوانغ والسوفورة؛ لم يبق ورق ولا دم ولا حفرة.
وعاد المفقودون واحداً واحداً من بيوتهم، مترنحين كأنهم خرجوا من حلم طويل. كانت العمة وانغ أول من صاح من الجوع، وجع معدتها يلتف؛ وقال العم لي إن في فمه طعم طحلب. لم يتذكر أحد ما أكل أو شرب، لكن الجميع وجد في أفواههم طعم الطحلب القابض ورائحة التراب، كأنهم عاشوا مدفونين يلعقون ماء شقوق الحجارة. سأل تشاو طبيب الأعشاب لاحقاً، فقال إن ذلك الطحلب يسمى شعر الحجر، ينمو في مواضع تحت الأرض لا ترى الضوء، ويأكله الإنسان والماشية، إلا أن من يأكله لا يتذكر.
جلس العجوز ليو على عتبته يعقد رباط حذائه بيدين متصلبتين، ثم نهض وتمطى كأنه استيقظ. وأكمل رئيس القرية دفتر حسابه: رفع القلم وغمس الحبر وأكمل الخطاف الذي امتد فوق الورقة، ثم قلب الصفحة واستمر.
استيقظ شياو دو تسي في سريره، تقلب ونادى بصوته العالي القديم: «أختي، أنا جائع!» اهتز ورق النافذة من صوته. ركعت تسوي هوا عنده وضمتْه وبكت بلا كلمة، وسقطت دموعها على وجهه. مسحها بيده وسأل: «أختي، لماذا تبكين؟»
أشعل تشاو لاو شوان غليونه وجلس في الفناء ينظر طويلاً إلى جمرة رأسه تضيء وتخبو. ثم سار إلى مدخل القرية، إلى موضع السوفورة: أرض نظيفة لا حفرة ولا كومة تراب ولا شظية ولا غصن.
تحركت شفتاه وقال: «يا دا تشوانغ… كان الأمر يستحق.» كانت كلمتان خفيفتان، لكن الريح سمعتهما وحملتهما بعيداً.
عاد الشيخ إلى القرية خطوة خطوة، وظهره أحدب من الأمس. لم تنمُ السوفورة من جديد، لكن أهل تشاو جيا قو أضافوا قاعدة: لا بناء ولا زرع ولا حفر ولا لمس للأرض عند المدخل.
وفي الثالث والعشرين من الشهر القمري الأخير كل سنة، يذهب الشيوخ والصغار إلى هناك ويحرقون ثلاثة عيدان بخور: للسماء، وللأرض، ولرجل اسمه لي دا تشوانغ. وبعد انطفائها يجلس تشاو طويلاً في الأرض الخالية كما كان يجلس تحت الشجرة، لا يتكلم ولا يفعل شيئاً.
كانت تسوي هوا تأتي أحياناً مع شياو دو تسي. يسأل الطفل: «يا جدي، ألم تكن هنا شجرة؟»
يقول الشيخ: «بلى.»
«فأين ذهبت؟»
«تحت الشجرة رجل.»
ولا يجيب أكثر، بل يضم الطفل إليه بقوة، ورأسه على صدره يسمع دقات قلب الجد البطيئة الثقيلة: دق، دق، دق.
تهب الريح خفيفة. سمعت تسوي هوا فيها صوتاً صغيراً قصيراً، كتنهد أو جملة. رفعت رأسها تبحث، فلم تجد أحداً: فقط الأرض الخالية، وقليل من رماد بخور لم يحترق يطير في الهواء إلى شعرها وكتفيها ووجه شياو دو تسي.
خفضت رأسها ولم تقل شيئاً.
وظل تشاو لاو شوان يحرس: يحرس السوفورة القديمة، واللوح المدفون تحتها، والسر الذي لا يجوز كشفه، حتى اليوم الذي لم يعد يستطيع فيه المشي، ولا الكلام، حتى… لم يعد يستطيع الحراسة.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.