في السابع من الشهر القمري الأخير سنة ثلاث وعشرين من الجمهورية، في بلدة شينيُو على بعد أربعين ليّاً غرب زيتونغ في سيتشوان، كان الطريق الإمبراطوري القديم يمر بين نحو مئة بيت. كان طريقاً من عهد تشينغ، عرضه ثلاثة تشانغ، يمتد من تشنغدو إلى الشمال الغربي عبر ميانتشو وزيتونغ وجيانغه إلى ممر جيانمن ثم هانتشونغ وغوانتشونغ وشيانيانغ.
مضت عليه ألف سنة، حتى صقلت عجلات العربات ونعال القش أحجاره الزرقاء كالمرآة. في المطر تعكس الوجوه، وفي الشمس ترد الضوء؛ وفيها أخاديد عميقة من العجلات وحوافر البغال والخيول وأقدام البشر. كان الشيوخ يقولون إن كل حجر سمع حوافر آلاف الجند ورأى سيوف تبدل السلالات، ثم يخفضون أصواتهم كأنهم يخشون أن تسمع الحجارة وتروي ما حفظته.
لم يكن في تلك الليلة قمر ولا نجوم. غطت الغيوم السماء من الصباح بلون رصاصي، وفي الظهيرة بدا القرص وراءها كقطعة حديد أحمر داكن لا حرارة فيها. وعند الغروب انشق الغرب بشعاع أحمر كجرح أو ندبة أو عين نصف مفتوحة، ثم أغلقه الظلام، ثقيلاً كقدر مقلوب. لم يكن ضوء مصباح الزيت في البيت يتجاوز ورق النافذة، كأن السواد يرده. وفي الفناء لا يضيء المصباح أكثر من ثلاثة أقدام؛ وخلفها يقوم جدار أسود لا يُثقب.
كان سون العجوز، في السابعة والستين، حارس الوقت في شينيُو منذ أربعين عاماً. لم يترك ليلته في مطر أو ريح، ولا حتى حين أصابته نوبات الملاريا. وفي عام موت زوجته شيعها نهاراً ثم خرج ليقرع ساعته ليلاً. قال لمن نصحه بالراحة: «لا يجوز كسر القاعدة؛ إن استراح حارس الوقت فلن يعرف الناس أي حراسة من الليل هي.» وكانوا يقولون إن صوته أدق من الساعة: عند الضربة الثالثة ينامون، والرابعة ينهضون، والخامسة يشعلون النار للطعام.
ارتدى سون معطفاً قطنيّاً سميكاً تراكبت رقعه على مرفقيه وركبتيه وكتفيه، وبرز القطن الأبيض من شقوقها كالثلج. حمل فانوساً ورقياً في اليسار ومطرقة الخشب في اليمين، وكانت شمعة الفانوس ترتجف كأنها توشك أن تموت. رفعه عالياً على وجهه المحفور بالتجاعيد كجبال سيتشوان.
عند معبد إله الأرض في شرق البلدة، وقف كعادته. رفع الفانوس إلى وجه التمثال الطيني الذي تقشر نصف طلائه. عين واحدة باقية تنظر إليه، والأخرى انكشف فيها طين أصفر كقيح خرج من المحجر، وفي الطين شق من زاوية العين إلى الذقن كأن الإله يبكي.
انقبض قلبه من غير سبب. لقد رأى ذلك الوجه أربعين عاماً، أربعة عشر ألف ليلة، ولم يبد له غريباً قط. لكن الليلة أحس أن وجه الإله ينظر إلى شيء لا يراه هو، أو لا يجرؤ على رؤيته. كانت الحدقة منحرفة قليلاً إلى الجانب، كأنها تهرب من شيء.
وانطفأ الفانوس. بقي دخان أبيض رقيق يصعد أمامه مستقيماً ثم تجمد، إذ لم تكن هناك ريح. وقف ثلاث ثوان، وفي الرابعة حك عود ثقاب مستورد؛ انطفأ. الثاني انطفأ. الثالث اشتعل، وأضاء أصابعه المرتجفة. لم تكن ترتجف من البرد؛ معطفه ما زال دافئاً، لكن أصابعه كانت كأن لها قلباً خاصاً لا يطيعه.
ثم سمعه.
توقف لا بإرادته؛ صاح عقله: اذهب، اهرب، لكن قدميه غرزتا في ألواح الحجر. نظر إلى حذائه: كانت الأحجار تهتز، لا تهتز كالأرجوحة بل كنبض قلب، دق، دق، دق، خفيفاً دائماً. صعد الاهتزاز من النعل إلى الجورب والجلد والعظم. كانت ركبتاه ترتجفان لا خوفاً بل رنيناً؛ فالجسد يعلم قبل العقل أن شيئاً قادم، والعظام تستجيب قبل أن تفهم الرأس.
احترق عود الثقاب حتى أصاب أصبعه، ففاحت رائحة جلد محروق. لم يرخ يده. نظر إلى الطريق؛ لم ير شيئاً، لكنه عرف أن شيئاً كثيراً يمر أمامه. ليس بشراً ولا أحياء. لخطوات الأحياء تفاوت، حتى في الجيش: طويل وقصير، حذاء جديد ونعل ممزق. أما هذا الإيقاع فمتساوٍ على نحو غير طبيعي، كأن جسداً هائلاً واحداً يمشي. ومع ذلك لم يكن أشباحاً؛ فالأشباح تطفو بلا خطوات، ويُحس لها ببرد لا بصوت. هذا الصوت له عظام ولحم ووزن وطريق لم ينته.
تذكر حين كان في العشرين ورأى تدريب جيش سيتشوان في تشنغدو: فوج من أكثر من ألف رجل يهتز الحجر تحت أقدامهم هكذا، بهذه المساواة. كان ذلك مسير أحياء. لكن الشارع الليلة خالٍ.
سقط الفانوس من يده، تدحرج مرتين على الحجر ثم توقف، وجف الشمع الأصفر على ورقه كالدموع. أراد أن يصرخ فكأن قطناً حشى حلقه، وأراد أن يهرب فكأن الرصاص صب في ساقيه. فلم يبق إلا أن يقف ويسمع: عشرة، مئة، ألف، عشرة آلاف، خطى تمر ولا تنتهي، كنهر كامل يجري بجانبه؛ ليست ماءً بل أقداماً وسيقاناً وأجساداً ودروعاً ورماحاً، جيشاً لا يُرى يمر خلال جسده.
ثم رأى الطريق، لا الرجال. أضاءت الألواح الحجرية تحت قدميه بضوء أبيض شاحب، ليس ضوء فانوس أو قمر أو نجم، بل كأنها حبست طبقة قمر في داخلها ألف عام وأطلقتها الليلة. رشح الضوء من الشقوق والحفر التي صقلتها العجلات وبصمات نعال القش؛ ضوء خفيف بارد كطبقة صقيع.
ومن خلال طبقة رقيقة متحركة كتموج الماء لمح هيئة رجل ضخم في درع يحمل رمحاً، يخطو ثلاثة أقدام في الخطوة. فإذا حدق اختفت الهيئة وبقي الهواء يهتز.
لا يعرف سون كم وقف. عرف فقط أن الخدر صعد من أصابع القدم إلى النعل والساق والفخذ والخصر، طبقة طبقة. لم يكن تشنجاً مؤلماً بل تحجراً بطيئاً: أصبعاً بعد أصبع، ثم عروق ظهر القدم التي توقفت عن النبض، ثم الكاحل كأنه جمد في الثلج، ثم عضلة الساق التي تحولت من العظم إلى الجلد إلى لوح حجر أزرق بارد. امتلأت ركبتاه بحديد مصهور برد وتجمد، وقفل ساقيه في الأرض. شد وتر فخذه كوتر قوس، وصرخ في رأسه: انحنِ، انحنِ، لكنه لم يعد يطيع؛ صار ينتمي إلى ذلك الإيقاع، إلى الجيش الخفي المار.
كان عنقه آخر مفصل يتحرك. رأى نعل حذائه الرقيق ملتصقاً بالحجر، والبرد يخترقه إلى نخاع قدمه؛ لا برد شتاء، بل برد جليد عمره ألف سنة يذوب داخل العظم لا إلى ماء بل إلى بخار بارد يصعد عبره.
حاول أن يسحب قدمه بعقله. أغلق عينيه وجمع القوة كلها في اليمنى: ارفع، ارفع. ثلاث ثوان، خمس، عشر، ولم تتحرك. كان الأمر يصل إلى الركبة فتقول: لم يعد الأمر لي؛ يصل إلى الأصابع فتقول: شيء لا يرى يدوسنا، ليس بخفة بل كقدم في حذاء حديدي تثبتنا لا تطؤنا فقط. أخذ نفساً عميقاً وبذل أكبر قوة في عمره؛ لم يتحرك الحجر ولا قدمه، وتحرك نصفه الأعلى فقط كغصن تهزه ريح وجذره ثابت.
توقف وقع الأقدام أخيراً، واتجه إلى الغرب نحو جيانغه، أخذ يصغر ويبتعد حتى ذاب في الليل. سكن كل شيء: لا نباح كلاب. سمع قلبه دق، دق، دق، ببطء وثقل، كقبضة تحت الأرض تضرب باطن قدميه. وضع يده على صدره، فوجد نبض القلب بإيقاع الاهتزاز نفسه؛ كأن قلبه قُفل في قبضة تحت الأرض. خاف أن تتوقف القبضة فيتوقف قلبه، ولم يجرؤ أن يفكر أكثر.
## 2. اختفاء الطريق
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.