كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/07 · ثمن العادات المحرّمة — الفصل 5
الفصل السابق

07 · ثمن العادات المحرّمة — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

كان القمر أبيض على نحو غير طبيعي، كأن مصباح كشف علق في السماء. أمسَك لي داتشوانغ الصفيحة، فازدادت سخونة حتى نفطت أصابعه وانفجرت النفطات والتصق جلدها بالنحاس، لكنه لم يتركها.

تجمع أكثر من عشرين من الباقين في فناء بيت تشاو لاوشوان، متلاصقين ظهراً بظهر وكتفاً بكتف كالسردين. وكانت تسوي هوا راكعة لا تضم شياو دوتسي، فهو لم يعد، بل تضم حذاءه. جف بكاؤها فلم يبق إلا خطان أبيضان من عينيها إلى ذقنها.

— سأذهب معك، قالت بصوت مبحوح.

هز لي داتشوانغ رأسه.

— انتظري هنا. حين تبرد الصفيحة، يكون الباب قد أغلق.

نهض، وساقاه ترتجفان كأن في ركبتيه رصاصاً. نادته تسوي هوا: «داتشوانغ»، لكنه لم يلتفت؛ خاف أن يتوقف إن التفت. خرج إلى الطريق الذي جعلته أنوار القمر أبيض كطبقة رماد. وكلما خطا خطوة أضاءت الصفيحة، وسال دمه بين أصابعه وفي خطوط النحاس. كان الدم يرسم عهداً جديداً: الخطوط القديمة تخبو، وخطوط ملتوية حية تتكون بدمه، وتقطر من معصمه إلى الأرض سوداء تحت الضوء الأبيض.

على بعد عشر خطوات لم تعد حفرة الشجرة حفرة، بل فماً أسود اتسع عن النهار. كان التراب عند حافتها ينقلب إلى خارج كأن شيئاً يدفعه من أسفل. لم يدخل إليها ضوء القمر ولا المصباح؛ كان الظلام جداراً قائماً أسفل الفتحة. وخرجت منه ريح نتنة رطبة، فيها حلاوة تعفّن وصوت طويل كتنهد دُفن ثلاثة آلاف عام، كأن أصواتاً كثيرة تتكلم تحت التراب والزمن.

— جئت، قال لي داتشوانغ.

سكتت الريح وصوت البلع والحشرات البعيدة. ثم جاءت الضحكة التي سمعوها قبل سبعة أيام، لكنها هذه المرة خرجت من تحت قدميه.

وعند حافة الحفرة، على بعد ثلاث خطوات، ظهر الشيء بلا زحف ولا حركة، كأنه كان هناك في غمضة عين. كان يرتدي أحمر قديماً اسودّ من الدفن، لوناً ليس أحمر ولا أسود، قطعة قماش واحدة تلفه بلا ياقة ولا كم ولا خيط، لا تشبه ثوب عصر. موضع الوجه صفحة حمراء مسطحة تتموج كالماء، وفيها ثقبان أحمران؛ ليسا لوناً بل حرارة كالفولاذ المصهور. كانت العينان تنتقلان على الوجه، مرة في الوسط ومرة في اليمين أو اليسار، ولا تكفان عن رؤيته.

تراجع لي داتشوانغ بغير إرادته. انتصب شعر جسده وخدر جلده من الأذنين إلى العمود الفقري والساقين. ولم يتكلم الشيء بفم، فلم يكن له فم ولا لسان ولا حبال صوتية؛ بل صب صوته في رأسه:

— انتظرت ثلاثة آلاف ومئة عام. حبسوني بشجرة، وبقطعة نحاس، وبدم سبعة أجيال من آل تشاو. عرفت أن أحداً سيقطعها يوماً، لكنني لم أعرف أنك أنت ستأتي.

أغمض لي داتشوانغ عينيه. رأى تسوي هوا وهي تبكي وتضحك وتوقد النار قرب الموقد، ورآها بثوبها المزهر وزهر السوفورا الأبيض في شعرها. ورأى شياو دوتسي بحذائه الصغير يطارد الدجاج ويضحك ككرات زجاج الصيف على الطوب الأزرق. ورأى تشاو لاوشوان على العتبة، وجمر الغليون يضيء ويخبو.

وتذكر قول الشيخ: «هذا الشيء لا يؤذي الناس، إنما يؤذي من في قلبه فراغ». كان قد خافه وهرب منه ورجاه وقلبه فارغ. أما الآن فامتلأ بوجه تسوي هوا وحذاء شياو دوتسي وبطاطا العمة وانغ المسلوقة وصوت جرس العم لي، حتى لم تبق فجوة يدخل منها شيء.

رفع رأسه إلى الضباب الأحمر وقال:

— لا أخافك.

لم يكن ادعاء. لم يعد في داخله مكان للخوف. خطا إلى الأمام، إلى الحفرة والثوب الأحمر والوجه الذي بلا وجه. تراجع الشيء خطوة، لا خوفاً بل إفساحاً له كي يقفز إلى فمه. جر طرف ثوبه على الأرض فترك خطاً رفيعاً في الغبار.

وقف لي داتشوانغ عند الحافة، نصف قدمه فوق الفراغ، ورفع الصفيحة ليراها للمرة الأخيرة. تحولت الكتابة إلى خطوط من دمه: «دم سبعة أجيال من آل تشاو يتحد بهذا الوعاء». وعلى ظهرها حروف أدق: «آل تشاو في سبعة أجيال يجدّدون عهد الأسلاف لثلاثة آلاف عام». ثم الدعاء: «بلحمي ودمي أجدد عقد الألف عام؛ يعود القربان إلى موضعه وتقام الأرض المختومة؛ ومن يفتحها مرة أخرى فعليه عهد الدم».

قفز وهو يقبض على الصفيحة ويردد الثمانية عشر مقطعاً التي علمه إياها تشاو لاوشوان طوال يوم كامل. كان كل مقطع أثقل وأعلى من الذي قبله، حتى خرج الأخير صرخة من أعمق رئتيه.

ارتفع هدير الريح وكثفت الرائحة. لم يطوّقه الظلام بل ضغطه من الجهات كلها، من القدمين والرأس والأصابع والقلب. لفه شيء لين رطب دافئ، ليس دفء جسد بل دفء ما ابتلع لتوه. ملأت الرائحة أنفه وحلقه ورئتيه. ظل يسقط، يسقط بلا قاع، ثم توقف لا لأنه بلغ النهاية، بل لأن خيطاً حياً دافئاً علق بكاحله وساقيه وخصره وصدره، وعبر القماش والجلد واللحم يبحث عن عظامه.

فجأة انفجرت الصفيحة بضوء أبيض.

قال من نجا إن شعاعاً خرج من حفرة الشجرة مستقيماً إلى السماء، أشد من القمر ومن شمس الظهيرة. توقف في الجو لحظة كأنه ينظر إلى القرية ومجرى النهر الأصفر القديم والأرض الصفراء، ثم انكمش وسُحب إلى الحفرة حتى لم يبق ضوء. بعدها انهارت الحفرة، وتحرك التراب من أسفل إلى أعلى كالماء، فامتلأت وسويت، وصارت الأرض مستوية كبيادر الحصاد.

عند الفجر اختفت الصفيحة ولي داتشوانغ والسوفورا. لم تبق ورقة ولا قطرة دم. وعاد المفقودون، واحداً واحداً، يخرجون من بيوتهم ضبابيي النظرات كأنهم استيقظوا من حلم طويل. صاحت العمة وانغ أولاً بالجوع حتى انقبضت معدتها، وقال العم لي إن في فمه طعم طحلب. لم يذكر أحد ما أكل أو شرب، لكن في أفواههم جميعاً طعم طحلب ترابي قابض، كأنهم بقوا تحت الأرض يلحسون ماء شقوق الحجارة. سأل تشاو لاوشوان طبيب الأعشاب العجوز، فقال إن ذلك طحلب يسمى «شعر الحجر»، ينمو في الظلام وتأكله الناس والدواب، لكنه يجعل آكله لا يتذكر.

جلس العجوز ليو يربط حذاءه بيديه المليئتين بالثفن، ثم وقف وتمطى كأنه استيقظ لتوه. وأكمل رئيس القرية دفتر حسابه من حيث ترك الخطاف الممتد على الطاولة. واستيقظ شياو دوتسي في السرير، استدار وصاح بصوته العالي كما كان:

— أختي، أنا جائع!

ركعت تسوي هوا عنده وضمتْه وبكت حتى لم تستطع الكلام. سقطت دموعها على وجهه، فمسحها بيده وسألها: «لماذا تبكين؟».

جلس تشاو لاوشوان في الفناء وغليونه مشتعل، ينظر إلى جمره يضيء ويخبو، يضيء ويخبو. ثم مضى إلى مدخل القرية، إلى حيث كانت السوفورا، فلم يجد حفرة ولا تل تراب ولا شظية ولا غصناً. تحركت شفتاه:

— يا داتشوانغ... لقد كان يستحق.

كلمتان خفيفتان حملتهما الريح بعيداً. عاد الشيخ إلى القرية، وكان ظهره أشد انحناء من الأمس.

لم تنبت السوفورا ثانية، لكن أهل تشاوجياغو وضعوا قاعدة جديدة: أرض المدخل لا يبنى عليها بيت، ولا تزرع، ولا تحفر، ولا تمس. وفي الثالث والعشرين من الشهر القمري الأخير، يذهب أهل القرية جميعاً ليحرقوا البخور في الموضع. يقودهم تشاو لاوشوان فيشعل ثلاثة أعواد: للسماء، وللأرض، ولرجل اسمه لي داتشوانغ.

وبعد انطفاء البخور يجلس الشيخ هناك طويلاً، صامتاً ساكناً كما كان يجلس تحت السوفورا. وكانت تسوي هوا تأخذ شياو دوتسي أحياناً إليه. يسأل الطفل:

— جدي، ألم تكن هنا شجرة؟

— بلى.

— وأين ذهبت؟

— تحتها رجل.

— من هو؟

لا يجيب تشاو لاوشوان؛ يضم الطفل بقوة، ويلصق رأسه بصدره ليسمع دقات قلب الشيخ: بوم، بوم، بطيئة ثقيلة. تهب الريح بخفة. وتسمع تسوي هوا فيها صوتاً قصيراً دقيقاً، كتنهد أو كلمة. ترفع رأسها فلا ترى أحداً، غير الأرض الخالية ورماد بخور لم يحترق كله يطير في الهواء ويستقر في شعرها.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.