كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق
الفصل السابق

08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق

ما وراء الليل

الفصل التالي

في هذا المَعبر يموت إنسان واحد كل سنة.

لا أكثر ولا أقل.

واحد.

وكان العجوز تشِن أول من انتبه إلى أن ثمة خطباً ما.

ظلّ يدفع العبّارة في هذا المَعبر عشرين عاماً.

خلال عشرين سنة، نقر مجدافه الطويل في قاع النهر آلاف الثقوب. وكان يحفظ موضع كل منها: أين الماء عميق، وأين هو ضحل، وأين ترقد صخرة خفيّة في القاع، وأين يشتد التيار حتى يطوي المرء في جوفه. كان يستطيع أن يصف ذلك كلّه مغمض العينين.

لكن شيئاً واحداً لم يستطع وصفه.

كل عام، مع اقتراب «ليتشيو» ــ بداية الخريف في التقويم الصيني ــ أو بعده بقليل،

كان جثمان يطفو في النهر.

تذكّر تشِن يومه الأول في دفع العبّارة.

كان في أوائل الثلاثين، قويّاً كالثور. ما إن يغرس المِجداف في القاع حتى تنطلق العبّارة بعيداً في لمح البصر. يومها كان الضفّتان تضجان بالناس: حَمَلة الأحمال، وزوّار الأقارب، ومرتادو الأسواق، وكان يعبر بهم عشرات المرات في النهار. ينشغل حتى لا يجد وقتاً لرشفة ماء. فإذا جمع قاربه ليلاً جلس على درج الحجر عند المَعبر، ينقع قدميه وينظر إلى النهر وهو يمضي شرقاً.

ولم يطل به النظر حتى أدرك الخطأ.

اتجاه النهر ليس صحيحاً.

فهو لا يجري من الغرب إلى الشرق.

بل من كل الجهات نحو قلب النهر.

كانت المياه كلها تتجمع في القلب، ثم تلتئم عند نقطة واحدة وتهوي فلا تُرى. كأن تحتها حفرة. حفرة لا تمتلئ أبداً.

كان تشِن شاباً آنذاك، لا يفهم.

فسأل الملاحين القدامى.

لم يتكلم الشيوخ. لوّحوا بأيديهم فحسب، وأشاروا إليه ألا يسأل.

ومنذئذ لم يعد يسأل.

فالسؤال لا يمنح جواباً. ثمة أمور، كلما عرفت عنها أكثر، زاد وجعك.

في السنة الأولى كان الرجل بائعاً جوّالاً.

عبر وهو يحمل على كتفيه سلةً معلّقة فيها الإبر والخيوط وأشباهها. تذكّره تشِن جيداً. تحدّثا قليلاً حين صعد إلى العبّارة؛ سأله عن الرزق، وعن عدد أولاده. قال البائع مبتسماً إنهم ثلاثة: أكبرهم في الثانية عشرة، وأصغرهم لا يزال يرضع. وما إن بلغ القارب قلب النهر حتى نهض الرجل فجأة، وألقى الحمولة على الألواح فتدحرج عصا الحمل إلى الماء. حدّق في السطح المائي، واتسعت عيناه، وفتح فمه وقال:

— أرى أمي.

ثم قفز.

مدّ تشِن يده ليلحقه. لامست أصابعه طرف ثوبه، لكنه انفلت. انزلق طرف الثوب من بين أصابعه كسَمكة. سقط البائع في الماء وتناثر الرذاذ على وجه تشِن. انحنى فوق حافة القارب ونظر إلى أسفل؛ كان الماء عكراً، فلا يرى شيئاً. لم يرَ إلا انعكاسه هو فوق السطح: فم مفتوح وعينان جاحظتان، كأنه رأى شبحاً.

انتظر طويلاً.

طويلاً جداً.

ثم طفت عصا الحمل.

وتلتها سلة الإبر والخيوط. انفتح صندوق الإبر، فتبعثرت فوق الماء إبرة إثر إبرة، تلتقط ضوء الشمس وتبرق. كأن أحدهم نثر على سطح النهر حفنة نجوم فضية.

أما البائع فلم يطفُ.

لم يطف إلا في صباح اليوم التالي. كان وجهه إلى الأسفل، ويداه ممدودتان أمامه، كأنه يحاول تناول شيء. تجمدت أصابعه على هيئة خطاطيف، وامتلأت أظافره بالطين الغريني.

وحين انتشله تشِن، نظر إلى وجهه. لم يكن عليه ألم، بل سكينة عجيبة. كانت زاويتا فمه مرتفعتين قليلاً، كأنه رأى حقاً شخصاً ما؛ شخصاً انتظره دهراً.

وفي السنة الثانية كانت امرأة ذاهبة لزيارة أهلها.

كانت تضم إلى صدرها صرّة من قماش أزرق، فيها حلوى اللِّسْمَانْثُس وكعك الفاصوليا الخضراء لأهل بيتها. شمّ تشِن رائحتها. جلست المرأة في مقدمة القارب، مطرقةً لا تتكلم. سألها إلى أين تمضي، فقالت: إلى الضفة الأخرى. قال لها: أعلم أنها الضفة الأخرى، لكن أي قرية؟ لم تجب. نهضت، وشدت الصرّة إلى صدرها، ومشت خطوة خطوة نحو الحافة.

ناداها تشِن ثلاث مرات.

لم تلتفت.

وعند حافة القارب، أدارت رأسها فجأة. لم تكن تنظر إليه، بل إلى ما وراءه. لم يكن خلفه شيء سوى ريح فوق النهر. لكنها رأت شيئاً. تغيّر الضوء في عينيها؛ لم يكن خوفاً، بل تعرّفاً. كأنها عرفت إنساناً تعرفه منذ أعوام طويلة، يلوّح لها.

فقفزت.

والصرّة بين ذراعيها.

تناثرت حلوى اللِّسْمَانْثُس في النهر. طفت القطع على السطح، ثم ذابت من البلل؛ تشققت قشورها وظهرت أزهار اللِّسْمَانْثُس في حشوها. افترشت الأزهار الصفراء الماء. هبّت الريح فدفعتها نحو قلب النهر، إلى الموضع الذي تهوي فيه المياه جميعاً.

وفي السنة الثالثة كان هناك محاسب.

يعتمر قبعة مستديرة، ويضمّ مِعداداً. ظل يحرّك خرزاته طوال الطريق فترنّ وتطقطق، ويتمتم بالحساب: ثلاث سلاسل نقدية ودِشان، زائد خمس سلاسل وثماني نقود، ناقص سلسلتين ونقوداً واحدة... وحين وصل القارب إلى القلب سكت المِعداد. توقفت الخرزات. نهض الرجل، ووضع المِعداد مرتباً على ألواح القارب، ونزع قبعته ووضعها فوقه، ثم...

قفز.

كأن وقت العمل انتهى.

وكأن عليه أن يعود إلى بيته.

وفي السنة الرابعة كان شيخ متسوّل.

ثيابه بالية وشعره ككومة عشب فوضوي. أراد تشِن أن يأخذ منه قطعة نقد حين صعد، ففتش المتسوّل جميع جيوبه ولم يجد شيئاً. قال له تشِن: لا بأس، اصعد. قرفص الشيخ في مؤخرة القارب وانكمش على نفسه، وراح يغني على نحو غامض لحناً ما: «آه... آه... إي... إي...»؛ نغمة طويلة بلا كلمات. وبعد أن استمع إليه تشِن قليلاً، أحس أن ثمة خطأ. لم يكن اللحن يصعد، بل يهبط؛ يهبط نحو قاع الماء.

وحين بلغ القارب قلب النهر، نهض المتسوّل.

وكفّ عن الغناء.

التفت إلى تشِن. ظل تشِن يذكر تلك النظرة طوال حياته: لم تكن نظرة مجنون، بل نظرة رجل يفهم. كان يفهم كل شيء في قلبه. وحين قفز في الماء، كانت على شفتيه ابتسامة، كأنه وصل أخيراً.

وفي السنة الخامسة،

توقف تشِن عن العد.

وصار يحفر خطوطاً على جانب القارب بسكين، خطاً كل عام عند اقتراب بداية الخريف. وحين بلغ العاشر امتلأ الجانب كله، فانتقل إلى الجانب الآخر. وحين بلغ العشرين امتلأ الجانبان، ولم يبقَ موضع.

فصار العجوز تشِن يحفر بأظفاره داخل شقوق الألواح.

خطاً بعد خط.

كأنه يدون حساباً لنفسه.

إنسان واحد كل سنة.

لا أكثر ولا أقل.

كأن في قاع النهر شيئاً ما

يعد الرؤوس.

وحين يبلغ واحداً،

يمد يده ليأخذه.

تحدث تشِن عن ذلك مرة.

كان في مقهى البلدة مع بضعة من رفاقه الملاحين. يقع المقهى إلى جوار الرصيف، وأرضه مرصوفة بحجر أزرق يظل رطباً طوال العام، تترك عليه القدم آثار ماء. وطاولاته منحوتة من جذور دردار عتيقة كاملة، سوّدتها عقود من نقع الشاي حتى لمع خشبها. كانت رائحة الشاي تختلط برائحة الماء الزنخة في الغرفة، فلا تدري أهي عطر أم نتن.

طلب تشِن إبريقاً من شاي ماو جيان، وصب لكل واحد من رفاقه فنجاناً. ثم لم يشرب هو. أسند كفيه إلى الطاولة، والعروق على ظهرهما نافرة واحداً واحداً، وخفض صوته وقال:

— هذا المَعبر غير طاهر.

— ثمة شيء تحت قاع النهر.

سكت الرفاق جميعاً.

أطرقوا يشربون الشاي، وظل الكوب عند شفاههم زمناً من غير أن يبتلعوا. غطى بخاره الحار وجوههم حتى استحال تمييز تعابيرهم.

انتهى الشاي فصبّوا من جديد.

وانتهى ثانية فصبّوا ثانية.

حتى فقد الإبريق طعمه، وتفتتت أوراق الشاي من طول النقع وغاصت بقاياها في القاع. عندئذ تكلم أكبرهم سناً. كان اسمه هوانغ، في الثالثة والسبعين، دفع المراكب في هذا النهر خمسين عاماً. ابيضّ شعره كزبد النهر، وكان جلد ظهر يده رخواً تستطيع أن تقرص منه شِبراً، لكن قوته لم تفارقه؛ يدفع القارب بيد ويأكل بالأخرى.

تكلم العجوز هوانغ بصوت خافت،

كأنه يخشى أن يسمع شيء النهر.

— يا تشِن... أنت هنا منذ عشرين سنة فقط.

— هذا المَعبر،

— منذ زمن جدي،

— يموت فيه إنسان كل سنة.

توقف فنجان الشاي في يد تشِن،

معلقاً عند فمه.

راح الشاي يتماوج في الكوب. لم تكن يده هي التي ترتجف؛ كان الشاي نفسه يرتجف. نشأت دوائر على سطحه، دائرة بعد دائرة، تضرب جوانب الفنجان.

اقشعر قلب تشِن.

عشرون عاماً... لا تكفي حتى لغفوة.

وتابع العجوز.

قال إن الأمر كان قائماً حتى في أيام جدّ هوانغ، حين لم يكن على النهر جسر، وحين كانت العبّارات وحدها تصل بين الضفتين. وكان جدّه يقول إن سنوات الغرق في هذا النهر أقدم من المَعبر نفسه. ولا أحد يعرف متى بدأت. كل ما يعرفونه: واحد كل عام. لا يأتي قبل أوانه، ولا يتأخر عن موعده؛ في الأيام المحيطة ببداية الخريف بالضبط.

وفي سنة لم يمت أحد...

في تلك السنة فاض النهر.

وغمرت المياه سبع قرى على الضفتين.

وكان الموتى أكثر من أي سنة مضت.

لهذا صار أهل القرى، في ما بعد، يتمنون أن يموت أحد في النهر. يموت واحد، فتنعم السنة بالسلام. يموت إنسان لتحيا قرية في أمان. كانوا يحسبون هذه المعادلة بدقة تفوق دقة مِعداد المحاسب.

قال تشِن:

— ألم يفكر أحد قط في...

وقطع هوانغ كلامه في منتصفه،

ثم قطع صوته بنفسه.

— لا. لم يفكر أحد. لأنهم لا يجرؤون. إن أكثرت التفكير، عرف ذلك الشيء في القاع. يعرف أنك تفكر فيه، فيأتي إليك. لا يبحث عنك أنت، بل عن الفكرة في قلبك. يتبعها إلى أسفل، إلى أكثر موضع ليونة في داخلك، ويمد يده فيلمسه... فيعرف ما الذي تخشاه.

ما تخشاه هو ما يغويك به.

إن اشتقت إلى أمك، تشكل في هيئة أمك.

وإن اشتقت إلى ولدك، تشكل في هيئة ولدك.

وإن اشتقت إلى البيت، تشكل في هيئة الطريق المؤدي إلى البيت.

ولا أحد يقاوم ذلك.

اهتز فنجان الشاي في يد تشِن.

وانسكب الشاي.

وسال خطاً على الطاولة.

لم يسل ذلك الخط كيفما اتفق. ظل تشِن يراقبه: بدأ من تحت الفنجان ومضى نحو الطرف الآخر للطاولة. وفي منتصف الطريق انعطف فجأة. لم يتبع انحدار سطحها، بل عاكسه؛ صعد إلى أعلى، كأن يداً لا تُرى تقوده.

وصل الشاي إلى الطرف الآخر ثم توقف،

وتجمع في بركة صغيرة.

وكان شكل البركة...

شكل يد إنسان.

خمسة أصابع، وكف مقلوب إلى أعلى، كأنه ينتظر من يضع شيئاً فيه.

خفض تشِن رأسه ونظر إلى يده. كانت راحته غارقة بالعرق، يسيل مع خطوطها خطاً خطاً، كماء النهر حين يمر في مجارٍ متفرعة. رفع الفنجان بتلك اليد وشرب ما بقي من الشاي دفعة واحدة. التصق فتات الأوراق بلسانه، فمرّ طعمه حتى قطّب جبينه.

وضع تشِن الملاح الفنجان،

وسأل:

— ما ذلك الشيء... في النهاية؟

هز العجوز رأسه.

لم يقل شيئاً.

نهض ورحل.

ساد الصمت فجأة في المقهى المزدحم. حتى صاحب الحانوت الذي يحسب الحساب أمسك مِعداده، وضغط أصابعه على خرزاته، فلم يجرؤ أن يحركها. تسلل خيط شمس من السقف وسقط على بقعة الماء أمام تشِن. أخذت تجف تحت الشمس رويداً رويداً. وحين جفّت، بقيت على الطاولة طبعة مستديرة. وكانت الطبعة، مرة أخرى، يد إنسان: خمسة أصابع، والكف إلى أعلى.

بلغ العجوز الباب،

ثم توقف.

كان ظهره إلى تشِن. أكل الضوء الخارجي معظم ظهره المحدودب، فاختزل جسده إلى ظل؛ ظل أكلته الشمس أكثره. وقف على العتبة، قدم في الداخل وأخرى في الخارج، وقد شطرت العتبة ظله عند قدميه إلى نصفين.

ظل هوانغ واقفاً طويلاً، حتى حسب تشِن أنه نسي ما كان يريد قوله.

ثم تكلم.

كان صوته يخرج معصوراً من حنجرته. كل كلمة كحصاة مغلية، حارة قاسية، يقذفها من حلقه. يقذف كلمة فيتألم؛ فإذا فرغ بُحّ صوته.

— شبح الماء.

— إنه شبح الماء.

— شبح الماء يبحث عن بديل.

كان كل أهل النهر يعلمون ذلك، لكن أحداً لا يجرؤ على النطق به. إن نطقت، عرف أنك تتكلم عنه. ويستطيع أن يأتي متتبعاً الصوت، واهتزاز الهواء، وخوف القلب، وورقة شجر تسقط في الماء، وأي شيء يمكن أن يتصل بالماء. عندها يأتي.

تحرك ماء إبريق الشاي من غير ريح.

وتموج.

دائرة بعد دائرة تتسع إلى الخارج، كأن أحداً ألقى فيه حجراً.

لكن أحداً لم يلقِ شيئاً.

ولم يتحرك أحد.

ظل الجميع ينظرون إلى الإبريق، إلى الدوائر وهي تكبر وتسرع، حتى راح الماء في النهاية يفور كالمغلي ويخرج فقاعات متتابعة.

وكانت كل فقاعة تخرج من فوهة الإبريق تحمل معها رائحة. لم تكن رائحة شاي، بل رائحة طين نتنة: رطبة، فيها فساد الغرين الراقد في القاع.

ثم، بغتةً...

توقف كل شيء.

استوى السطح كمرآة،

يعكس الوجوه الشاحبة الحاضرة كلها.

نظر تشِن في الإبريق.

وكان على سطح الماء وجه زائد.

ليس وجهه، وليس وجه أحد في المقهى. وجه رجل في منتصف العمر لم يره قط. شعره طويل، طويل حتى غطى معظم وجهه، ولم يبقَ ظاهراً سوى عين واحدة. كانت تلك العين تنظر إليه من ماء الشاي، وترمش مرة، ثم مرة أخرى.

وحين خرج تشِن من المقهى، أسقط ثلاثة مقاعد خشبية في طريقه.

للمرة الأولى في حياته فهم معنى أن يكون الشيء خارج كل منطق.

لم يكن البشر هم من لا يتبع المنطق.

بل ذلك الشيء في النهر.

لا يناقشك بمنطق.

إنه لا يعرف إلا القواعد.

قواعده هو.

عاد تشِن إلى بيته تلك الليلة، وجلس على سريره حتى الصباح. كان النهر خارج النافذة يجري تحت ضوء القمر. أنصت إلى خريره. سمع الماء منذ صغره عشرات السنين ولم يخف منه قط. لكن تلك الليلة لم تكن كهذه من قبل. كان في الصوت شيء لم يكن فيه؛ ليس صوتاً، بل صمتاً تحت الصوت. كأن إنساناً يقف وراء ظهرك بلا همس، وأنت تشعر به. تستدير فلا تجده. ثم تدير رأسك ثانية... فيعود هناك.

وقبيل الفجر، سمع تشِن صوتاً.

جاء من ضفة النهر،

وصعد من تحت الماء.

كان أحد يتنهد.

زفرة طويلة.

شهيق... زفير...

لم تكن فوق السطح، بل في القاع، في عمق سحيق من الماء.

ثم سمع اسماً.

آ هينغ.

اسم ابنته.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.