كان للعجوز تشِن ابنة.
اسمها آ هينغ.
في السابعة.
مولودة في عام الخروف.
شعرها أصفر خفيف، يضفره ضفيرتين وتربط في كل منهما زهرة حمراء؛ هكذا كانت أمها تفعل حين كانت حية.
كانت أم آ هينغ تدعى آ تشين، امرأة جميلة. جلدها أبيض كبيضة مقشّرة، وعيناها صغيرتان لكنهما متألقتان. وإذا ابتسمت، أضاء النور فيهما رقعة واسعة من سطح النهر. نشأت آ تشين وتشِن صديقين منذ الطفولة؛ عاش البيتـان قرب الماء، وكبرا وهما يصطادان السمك والروبيان في النهر. وكانت سبّاحة بارعة، تحبس أنفاسها تحت الماء مدة أطول من تشِن نفسه. وأعظم ما اعتز به في حياته أنه تزوج آ تشين.
لكن الماء شيء غريب.
كلما اقتربت منه،
زادت سهولة أن يستردك إليه.
غرقت آ تشين في النهر في خريف قبل عامين.
وكان يوم بداية الخريف أيضاً.
كانت تغسل الثياب عند الضفة، تضربها بمضرب من خشب الكافور، فيبلغ صوت الطرق الضفة الأخرى. هب نسيم خفيف فبعثر شعرها. وضعت المضرب ومدت يدها لترتبه؛ وفي رمشة عين انزلقت الدرجة الحجرية تحت قدميها. كان عليها طحلب رقيق لا يُرى. داسته آ تشين فكأنه دهن، فمال جسدها إلى الخلف... وسقطت في الماء.
كان تشِن يدفع قاربه عند الضفة المقابلة. حين سمع الصوت واستدار، لم يرَ إلا دوائر الماء تمضي نحو القلب.
غرس المِجداف في النهر ودفع بجنون نحوها. لم يقطع إلا مسافة قصيرة حتى توقف القارب. كأن الماء تحته قد أُقفل بشيء. دفع بكل قوته، فارتفع طين أسود في موضع غرس المِجداف، لكن القارب لم يتحرك. كأن رجلاً تحت القاع يمسكه بيدين، ويشدّه بقسوة.
فقفز تشِن إلى الماء.
وفتح عينيه فيه.
فرأى ظلاً.
كان في عمق عميق جداً، وشعره يطفو كالأعشاب المائية. مدّ يديه إلى الأعلى يحمل بهما شخصاً. كانت آ تشين. عيناها مغمضتان وفمها مفتوح، وسلسلة من الفقاعات تصعد منه. وكان الظل يحملها إلى الأعماق، لا إلى أعلى، بل إلى أسفل.
غاص تشِن.
وفي منتصف الغوص رأى يد آ تشين تمتد.
كانت اليد نحوه.
فظن أنها تستغيث به.
لكنها لم تكن كذلك.
كانت تقبض زهرة حمراء.
الزهرة التي في ضفيرتها.
كانت تمدها إليه.
لم تكن تستغيث.
كانت تودع وصيتها الأخيرة.
لم يستطع تشِن أن يلتقط الزهرة.
كان التيار أعنف من أن يسمح. انفلتت من يد آ تشين وصعدت نحو السطح. وحين بلغت منتصف الطريق، خرجت يد من القاع وأمسكتها فجأة. كانت اليد شفافة. قبضت الزهرة وانكمشت بها في العمق، بسرعة لم تترك لتشِن وقتاً ليرى الظل. لكن عينيه رأتا الحركة بوضوح: بعد أن التقطت اليد الزهرة، أعادتها إلى كف آ تشين وأطبقت أصابعها عليها من جديد.
ثم حمل الظل آ تشين وغاص بها في أعمق طين في قاع النهر.
وحين غاص تشِن أكثر، تشابكت الأعشاب المائية في قدميه. ظل يصارع طويلاً، وحين أفلت منها لم يجد شيئاً في القاع: لا آ تشين، ولا الظل، ولا الزهرة. لم يبقَ سوى ماء أخضر داكن لا نهاية له، وآثار مخطوطة على القاع كأن شيئاً ما جُرّ فوقه.
لم يُنتشل الجثمان إلا بعد ثلاثة أيام.
وقال أهل القرية إن ما في القاع أرخى قبضته.
وكانت اليد لا تزال تقبض الزهرة الحمراء. قبضة شديدة حتى ابيضت المفاصل. حاول عدة رجال أن يفتحوا أصابعها فلم يستطيعوا؛ بدت الزهرة كأنها نبتت في راحة يدها. وأخيراً اقترب تشِن ووضع يده فوق يد آ تشين وقال برفق:
— اطمئني يا آ تشين. سأرعى آ هينغ. اذهبي مطمئنة.
وما إن انتهى صوته،
حتى تراخت أصابع آ تشين واحدة إثر أخرى.
وسقطت الزهرة،
في كف تشِن.
كانت مبللة، وما زالت حمراء. قضت ثلاثة أيام في الماء ولم يبهت لونها مقدار ذرة، كأن الأشياء في القاع تحب تلك الزهرة أيضاً.
كانت آ هينغ تحب الركض إلى النهر.
وكان تشِن يمنعها.
يوصد الباب، فتتسلق النافذة. لم تكن عالية؛ كانت تقف على مقعد وتخرج. ثم تقرفص على الدرج الحجري عند المَعبر، تنظر إلى الماء، وإلى القوارب، وإلى العابرين، وإلى ما في قاع الماء.
وحين يجدها تشِن يكاد ينفجر غضباً. يجرها من أذنها إلى البيت، فتركض قدماها على الأرض وتفقد حذاءً. يسقط الحذاء على الدرج ويجرفه الماء. تنظر آ هينغ إليه يبتعد فجأة وتضحك قائلة:
— أمي التقطته. أمي أخذت حذائي.
كان يضربها حتى تخدر يده، فلا تبكي. تنظر إليه بعينيها السوداوين. كانتا كعيني آ تشين: براقتين إلى حد أنك تكاد ترى قاعهما إن هززتهما. لكن عيني آ تشين كانتا تريان الأحياء؛ أما عينا آ هينغ فكانتا تريان الموتى.
قالت آ هينغ:
— أبي، رأيت أمي.
— إنها تحت الماء، وتلوّح لي.
قرفص تشِن. ضغطت ركبتاه على العتبة، وشعر بالبرد يصعد من عمق الأرض. لم يكن برد السطح؛ كان برداً ينفذ من مكان بعيد جداً، يعبر التراب والحجر وخشب العتبة، ويصعد من عظام ركبتيه إلى قلبه.
قال لآ هينغ بصوت خافت. كل كلمة كانت تخرج من بين أسنانه:
— آ هينغ.
— اسمعي كلام أبي.
— في هذا النهر شيء.
— شيء قذر.
— إن سقطتِ فيه،
— فسأردم هذا النهر.
— أفهمتِ؟
— أردمه.
— كله. سأقلب حتى قاعه. أياً يكن ذلك الشيء، سأمنعه من الخروج إلى الأبد.
أومأت آ هينغ.
لكن عينيها ظلتا على سطح النهر.
تنظران إلى الماء، وإلى ما تحته مما لا يراه سواها. انعكس الضوء المائي في عينيها، وانكسر إلى آلاف القطع، فابتلعتها حدقتاها السوداوان قطعة قطعة. كان شيء يتحرك داخل الحدقتين؛ ليس ضوءاً، بل ظل إنسان في القاع.
وحين فرغت من النظر، التفتت إلى أبيها وسألته فجأة:
— أبي، من ذلك الذي يقف إلى جانب أمي؟
— طوله قريب من طولك.
— شعره طويل جداً.
— يغطي وجهه.
ارتجفت يد تشِن. نظر إلى يده، فإذا أصابعه تيبست كالخطاطيف، مثل أصابع البائع الجوال في ذلك العام. أجبرها على الانفتاح، فطقطقت مفاصلها.
حمل آ هينغ إلى البيت وأوصد الباب.
وسمّر كل النوافذ. وضع ثلاثة ألواح فوق كل واحدة، وغرس المسامير ثلاثة أصابع في الخشب حتى تشقق. استعار من النجار أكبر المسامير الحديدية، وظل يضربها بالمطرقة، ضربة إثر ضربة. كان الصوت يسمع عبر النهر: طَق... طَق... طَق... كأنه يصنع تابوتاً.
جلست آ هينغ على السرير تراقبه، وتحتضن دمية قماشية خاطتها آ تشين في حياتها. كان وجه الدمية مخيطاً على اعوجاج، وإحدى عينيها أعلى من الأخرى، وابتسامتها أقبح من البكاء. لكن آ هينغ كانت تحبها وتحملها كل يوم.
احتضنت الدمية، وخاطبت النافذة من خلف الألواح السميكة:
— أمي، أبي غاضب.
— سمّر النافذة.
— لن تعودي ترينني.
— لا تقلقي يا أمي. لن أذهب بعيداً. سأنتظرك هنا في البيت.
انتهى تشِن من التسمير، والتفت فرآها تقول ذلك. سقطت المطرقة من يده على مشط قدمه، ولم يشعر بألم.
أخرج من خزانة الغرفة الداخلية شيئاً.
زهرة حمراء.
تلك التي كانت آ تشين تقبضها.
ضغطها في كفه، أشد مما ضغطتها هي، حتى تهشمت بتلاتها داخل راحته وصارت فتاتاً. تسرب الفتات الأحمر من بين أصابعه إلى الأرض، كقطرات دم.
لم تعد آ هينغ قادرة على الخروج، فبقيت في الغرفة.
وبقيت حتى نامت.
وحين نامت، بدأت تهذي.
قالت في حلمها:
— أمي... من الرجل الذي يقف بجانبك؟... شعره طويل... يحجب وجهه... لا أراه... أمي... قولي له أن يرفع وجهه... دعيني أراه... أمي... لقد رفع رأسه... ليس له وجه... لا، ليس لأنه غير ظاهر... بل لأنه لا يملك وجهاً... وجهه مستوٍ... مستوٍ كالماء... أمي... مد يده ليلمسني... يده باردة... أبرد من يدك... أمي...
تكون على زجاج النافذة بخار ماء رقيق. لم يكن من الخارج، بل من الداخل، من هواء الغرفة نفسه. سال البخار على الزجاج، وفي منتصفه انعطف. لم يهبط مستقيماً، بل انعطف كإصبع لا يُرى يكتب.
خطاً بعد خط.
ثلاث ضربات في مجموعها.
— وُجِدْتِ.
ثم توقف ذلك الإصبع على الزجاج وكتب ثلاث كلمات أخرى:
— آ هينغ هي...
ولم تكتمل الكلمة الأخيرة.
ضرب تشِن الزجاج بكفه ومسح السطر. التصق البخار براحة يده وكان برده يخترق العظم. وما إن رفعها حتى تكوّن على الزجاج بخار جديد، وظهرت فيه كلمات أخرى:
— لن تستطيع منعي.
وضع تشِن كفه عليه مرة أخرى. هذه المرة لم يمسح الكلمات، بل غطاها براحة يده. شعر ببرودة تنبض فيها. أتت البرودة من خارج الزجاج... لا، الخارج هو الخارج، وهذه البرودة جاءت من داخله. لم يكن ذلك الشيء خارج البيت، بل في البيت، إلى جواره، واقفاً بينه وبين آ هينغ. كان يحس أنه لا يفصل بينه وبين الفتاة النائمة إلا طبقة هواء لا تُرى؛ وفي تلك الطبقة يقف شيء مطرق الرأس ينظر إلى آ هينغ.
أدار تشِن رأسه.
فلم يرَ شيئاً.
لكنه شم رائحة.
رائحة ماء، لا ماء نظيف، بل ماء عفن مدفون في غرين النهر منذ زمن لا يُحصى؛ فيه تعفن الأعشاب، وموت السمك والروبيان، وحلاوة نتنة لا اسم لها... كرائحة الدم حين يذوب في الماء.
قفز تشِن من السرير،
وهز آ هينغ حتى أفاقت.
فتحت عينيها في ضباب. لم يكن ضباب النعاس، بل شيء آخر، كأن أحداً أسدل في عينيها ستاراً رقيقاً. كان شيء يتحرك وراء الستار، ينظر إلى تشِن، إلى عرقه، إلى خوفه.
قالت آ هينغ:
— أبي، ما بك؟ وجهك كله عرق.
لم يستطع أن يجيب.
رأى تشِن شيئاً خلف عنق آ هينغ، منعكساً على زجاج النافذة المكسو بالبخار: طبعة يد على عنقها من الخلف، زرقاء بنفسجية، خمسة أصابع واضحة، كأن أحداً خنقها. خنقها في الماء، في ماء عميق جداً، وترك هذه الطبعة.
مد يده ليلمسها، وما إن مس عنقها حتى انكمشت آ هينغ.
قالت:
— يدك باردة جداً يا أبي.
نظر تشِن إلى يده. كانت أطراف أصابعه مبللة. لم يكن عرقاً، بل ماء النهر، يحمل رائحة الغرين.
رفع شعر آ هينغ واقترب من الطبعة. لم تكن كدمة؛ كانت أعمق من كدمة. اللون يصعد من تحت الجلد، من الأوعية، ويتمدد على مساراتها كجذور شجرة. أصلها عند العنق، حيث تفرقت الأصابع الخمسة، وفروعها الرفيعة تمتد إلى الترقوة ولوحي الكتف والعمود الفقري.
قالت آ هينغ:
— لا يؤلمني. لا يؤلمني أبداً. أشعر ببرودة فقط، كأن أحداً ينفخ في عنقي. ينفخ ثم يذهب، ثم يعود وينفخ. وبعد قليل لا أعود أشعر بالبرد، بل كأن أمي تلمسني. يد أمي باردة هكذا.
وفي القرية عند الضفة الأخرى كانت عرّافة.
اسمها باي.
تجاوزت التسعين.
كانت عمياء منذ عشرين سنة، لا ترى شيئاً، لكنها تعرف كل شيء. تعرف أين تستقر كل ورقة تقع في النهر، وأي طبقة من القاع تسبح فيها كل سمكة، وكم عمق الحفرة تحت الماء، ومن يقف فيها. كانت ترى بعينيها المغمضتين أكثر مما يراه المبصرون.
حمل تشِن آ هينغ على ظهره وذهب إليها.
كانت آ هينغ نائمة على ظهره. خفتت طبعة اليد الزرقاء البنفسجية على عنقها، لكنها بقيت، مثل وشم بهت نصفه. وظلت خطوط الأصابع والكف ظاهرة. لم تكن خطوط كف طفلة، بل كف بالغ، خشنة وعميقة متفاوتة. وكان خط الحياة فيها قصيراً، نصف طول خطوط الناس.
عاشت العجوز باي عند سفح جبل في الضفة الأخرى، في فناء صغير مبني بالحجر. تسلق الطحلب جدرانه، نصف إصبع من الطحلب الأخضر المسود. بابه لوحان خشبيان يصدران صريراً إذا دُفعا. لا دجاج ولا كلاب في الفناء، بل شجرة سُفْرَج قديمة تغطي نصفه بتاجها، فيبقى مرعباً حتى في النهار.
كانت العجوز باي جالسة في الفناء أمام طاولة حجرية، وفوقها وعاء ماء مغروف مباشرة من النهر: عكر أصفر، ما زالت فيه أعشاب مائية لم ينتزعها أحد.
أنزل تشِن آ هينغ إلى جوار الطاولة. استيقظت وفركت عينيها، ونظرت إلى العجوز باي، ثم إلى الوعاء. حدقت فيه وقالت فجأة:
— جدتي، هناك سمكة في الماء.
تحرك جفن العجوز باي. كانت عمياء، وما خلف جفنيها فارغ، ومع ذلك تحركا. لم يكونا نحو آ هينغ، بل نحو الوعاء.
قالت:
— ليست سمكة. ما رأيتِه ليس سمكة.
سألت آ هينغ:
— فما هو؟
لم تجب العجوز. مدت يدها فوق الوعاء وتركتها معلقة. بعد لحظة دار الماء من تلقاء نفسه؛ لا مع عقارب الساعة ولا ضدها، بل يتناوب الاتجاهين كأن يدين تتصارعان تحته، إحداهما تدفع إلى الداخل والأخرى إلى الخارج. تناثرت القطرات إلى الطاولة الحجرية، ولم تنبسط، بل تجمعت حبة حبة في صف: سبع قطرات على هيئة نجوم الدب الأكبر.
أدخلت العجوز باي يدها في الوعاء.
وحين أخرجتها كانت خضراء كلها، خضراء كأنها نبت عليها طحلب. لم يكن اللون على سطحها، بل تسرب إلى الجلد وشقوق الأظافر وخطوط الكف. قربتها من أنفها وشمّتها، فعقدت حاجبيها، ثم عقدتهما أكثر.
قالت بصوت يتسرب من شفتيها الجافتين المتشققتين:
— فات الأوان.
— لقد اختارها.
— في بداية الخريف هذا العام...
— آ هينغ ابنتك...
— هي البديل.
هبّت ريح فجأة في الفناء، فخشخشت أوراق شجرة السُّفْرَج العتيقة. كانت الأوراق خضراء، لكن الريح أسقطت منها أوراقاً صفراء يابسة، كأن الخريف سبق الصيف. طارت الأوراق اليابسة إلى وعاء الماء فوق الطاولة الحجرية وغطت سطحه. فتوقف دوران الماء فجأة. سكن. واستوى السطح كأن شيئاً لم يحدث.
لكن تشِن رأى.
تحت الماء الذي غطته الأوراق اليابسة كانت عينان تنظران إليه. من داخل الوعاء، من قاعه، عبر تلك الأوراق. كان انعكاس رجل تحت الماء يحدق بعينين لا تكونان إلا للموتى، ينظر إليه عبر قاع الوعاء، ثم يرمش.
ركع تشِن.
ضربت ركبتاه الأرض بصوت مكتوم، فارتفع غباران من الحجر الأزرق. طار الغبار إلى الوعاء، لكن الماء لم يتغير لونه؛ ابتلعه كما لو أن الغبار لم يكن موجوداً قط.
— يا جدة باي، أرجوك... ليس لي إلا هذه الابنة.
لم تتحرك العجوز باي. تدلت تجاعيد وجهها خطاً خطاً كأعشاب القاع في اتجاه التيار. وانخفض طرفا فمها حتى شكلا قوساً عميقاً؛ لم يكن بكاء، بل تعبيراً أثقل من البكاء.
هزت رأسها.
— ليس لأنني لا أريد إنقاذها.
— بل لأنه لا إنقاذ.
— أن يبحث شبح الماء عن بديل، هذه قاعدة من قواعد دورة الوجود؛ أقرها ملك الجحيم، ولا يغيرها أحد. كانت القاعدة موجودة منذ ظهر أول نهر في الدنيا. الغريق لا يستطيع أن يتناسخ مباشرة. الماء يحبس روحه. الروح في الماء كالخل في جرّة: إن لم تفتح الجرّة، لن يخرج الخل أبداً. ولكي تفتحها، لا بد أن يجلس شخص مكانك فيها. ذلك هو البديل. تسد فوهة الجرّة بغيرك، فيبقى هو فيها وتخرج أنت. لقد اختارك الشيء. إنه ينتظر شخصاً يقف في الحفرة تحت الماء بدلاً منه، ثم يستطيع هو أن يولد من جديد.
— وابنتك...
— ستقف في تلك الحفرة مكانه.
— حتى يأتي التالي.
— إما أن يأتي من يحل محلها،
— أو تبقى حتى تتبدد روحها.
نهضت العجوز باي.
وكان الماء لا يزال يقطر من يدها، لا من الوعاء، بل من بين أصابعها هي. ماء أخضر، قطرة قطرة على الحجر الأزرق. أدارت ظهرها لتشِن، وكان ظل شجرة السُّفْرَج قد ابتلع نصف جسدها المحدودب. أما ذراعها التي بقيت في الشمس فكانت عروقها ناتئة واحداً واحداً، خضراء لا زرقاء، كأن الطحلب ينبت من تحت جلدها.
قالت:
— بقي سبعة أيام.
— بعد سبعة أيام تأتي بداية الخريف.
— لا توجد إلا هذه الفرصة كل عام. في ذلك اليوم يبرد النهر وتتغير أنفاس السماء والأرض. يضعف يانغ الأحياء إلى أقصى حد، ويشتد يين شبح الماء إلى أقصى حد. في ذلك اليوم سيتحرك حتماً. فكّر جيداً: أتريد حياة ابنتك أم حظها؟ إن تشتت الحظ، كان الحي ميتاً. وإن ذهبت الحياة، صار كل شيء نظيفاً.
ظل تشِن راكعاً مطرقاً.
مد يده إلى صدره فوجد شيئاً: الزهرة الحمراء التي سحقها في قبضته، صارت فتاتاً ملفوفاً بقطعة قماش. أخرج اللفافة ووضعها في كفه.
كانت العجوز باي تدير ظهرها، لكنها بدت كأنها رأتها.
قالت:
— تلك الزهرة لا ترد شبح الماء، لكنها تجعل لابنتك رفيقاً تحت الماء. إن أمسك بيدها شخص تعرفه، فلن تخاف كثيراً.
نهض تشِن من الأرض، فطقطقت ركبتاه. ظل الغباران فوق الحجر، ثم بعثرتهما الريح. حمل آ هينغ واتجه إلى المَعبر. كانت قد استيقظت، وذقنها على كتفه. لم تسأل إلى أين. التفتت إلى الخلف مرة واحدة، فرأت العجوز باي لا تزال في الفناء تواجهها بعينيها العمياء، وتحرك شفتيها بكلمة لم تسمعها آ هينغ، لكنها عرفت معناها.
قالت الجدة:
— لا تخافي.
مشى تشِن وهو يبكي. كانت دموعه تسقط على الطريق الترابي، فيمتصها الغبار وتتحول إلى كتل طين صغيرة. يمشي فيسحق كتلة؛ فتتحول إلى رماد تحمله الريح.
وحين بلغ المَعبر، سالت دموعه إلى النهر. تذوق الماء الملح، فنهض عند قلبه دوّار صغير، بحجم فوهة حوض فقط، لكنه كان يدور بعنف. وبينما يدور أضاء وسطه فجأة؛ لم يكن ضوءاً، بل عينين تنظران من عمق بعيد جداً عبر الدوامة، إلى رجل الضفة، إلى الطفلة النائمة على ظهر تشِن.
لم تكونا عيني شِن سان.
بل عينين أخريين، أقدم وأعمق، وأشبه بالنهر نفسه.
كان ذلك هو النهر.
النهر يراقب.
والنهر ينتظر.
ينتظر سبعة أيام أخرى.
ينتظر بداية الخريف.
وينتظر ذلك الشيء الذي انتظره عبر آلاف آلاف من فصول الخريف: ذلك الشيء السنوي.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.