كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق — الفصل 3
الفصل السابق

08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

كان اسمه شِن سان.

وكان في حياته ملاح هذا المَعبر.

اختار له أبوه الاسم كيفما اتفق. كان أخواه الكبيران شِن دا وشِن أر، فلما جاء دوره لم يتعب أبوه نفسه بالتفكير فسماه شِن سان: الثالث. كان الأب صياداً أميناً قضى عمره عند النهر، قليل الكلام كحجر في الماء. وكانت أمه من قرية الضفة الأخرى، جميلة في شبابها، ثم انحنى ظهرها في الشيخوخة كقوس. رافق شِن سان أباه في النهر منذ طفولته: الأب يصيد وهو يجمع الشباك عند مؤخرة المركب. وظل يجمعها حتى كبر، وحين كبر تولى عمل أبيه؛ لم يعد يصيد، بل صار يدفع العبّارة.

دفع القارب اثني عشر عاماً. كان ينهض كل يوم قبل الفجر، يجر القارب من مرساه تحت الدرج الحجري. كانت ألواحه قد نقعت الماء طوال الليل، فتسيل منه القطرات حين يرفعه. يدفعه إلى النهر، فيغمر الماء مشط قدميه، فيشهق من البرد. ثم يغرس مِجدافه الطويل... ويبدأ يومه.

وفي صباح يومه الأخير بعد اثني عشر عاماً، ظل جفنه الأيمن يرتعش. لم يبالِ؛ ظن أنه لم ينم جيداً. كان قد دفع المركب إلى حلول الظلام في الليلة السابقة، وأعاده متلمساً طريقه بعدما لم يعد يرى شيئاً. نام من فرط التعب، لكنه استيقظ والجفن لا يزال يرتعش. ضغطه بإصبعه فتوقف، وما إن رفعها حتى عاد.

كانت أمه تخبز فطائر عند الموقد، يفترش عجينها المقلاة بصوت أزيز. كان يشرب وعاء عصيدة من الذرة، ساخنة تحرق فمه، فنفخ فيها. وعند النفخ لاحظ أن العصيدة تهتز؛ لم تهتز يده، بل الوعاء نفسه. دارت العصيدة مع عقارب الساعة مرة ثم عكسها مرة. ظن زلزالاً، لكن شيئاً لم يهتز سواه. ثم توقف، وبقيت على سطح العصيدة طبعة دوامة.

سأل أمه:

— ما تاريخ اليوم؟

قالت:

— بداية الخريف.

أنهى عصيدته، ووضع الوعاء ونهض للخروج. وعند الباب نادته أمه:

— يا ثالثي.

التفت. كانت عند نار الموقد، فلا يظهر وجهها، بل ظل أسود محدودب.

قالت:

— عُد باكراً اليوم.

قال:

— حاضر.

وخرج.

تلك كانت آخر مرة يسمع فيها صوت أمه وهو حي. لم يتذكرها جيداً، لأن العبارة كانت عادية جداً: «عُد باكراً اليوم». كانت تقولها كل يوم، وكان يجيب كل يوم: «حاضر». لم يرَ فيها شيئاً خاصاً قط.

لكن ذلك اليوم لم يكن عادياً.

لم يستطع أن يعود باكراً.

بل لم يعد أبداً.

ظل شِن سان يدفع القارب طوال النهار حتى عجز عن رفع ذراعيه من الألم. بعدما ارتفع الماء اشتد التيار، وصار عبور حمولة واحدة يحتاج إلى ثلاثة أضعاف القوة المعتادة. ابتل جسده كله، فلا يدري أعرق هو أم مطر. انفتحت تكلسات راحتيه وظهر تحتها لحم وردي طري. وكان كل دفع للمِجداف فوق ذلك اللحم يؤلمه حتى يكشر عن أسنانه.

كاد الليل يحل.

توقف المطر. انشق السحاب عن شق يظهر منه خيط أحمر من السماء. كانت الشمس تهبط وراء الجبل، فتحرق نصف الأفق بحمرة.

أوصل آخر ركاب يومه عبر النهر وكان يستعد للانصراف. دفع القارب إلى المَعبر وغرس المِجداف في شق الدرج الحجري ليستعد للصعود. ثم سمعه.

صوتاً ينادي من الضفة الأخرى.

لم يكن نداءً عادياً، بل صوتاً ممزقاً من الحنجرة. لم يكن كلاماً بل عويلاً. كل مقطع منه مزق الخوف حتى صار إبرة حادة تخز الهواء.

— النجدة!

— طفل سقط في النهر!

— أيها الناس!

وحين التفت شِن سان رأى الماء. كان رأس صغير يطفو ويغيب. حين يعلو يظهر شعر مبلل على رأسه. كان صبياً في السابعة أو الثامنة، يداه تضربان السطح عشوائياً، والفقاعات تخرج من فمه وتنفقئ واحدة إثر أخرى.

كانت امرأة تقف على الضفة، أمه. دخلت قدماها الماء حتى بلغ فخذيها، لكنها لم تكن تعرف السباحة. وقفت هناك تصرخ نحو قلب النهر. لم تعد تصرخ كلمات، بل تسكب ما في أعمق صدرها. ومع كل صرخة تخطو خطوة أخرى إلى الداخل؛ كانت على وشك أن تموت مع طفلها.

وفي تلك اللحظة قرر شِن سان.

جاء القرار سريعاً حتى إنه لم يدرك أنه اتخذه. اختار جسده قبل عقله. ألقى المِجداف؛ دار في الهواء مرات ثم سقط في النهر وانجرف مع التيار. تراجع خطوة إلى نهاية الدرج، ثم ركض إلى الأمام: ثلاث خطوات، إلى الحافة، ثم قفز.

كان رأسه فارغاً وهو يقفز.

لا شيء فيه.

لا خوف ولا تردد، ولا فكرة عن مهارته في السباحة، ولا عن شدة الماء، ولا عما في القاع، ولا عن قول أمه: «عُد باكراً اليوم». لم يفكر في شيء.

قفز وحسب.

قفز لينقذ إنساناً.

كان ذلك أكثر اختيار غريزي في حياته، حتى إنه لم يكن «اختياراً» بقدر ما كان أمراً وُلد ليفعله. كل ما فعله في عمره، من تعلم دفع القارب إلى تعلم السباحة إلى ثلاثين عاماً قضاها فوق النهر، كان تمهيداً لتلك القفزة. كل ما قبلها مقدمة، وتلك القفزة وحدها هي الحكاية.

لكنه لم يعرف أن الحكاية أقصر كثيراً من المقدمة؛ لم تستغرق حتى نصف وقت احتساء شاي.

كان الماء عنيفاً، لا جرياناً مألوفاً، بل سيل ما بعد الفيضان. انقلب الرمل والطين فلا يرى شيئاً. كان القاع عكراً إلى حد أنه لا يرى يده. سبح نحو الصبي بالإحساس؛ يسبح ضربة فتدفعه الموجة نصف ضربة إلى الخلف، ثم ضربة أخرى فترده أكثر. أحس نفسه سمكة تعاكس التيار، قد كشط الماء حراشفها كلها وصار لحمها يحتك بالموج.

كانت الأمواج تندفع إلى وجهه واحدة إثر أخرى، لا تصفقه بل تهشمه. كل موجة يد مفتوحة تهوي على وجهه. لم يستطع فتح عينيه، وامتلأ فمه بالماء، وفيه رمل يطحن أسنانه حتى تصدر صريراً.

بلغ شِن سان الصبي.

لم يعد الصبي يتحرك كثيراً. توقفت أطرافه عن الضرب كأنه استنفد قوته. عيناه نصف مغمضتين وشفتاه بنفسجيتان. كان رأسه الصغير يغوص، حتى لم يبق فوق السطح إلا طبقة شعر، ثم غاص أكثر، فاختفى الشعر ولم يبق إلا جزء ضئيل من فروة الرأس.

اندفع شِن سان إلى الأسفل. فتح عينيه تحت الماء فرأى جسم الصبي، أطرافه مفتوحة وهو يهبط، وأصابعه ملتفة قليلاً كأنه يريد التشبث بشيء. لكن الماء لم يكن فيه شيء إلا الأصفر اللامتناهي الممتزج بالأسود؛ والأسود طين قاع النهر المنقلب. وكان شيء يتحرك في ذلك الطين... ليس سمكاً.

لم يرَه شِن سان بوضوح.

أمسك ياقة الصبي من الخلف ورفعه. كان ثقيلاً، أثقل بكثير من الحي، ثقل ماء دخل جوفه. أخرج رأسه فوق السطح وطفا هو أيضاً ليلتقط نفساً، ثم بدأ يجره إلى الضفة.

كان يفصله عن الضفة تشانغ واحد.

تشانغ واحد... في الأيام العادية لا يحتاج إلا دفع المِجداف مرتين. لكن ذلك اليوم لم يكن عادياً؛ كان التشانغ فيه أبعد من مئة لي في أي يوم آخر. عاد التيار من عند الضفة يدفعه ويمنعه. كلما تقدم قدماً أعاده نصف قدم. بلغت قوة ذراعيه حدها، وبرزت أوتار كتفيه واحدة إثر أخرى حتى كادت تنقطع.

لم يبق إلا نصف تشانغ.

عندها شعر شبح الماء بشيء يلتف حول قدميه.

بدأ بخيط واحد، بارد لين، يلتف من كاحله. حسبه عشبة مائية، ففي النهر أعشاب وهذا أمر طبيعي. رفسه ليبعده، فلم يفلح. بل التف خيط آخر؛ لم يكن ليناً، بل متيناً كحبل من جلد. التف الثاني عند ركبته، ثم الثالث عند فخذه. نظر إلى الماء العكر فرأى ظلالاً. لم تكن ظلال أعشاب، بل ظلال أصابع: خمسة أصابع تشد قدميه.

أراد شِن سان أن يصرخ. وما إن فتح فمه حتى اندفع الماء داخله. لم يكن ماء السطح، بل ماء القاع؛ أبرد بكثير، حتى انقبض حلقه وانضغط الهواء من رئتيه. صار الهواء فقاعات تتوالى إلى الخارج، تأخذ معها آخر ما فيه من دفء.

ومع ذلك لم يترك الصبي.

ظل يمسك ياقة الطفل بيد ويدفعه بالثانية نحو الضفة. دفعة فطفا الطفل نصف قدم إلى الأمام، ثم دفعة ثانية فتقدم نصف قدم آخر. بلغ الطفل الماء الضحل، حيث لا يبلغ العمق إلا الخصر. دوى صوت «شَشْ»؛ كان صوت أهل الضفة وهم يندفعون إلى الماء. أمسكوا بالطفل.

ورأى شِن سان عبر الماء العكر أن الطفل سُحب إلى الشاطئ، واستقبلته يدان بعد يدين، ثم ضمته أمه. ركعت عند الضفة ووضعت رأسه على ركبتيها. أخرج الطفل دفعة ماء، ثم أخرى، ثم بكى بصرخة عالية.

سمع شِن سان تلك الصرخة،

من تحت الماء،

عبر تشانغ من العمق،

وعبر عكر الرمل والطين،

وعبر التفاف الأعشاب والأصابع.

سمعها.

كان الطفل حياً.

فاطمأن شِن سان.

ثم حاول أن يسبح إلى أعلى ليطفو رأسه فوق الماء. لكن ما عند قدميه شده إلى أسفل. لم يكن شداً بل سحباً، سريعاً، كأن في قاع النهر فماً يمتصه. نظر إلى الأسفل؛ لم يرَ شيئاً في العكر، لكنه أحس به. لم تكن يداً واحدة، ولا اثنتين ولا ثلاثاً، بل أيدٍ كثيرة. كانت أصابعها تعلّق بعظام ساقيه، فتسحبه إلى أسفل، ثم أسفل، إلى مكان لم يعلم بوجوده قط.

رأى شِن سان ضوءاً.

كان بعيداً عالياً، ضوء السطح النافذ إلى الماء، أصفر يشوبه قليل من الأحمر؛ لون شمس على وشك الغروب فوق النهر. قطعه الرمل والأعشاب في منتصف الطريق، فلم يبق منه إلا خيط شاحب عائم.

مد شِن سان يده إلى ذلك الضوء. تفرقت أصابعه، ورسمت رؤوسها خمس تموجات دقيقة في الماء.

ابتعد الضوء أكثر.

وأكثر.

وصغر.

حتى لم يبق منه إلا نقطة كرأس إبرة.

ثم انطفأ.

لم يعد يرى شيئاً. لم يكن أمامه إلا سواد، وفي السواد لون؛ لا لون حقاً، بل سواد أشد تحت السواد، كأن وراء عينيه عينين أخريين. ظل شِن سان فاتحاً عينيه في قاع النهر نحو ذلك الظلام المطلق زمناً طويلاً. ورأى يده، لا بعينيه بل في رأسه: ممدودة، وأصابعها لا تزال على هيئة من يحاول تناول شيء. لكنه لم يعد يعرف ما الذي يريد تناوله. ولم يعد ذلك ينفع.

ثم سمع صوتاً.

جاء من أعماق بعيدة تحت الأرض.

لم يكن كلاماً.

بل ارتجاجاً.

كأن حجارة تحت سرير النهر تحتك ببعضها، كأن عظاماً في باطن الأرض تتكلم. كان تردده منخفضاً إلى حد لا تسمعه أذن الإنسان، ومع ذلك دخل إليه؛ لا إلى أذنيه، بل إلى عظامه. أحس عموده الفقري بالارتجاج، كأن أحداً يبرد شقوق فقراته بنصل كليل جداً، ضربة بعد ضربة.

تحول الارتجاج إلى صوت، والصوت إلى كلمات، والكلمات إلى قاعدة:

— غرقت هنا.

— صرت شبح ماء.

— شبح الماء لا يموت ولا يدخل دورة التناسخ.

— إما أن تتبدد روحه،

— وإما أن يجد بديلاً.

— يجد حياً يقيم مكانه في قاع النهر، فيستطيع هو الرحيل. تلك هي القاعدة، المقررة منذ خلق السماء والأرض. كانت موجودة حين ظهر أول نهر، وحين وقف أول غريق في الماء ولم يعد. قاعدة أزلية لا تتغير.

ظل شِن سان واقفاً في الحفرة زمناً طويلاً، حتى اختلط النهار بالليل، وحتى ارتفع النهر وانحسر، وانحسر ثم ارتفع. لم يعرف كم مضى، إذ لا زمن في القاع. فوق السطح تتبدل الفصول، أما في الأسفل فدرجة واحدة أبداً: برد أبدي، ظلام أبدي، وماء يمر فوق الرأس، يمنح المرء وهم أنه لا يزال حياً.

ثم جاء البديل الأول: البائع الجوال.

لم يرد شِن سان أن يسحبه، لكن يده لم تعد تطيعه. حين تصبح شبح ماء لا تعود يدك يدك، بل يد النهر. يأمرك النهر بالحركة فتتحرك، ويأمرك بالقبض فتقبض. تريد أن تفلت فلا تستطيع، تريد أن تترك فلا تكون اليد لك. تلتف وحدها حول كاحل الحي، حول اللحم الطري عند رقبته القدم، وتعرف وحدها كيف تضيق وكيف تسحب وكيف تجر إلى أسفل. كانت أعرف من شِن سان نفسه بكيفية إيجاد بديل.

وحين قفز البائع إلى الماء رأى شِن سان وجهه. لم يكن وجه حي، بل وجه من اقترب موته. ارتخت عضلاته، وانفرجت تجاعيد جبهته. اتسعت عيناه واتسع البؤبؤ حتى كاد يملأ المحجر كله. انعكس فيهما ضوء نازل من السطح؛ لم يكن ضوء خوف، بل شيء غريب، كأن شخصاً يعرفه منذ زمن طويل ينتظره تحت الماء.

وحين غاص البائع إلى القاع، شعر شِن سان بخفة في جسده. أرخَت تلك اليد كاحله، وصار في الحفرة موضع خال. وضع شِن سان البائع فيه. وقف البائع مطرقاً ويداه على جانبيه، لم يدرك بعد ما حدث. لم يقاوم؛ فلا بديل يقاوم. حين تدخل الحفرة تعرف القاعدة، كما سمع شِن سان الارتجاج حين مات، سمعه البائع أيضاً. وحين تسمعه تفهم، وحين تفهم لا تصارع.

في السنة الثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة.

سحب شِن سان أحد عشر إنساناً إلى الماء.

أحد عشر بديلاً، ولم يكن أي واحد منهم سهلاً.

المرأة التي كانت ذاهبة إلى أهلها: قبل أن تقفز حاول شِن سان أن يرخي يده، فلم يستطع. أمسكت هي يده أولاً؛ يد حي تقبض يد ميت بقوة، كأنها تمسك حبل نجاة. لكنها أخطأت الحبل. لم يكن شِن سان نجاة، بل القوة التي تجرها إلى الأسفل. كانت تمسك شِن سان، أي تمسك موتها. لكنها لم تعرف. حسبت أنها يد طفلها الميت، الممدودة من القاع حيث ينتظرها، حسبت أنها لقاء طال انتظاره.

أخطأت الشخص. خدعها النهر. فالنهر يخدعك بذكرياتك، بمن تشتاق إليه أكثر، وبالماضي الذي لا تستطيع تركه، وبالاسم الذي تناديه في قلبك حين تتنهد وحيداً في الليل. يعرف النهر ذلك، فيعرف كيف يجدك.

أما المحاسب، فوضع مِعداده فوق ألواح القارب، فبدأت الخرزات تتحرك وحدها. لم يكن هو من يحسب، بل النهر يحسب له حساب عمره: من تدين له بثلاث سلاسل ونقودين، ومن يدين لك بخمس سلاسل وثماني نقود. جمع وطرح وضرب وقسم، وفي النهاية... صفر. حساب حياة المرء، آخره صفر دائماً. ظلت الخرزات تطقطق حتى رأى الشخص الذي ظل مديناً له طوال عمره، يلوح له فوق الماء. فهبط. وحين هبط تناثرت حبات المِعداد كلها؛ مئة وثماني حبات سقطت في الماء دفعة، ولم تطف واحدة منها.

وكان المتسول العجوز يغني لحناً سمعه في شبابه. تذكر النهر ذلك اللحن وغنّى له بقيته. صار كل نغم تموجاً فوق السطح، دائرة بعد دائرة تركب لحناً. كانت أغنية غناها قرب النهر في شبابه مع فتاة تزوجت لاحقاً برجل آخر. جنّ طوال عمره، ولم يتذكر الأغنية إلا النهر. أكمل له النهر النصف الآخر، فسمعه وهبط. وكانت على فمه ابتسامة وهو يقول:

— ما أجمل الغناء.

وكان شِن سان يراهم أحياناً واقفين في حفر القاع، واحداً إلى جانب الآخر، كطابور ينتظر حافلة تمر فوقه. يذهب واحد فيأتي جديد. العدد واحد دائماً. وفي القاع دائماً من ينتظر، وفوق النهر دائماً من يقفز.

لكن هذا العام كان مختلفاً.

هذه المرة كانت طفلة.

طفلة في السابعة، اسمها آ هينغ.

رأى شِن سان آ هينغ حين جاء تشِن إلى المَعبر أول مرة. كانت يومها في الخامسة، وأمها لم تمت بعد. حملتها آ تشين في العبّارة لتعبر النهر. وحين بلغ القارب القلب، انحنت آ هينغ عند الحافة تنظر إلى الماء. غمست إصبعها الصغير فيه ورسمت به خطاً دقيقاً فوق السطح. مضى الخط بعيداً جداً نحو قلب النهر حتى غاب عن العين، ثم عاد فجأة... لا، لم يعد، بل انعطف وعاد في منحنى، كأن شيئاً تحت الماء يتبع ذلك الأثر ويطل إلى الخارج، ينظر إليها.

أعادتها آ تشين إلى حضنها وقالت:

— الماء بارد، لا تمدي يدك.

قالت آ هينغ:

— في الماء إنسان. لقد لمس إصبعي للتو. كان بارداً.

توقفت يد آ تشين، وظلت تنظر إلى السطح طويلاً، فلم تر شيئاً.

كانت تلك أول مرة يلمس فيها شِن سان إصبع آ هينغ، عبر خمس سنوات، وعبر الحد الفاصل بين الحياة والموت.

لم تكن آ هينغ يومها بديلاً. لم تكن إلا طفلة بين ركاب عبّارة.

لكن النهر حفظها. ومنذ ذلك الوقت عرف أن هذه الطفلة هي الشيء الذي ستتركه أمها للنهر. ستنزل أمها إلى الماء، ثم ستنزل هي أيضاً؛ عاجلاً أو آجلاً. فللنهر من الوقت ما يكفي. لا يبالي بعام أو عامين، فقد انتظر آلاف آلاف الخريف، ولا يهمه أن ينتظر بضعة أخرى.

اختارها النهر.

ودفع النهر شِن سان أيضاً لينظر نحو آ هينغ.

لكن ما رآه شِن سان لم يكن بديلاً.

رأى طفلة: طفلة تربط زهرتين حمراوين، تقرفص على درج المَعبر وتنظر إلى الماء، وتكلم الماء، وتستطيع أن تراه، وأن ترى أمها، وأن ترى كل ما في القاع.

كانت عينا الطفلة نقيتين إلى حد لم يجرؤ معه شِن سان على النظر. خاف أن يرى نفسه فيهما: نفسه الذي مات منذ اثني عشر عاماً، وسحب أحد عشر إنساناً إلى الماء، ويداه مغطاتان بأحد عشر طبقة من صدأ الماء. خاف أن تكشفه العينان في انعكاسهما، أن ترياه كما صار: أعشاب مائية ملتفة حول جمجمته، وطحلب يكسو خديه، وماء جارٍ حَكَّ ثلثي شفتيه، ولم يبقَ إلا جلد قليل متقشر عندهما كزهرة ذابلة. أصابعه شفافة، ومسارات عظامه بادية. وفي صدره ثقب صنعته الأعشاب حين قفز إلى الماء؛ حافته سوداء، لا سواد طين، بل سواد رجل فعل ما يخجل منه.

لم يجرؤ شِن سان على أن يرى انعكاسه. خاف أنه إن رآه، فلن يبقى حتى ذلك الشيء الضئيل الذي لا يدري هو نفسه أهو ما زال فيه أم لا.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.