كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق — الفصل 4
الفصل السابق

08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق — الفصل 4

ما وراء الليل

الفصل التالي

قبل «ليتشيو» بثلاثة أيام.

بدأ ماء النهر يرتفع.

كان ذلك موعد تحرّك شِن سان. هكذا كان الأمر كل عام، في هذه الأيام بالذات. حين يبلغ النهر أعلى ارتفاعه، يقف الأحياء على الضفة، وتمدّ أشباح الماء أيديها من القاع. فإذا لمست اليد كاحلاً، هبط الحيّ إلى الأسفل. الأمر بسيط. هكذا مضت اثنتا عشرة سنة. القاعدة مقرّرة: البديل يدخل، وشبح الماء يخرج. واحد مكان واحد. لا كلام زائد، ولا حدث زائد. فالنهر يتكفّل بكل شيء. يضع يدك على كاحل البديل. ويُظهر على صفحته الشخص الذي يفكر فيه البديل. وينطق عنك بما لا تجرؤ على قوله، ويفعل عنك ما لا تجرؤ على فعله. النهر يد شبح الماء، وشبح الماء فم النهر.

لكن هذا العام كان مختلفاً.

لم يستطع شِن سان أن يفعلها.

مدّ شِن سان يده، ولمس كاحل آ هينغ — كانت القرفصاء على درج المَعبر، وقد غمر الماء الصاعد كاحلها. لمست يد شِن سان ذلك الكاحل الصغير، لمسة واحدة فقط، عبر برودة اثني عشر عاماً وطبقة رقيقة من الجلد. وشعر بشيء — لا بالدفء، بل بالحياة. دم حيّ يجري في العروق، وعظام حيّة تنمو في اللحم، وجلد حيّ يتنفس. آ هينغ الحيّة تحدّق في الماء، ولا تدري أن يداً في القاع تتردد: أتقبض عليها أم لا؟

سحب شِن سان يده.

لم يكن ذلك خوفاً. فقد لبث في قاع النهر اثني عشر عاماً، حتى نسي معنى الخوف. كان إحساساً آخر، أحسّه أيضاً يوم مات: في اللحظة التي قفز فيها، وفي اللحظة التي ألقى فيها عصا القارب. لم يكن يومها بلا خوف؛ لم يكن لديه وقت للخوف. لأن إنقاذ إنسان كان أهم من الخوف. والآن كذلك — تركها أهم من التناسخ.

لكن اليد لم تكن له وحده. لم تكن تطيعه. لم يسحب النهر يده بعد؛ كان يعرف أن الساعة قد حانت، وسيحثّه. وكلما حثّه، امتدت يد شبح الماء من تلقاء نفسها، سواء أراد صاحبها أم لم يرد، وسواء بلغ من الألم ما بلغ. فالنهر لا يبالي، له قوانينه.

تمتد ثم تنكمش.

تمتد ثم تنكمش.

تمتد — وتلمس كاحل آ هينغ، وهذه المرة طالت اللمسة قليلاً. أحست آ هينغ بها. نظرت إلى أسفل، فرأت تموّجاً على السطح ينقطع على نحو غير طبيعي، كأن شيئاً حجب الماء. انحنت ومدّت يدها في النهر، تتحسّس إلى الأسفل. تراجع شِن سان بكل ما أوتي من قوة. لكن الحفرة لا تتسع كثيراً للتراجع. بلغ جدارها، فكان بارداً، وأحسّ ظهره بالحروف المحفورة على الصخر: ذلك السطر الذي حفره هو — «يا شِن سان، أكان إنقاذك للناس في ذلك العام عبثاً؟»

ارتجفت يد شِن سان. لا ينبغي ليد ميت أن ترتجف، لكنها ارتجفت. وكانت مفاصل أصابعه تفرقع. لم تكن العظام هي التي تفرقع، بل الأعشاب المائية وهي تشدّ. كان النهر قد غرزها في أصابعه؛ وكل عشبة موصولة بشيء تحت قاع النهر. فإذا حثّه النهر انقبضت الأعشاب، وإذا انقبضت انثنت الأصابع. والجهة التي تنثني إليها — كاحل آ هينغ.

أمسك شِن سان معصمه بيده الأخرى. كانت يداه تتعاركان في القاع: إحداهما تريد القبض، والأخرى ترفض الإفلات. عادة اثني عشر عاماً وشِن سان الذي كانه قبل اثني عشر عاماً يتصارعان، حتى انشقّ ما بين إبهامه وسبابته. لم يخرج دم من الشق، بل ماء أخضر. كان الماء الأخضر يرشح منه؛ روحه هي التي تتمزق. وحين تتمزق الروح تصير ماءً أخضر، لا أحمر. فدم شبح الماء ليس أحمر.

اليوم الأول.

جاءت آ هينغ إلى المَعبر.

كان أبوها، العجوز تشِن، قد حبسها في البيت. أغلق عليها بثلاثة أقفال وسدّ النافذة بثلاث طبقات من الألواح، لكنها خرجت مع ذلك. لا تدري من أين جاءت بسلك حديدي، أدخلته من شق النافذة وراحت تحرّكه مرة بعد مرة. ظلت نصف ساعة حتى فتحت النافذة. وبقيت خصلة شعر عالقة في اللوح، انتزعتها حين تسللت من الشق. كانت الخصلة ترفرف على حافة اللوح في الريح، فلم تأبه. ركضت حافية من البيت، وطبع كل قدم منها على الطريق الترابي أثراً صغيراً رطباً. كان المطر قد انقطع لتوه، والطين لا يزال ليّناً. انضغط الطين صاعداً بين أصابعها ولفّ قدميها الصغيرتين طبقة فوق طبقة. وحين وصلت إلى المَعبر غطى الطين قدميها كلتيهما؛ طين أسود من ضفة النهر، تفوح من كل حبة فيه رائحة زفرة، زفرة وحل نقعته المياه ألف سنة.

قرفصت آ هينغ على الدرج الحجري، وغسلت قدميها في الماء. ذاب الطين فيه وصار خيوطاً سوداء رفيعة، انسابت مع التيار نحو قلب النهر. وفي منتصف الطريق هبطت فجأة، كأن شيئاً في القاع ابتلعها. ثم بدأت آ هينغ تخاطب الماء.

— أمي، أبي غاضب اليوم. سمّر كل النوافذ. أهو لا يريدني أن أراك؟

— أمي، أفي القاع برد؟ إن كنت بردانة أحرقت لك معطفاً قطنيّاً. أحمرَ اللون. فالأحمر أجمل في قاع الماء. أنت قلت لي إن الثوب الأحمر هناك يشبه جلداً جديداً ينبت على الجسد.

— أمي، ذلك العم ما زال هنا. يبدو حزيناً جداً. يحتضن رأسه وينكمش في زاوية الحفرة. فيم يفكر؟ يفكر في إنسان يشبهه كثيراً. من هو؟ أهو هو، كما كان حين كان حيّاً؟ ذلك الإنسان يبكي له. إنسان حي يبكي لإنسان ميت.

سمع شِن سان في القاع كل كلمة، بلا استثناء. أذن شبح الماء تسمع أي صوت على الشاطئ له صلة بالماء: حتى صوت دمعة تقع في النهر، وحتى الموجة التي تصنعها كلمات القلب على سطحه. ما سمعه كان كلام طفلة لأمها الميتة، لا له. لكنه تلقّى كل حرف. تحولت الكلمات إلى إبر دقيقة، عبرت اثني عشر عاماً من الماء والطمي، وعبرت الحفرة، وغرزت نفسها في قلبه.

كان الألم شديداً، أشد من ألم موته غرقاً. يوم غرق كان جسده هو الذي يؤلمه، ماء في الرئتين ونقص في الهواء في الرأس. أما الآن فقلبه هو الذي يؤلمه. لم يكن في ذلك الموضع شيء أصلاً؛ قلب الميت فارغ. لكن كلمات آ هينغ انسكبت فيه وملأته بشيء لا يدري ما هو، كأنه بتلات. ستنثر لاحقاً بتلات كثيرة جداً، أما الآن فلا بتلات، بل جملة واحدة قالتها لسطح الماء: «أمي، قولي لذلك العم ألا يبكي. إذا بكى صار الماء أبرد.»

كان الماء بارداً أصلاً. فإذا بكى — ازداد برداً.

انكمش شِن سان أكثر في وحل القاع. لم يرد لآ هينغ أن تراه، لكنها كانت تراه على كل حال. لا ميت ينجو من عينيها. وفجأة وقع ظل على سطح الماء — كان العجوز تشِن، وقد لحق بها. داس الدرج بخطوات واسعة: طَقّ، طَقّ، طَقّ، ومع كل خطوة تناثر الرذاذ. صفع آ هينغ، فكان الصوت حاداً كحصاة تصدم صفحة جليد. ثم جذبها من الدرج، قابضاً على ذراعها، وجرّها إلى البيت. لم تبكِ آ هينغ. التفتت إلى النهر التفاتة وداع، كأنها تقول لأحدهم: سأذهب الآن، وأجيء غداً.

ثم مضت مع أبيها. لم يبق على سطح النهر سوى دوائر المطر: دائرة، ثم دائرة، ثم دائرة، تتسع نحو القلب، ثم تختفي فجأة في موضع ما، كأن شيئاً في القاع ابتلعها.

وكان ذلك الموضع فوق رأس شِن سان. ابتلع التموجات كلها، إلى فمه وحلقه وقلبه. كل دائرة كانت نظرة آ هينغ حين رحلت. نظرة، فدائرة؛ ونظرة أخرى، فدائرة أخرى. تقبّلها جميعاً.

اليوم الثاني.

عادت آ هينغ.

هذه المرة ربط العجوز تشِن قدميها إلى رجل السرير بحبل من قنّب في غلظ المعصم، كان قد نُقع في الفيضان فانكمش وشدّ أكثر حتى غاص في اللحم. لكن آ هينغ بَلَت الحبل حتى قطعته. ظلت طوال الليل تحكّه بمسمار حديدي في رجل السرير، قليلاً قليلاً، إلى أن انقطع عند الفجر. وتسلّخ جلد يديها أيضاً، وصارت أصابعها العشرة كلّها دماً. لطخ الدم الحبل، فبدت فيه مقاطع حمراء قاتمة. لم تأبه. كانت تريد بلوغ النهر فحسب.

كأن شيئاً يناديها من القاع: آ هينغ... آ هينغ... ولم تستطع ألا تذهب. لم يكن نداء شبح الماء، بل أمها؛ كانت أمها في القاع تشتاق إليها، تريد أن تراها مرة أخرى. كانت أمها أيضاً شبح ماء، تقف مع شِن سان في الحفرة نفسها كل يوم وكل ليلة، ووجهاهما إلى الاتجاه نفسه، ينتظران الدوران نفسه الذي لا نهاية له.

رأى شِن سان ذلك الدم في القاع. ذاب في الماء خيطاً إثر خيط كأنه خيوط حمراء، وطاف أمامه. فتح فمه، فدخل الدم إليه. كان حلواً قابضاً، دم طفلة في السابعة، دم نظيف لم تلوثه الدنيا. إذا شرب شبح الماء دم الحي زادت قوته، وقويت يده، وصار يستطيع أن يقبض على كاحلها ويجرّها إلى الأسفل بضربة واحدة؛ بسرعة ونظافة، أكثر من أي مرة في اثني عشر عاماً. لأنها لن تقاوم، تعرف ما سيحدث، وتنتظر يد شِن سان، وتنتظر النهاية التي رتبتها لها أمها.

أغلق شِن سان فمه.

أغلقه بكل قوته.

وبصق الدم في الماء. طافت خيوطه على السطح، فضربها بيده حتى بعثرها، حتى صارت آلافاً لا تحصى من الجسيمات التي لا تُرى. ظلت عائمة في الماء، تمس أصابعه، لكنه لم يمتصها. رفض. رفض القوة التي يمنحها النهر، وعادة اثني عشر عاماً، وأبسط ما يفعله شبح الماء وأشدّه طبيعية.

نهضت آ هينغ، ولم ترحل، بل خطت خطوة إلى الأمام. بلغ الماء كاحليها. ثم خطت خطوة أخرى فبلغ ربلة ساقيها. لم يبق بينها وبين شِن سان سوى ذراع واحدة. استطاع أن يشمّ فيها تلك الرائحة النظيفة: ليست ماء زهر ولا صابوناً، بل رائحة الحياة، رائحة جلد الحي وهو يتنفس ودمه يجري، رائحة من يفتح عينيه كل صباح فيرى الشمس. شمّ بعد اثني عشر عاماً ما فقده منذ زمن بعيد.

قالت آ هينغ:

— يا عم، أأنت متألم جداً؟ أتريدني أن أنزل فأبقى معك؟ أمي في القاع، وأنت تعرف أمي أيضاً. أأنتما صديقان؟ إن أردتني أن أنزل فسأنزل. أنا لا أخاف. يكفيني أن أمي هناك.

تصلبت يد شِن سان في الهواء. عبر المطر أصابعه، قطرة بعد قطرة إلى سطح النهر؛ لا، لم يعبرها، بل نفذ خلالها: عبر عقد أصابعه وجلده والثقب الذي في قلبه. ولاحظ أن يده لم تعد ترتجف. بعد كل تلك المرات التي مدّها فيها، كانت هذه أول مرة لا ترتجف فيها. توقفت عن الارتجاف لأنه اتخذ قراره: لا أن يقبض، ولا أن يترك، بل أن يطفو. أن يظهر وجهه لآ هينغ، لتراه على حقيقته؛ لا ظلاً في القاع، ولا خصلة عشب مائي، ولا فقاعة تصعد من النهر، بل إنساناً مات منذ اثني عشر عاماً، إنساناً لا يدري أهو طيب أم شرير، ارتكب إحدى عشرة خطيئة، لكنه يريد اليوم أن يفعل صواباً واحداً.

قالت آ هينغ جملة أخرى:

— يا عم، لا تحزن. وجهك جميل، أنت أصغر من أبي وأجمل منه. لو كنت حياً، لناديتك أبي الروحي. أنت وأمي، حين تقفان معاً، تبدوان متلائمين جداً.

وتذكّر شِن سان فجأة.

تذكر ما لم يجرؤ على لمسه طوال اثني عشر عاماً. في آخر يوم من حياته كان يدفع القارب عند النهر. صعدت امرأة تحمل طفلاً إلى قاربه: كانت آ تشين، وكانت آ هينغ صغيرة نائمة بعمق في حضن أمها. ضمّت آ تشين طفلتها بقوة خشية أن تقع في الماء. فسأل شِن سان وهو يدفع القارب:

— كم عمرها؟

قالت آ تشين:

— ثلاث سنوات. من مواليد الحصان، مشاغبة لا تُضبط.

ابتسم شِن سان وقال:

— لا بأس أن يكون الطفل مشاغباً، المشاغب حين يكبر يكون له شأن.

قالت آ تشين:

— يبدو أنك تحب الأطفال. كم عندك في البيت؟

قال شِن سان:

— لم أتزوج. لم ترغب امرأة في الزواج مني قط.

قالت آ تشين:

— سيأتي من يرغب.

لم يجب شِن سان. دفع القارب إلى الضفة الأخرى. نزلت آ تشين بالطفلة، وحين صعدت الدرج التفتت وقالت:

— شكراً يا ملاح.

فقال:

— لا شكر على واجب.

كانت تلك أول مرة وآخر مرة يتحدث فيها إلى آ تشين. وبعد هذه السنين فقط عرف أن الطفلة اسمها آ هينغ. كبرت الطفلة، وصارت تستطيع أن تراه، وقالت إنها ستحرق له معطفاً قطنيّاً، وقالت إن الماء بارد، وقالت له ألا يبكي، وقالت إنها ستناديه أبيها الروحي.

لم يدرِ شِن سان شيئاً.

لكنه عرف أنه لا ينبغي أن يجرّها إلى الأسفل.

أبداً.

اليوم الثالث.

«ليتشيو».

كان هذا آخر يوم. فإذا انقضى اليوم ومرّت بداية الخريف، ضاعت فرصة البديل لهذا العام. وإذا ضاعت، وجب أن ينتظر عاماً آخر، واقفاً في تلك الحفرة تحت الماء، حتى بداية الخريف التالية.

برد. ظلام. وحدة. لا شيء يُسمع، سوى دقات القلب — لا، فقلب الميت توقف منذ زمن. ما يُسمع هو الماء وحده: ماء لا ينتهي، يمر فوق الرأس وتحت القدمين وعبر الجسد، عاماً بعد عام.

عرف شِن سان طعم ذلك. وقف اثني عشر عاماً، ولم يعد يريد الوقوف يوماً آخر.

*

لكن البديل اليوم كان آ هينغ.

*

قرفص شِن سان في الحفرة التي ملأها طمي اثني عشر عاماً، أسود كالحبر. كتب بإصبعه على الطمي ثلاث كلمات: «اقتلها». ثم محاها. وكتب ثلاثاً: «دعها تذهب». ثم محاها. يكتب ويمحو، ويمحو ويكتب، حتى قلب الطمي طبقات عدة، وحتى نقر إصبعه صخر قاع النهر، فانشق ظفره وانكسر عظم أصبعه، لكنه لم يتوقف.

وتذكر شِن سان أمه فجأة. كانت حية في سنة غرقه، في الثالثة والستين، وشعرها أبيض كله. بعد موته كانت تأتي إلى المَعبر كل يوم، تجلس على الدرج وتنظر إلى الماء، ثم تمضي، وتعود في الغد. وبعد عام لم تعد. ماتت. شمّ الجيران الرائحة فعثروا عليها: جثمانها على السرير، ووجهها نحو المَعبر، وعيناها مفتوحتان وفمها مفتوح، كأنها تنادي: «يا سان الصغير!»

حين طفا شِن سان إلى السطح كانت آ هينغ قرفصاء على الدرج، وظهرها إليه. كانت تحمل زهوراً — لا زهرة برية واحدة اليوم، بل باقة من الأحمر والأبيض والأصفر. اختارت أجمل أقحوانة برية وأخذت تلقي بتلاتها في الماء، بتلة إثر بتلة. سقطت البتلات على السطح، ودفعها الماء بعيداً. وحين بلغت قلب النهر دارت دورة ثم هبطت.

كانت الطفلة تريد أن تقول لأمها: «أمي، هذا آخر يوم. إن لم يُنزلني ذلك العم اليوم، فسوف يقف عاماً آخر. ماذا أفعل؟ أأنزل؟ أم أنتظر حتى يقرر هو؟ أمي، أخبريني.»

سبح شِن سان إلى خلفها. لا يُرى شبح الماء في الماء إلا إذا أراد هو أن يُرى. أحست آ هينغ بحركة الماء فالتفتت. ورأت عينين على السطح، على بعد أقل من ثلاثة أقدام منها.

لم تهرب. نظرت في عيني شِن سان وقالت:

— يا عم، تبدو اليوم مختلفاً عما كنت. شعرك لم يعد يستر وجهك. لك وجه، ووجهك جميل. أنت وأمي متلائمان جداً. أنت أصغر من أبي. لو عرف أبي لغضب حتماً. لكنني أعرف — أنت أصغر منه، أصغر بكثير، وأكثر...

لم تكمل آ هينغ.

فتح شِن سان فمه ولم يقل شيئاً. خرجت من حلقه فقاعات متتابعة. مضى وقت طويل لم يتكلم فيه حتى نسي كيف يتكلم. لكنه تكلم بعينيه؛ وما قالته عيناه أكثر مما يقوله الفم. كان فيهما كلام عمر كامل: وحدة اثني عشر عاماً، وندم إحدى عشرة مرة، وصراع لا يحصى بين رغبته في التوقف وعجزه عن ذلك.

قالت آ هينغ مرة أخرى:

— يا عم، أأنت هنا لتودّعني؟ قالت أمي إنك سترحل. قالت إنك هذا العام ستجد شخصاً يقف مكانك في حفرة القاع، ثم ترحل أنت، وتذهب لتتناسخ وتعود إنساناً. إن كنت راحلاً، فقُل لأمي شيئاً. إنها وحدها في القاع وتشعر بالبرد، فإذا ذهبتَ ازداد بردها. قل لها قبل أن تذهب.

— يا عم، الشخص الذي تبحث عنه...

— أأنا هو؟

— أنا، صحيح؟

— إذن خذني أنت.

— لا أخاف.

— إذا نزلت فلن أشتاق إلى أمي بعد اليوم؛ سأراها حقاً.

مدّ شِن سان يده اليمنى. ظنت آ هينغ أنه سيقبض عليها، لكنها لم تتفادَ. ظلت واقفة على الدرج، وقد بلغ الماء ربلة ساقيها، تنتظر تلك اليد، وتنتظر النهاية التي انتظرتها طويلاً. كانت تجيء إلى النهر كل يوم من هذه الأيام لتنتظر هذه اللحظة، لحظة امتداد اليد من الماء ولحظة غمر الماء رأسها، فتلقى أمها في القاع وتبقى معها كما بقيت أمها.

نهضت آ هينغ من على الدرج، ونفضت الأعشاب المائية العالقة بثوبها، ثم استدارت إلى البيت. وفي منتصف الطريق التفتت إلى سطح النهر. لم يكن فيه شيء: لا عينان، ولا يد، ولا دوامة. لم يبق إلا البتلات التي رمتها، طافية على السطح، تمضي مع التيار ببطء، ببطء، نحو البعيد.

كانت كل بتلة جملة، لا لأمها، بل لذلك العم: شكراً لأنك تركتني. شكراً لأنك لم تجرّني إلى القاع. شكراً لأنك وقفت اثني عشر عاماً تحت الماء، ثم تذكرت كيف يكون المرء إنساناً.

وصلت آ هينغ البيت ودفعت الباب. كان العجوز تشِن جالساً على السرير، قابضاً على قطعة الحبل التي بَلَتها حتى انقطعت. رفع رأسه عندما سمع الباب. كان وجهه غاضباً أولاً، ثم — حين رأى آ هينغ، ورأى قطرات الماء على وجهها — أدرك أنها ليست قطرات الماء التي نفضها شِن سان، فقد جفّت، بل قطرات أخرى: دموعه هو التي خرجت أخيراً. لم تكن لنفسه، بل لذلك الذي بلا وجه في القاع، الذي تركها تعيش.

جاء العجوز تشِن وحمل آ هينغ بين ذراعيه، ضامّاً إياها بشدة. أحست صدره يرتجف، فربتت على ظهره كما كان يفعل حين يهدئها؛ وانقلب الأمر، فصارت هي تهدئ أباها.

قالت آ هينغ:

— أبي، لا بأس. لن يجرّ النهر أحداً إلى القاع بعد الآن. ذلك العم في القاع قد اهتدى إلى قراره.

لم يستطع العجوز تشِن أن يقول شيئاً. ظل يحتضن آ هينغ ويبكي طويلاً، ودموعه تقع على شعرها في حضنه وتبلل الزهرة الحمراء.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.