كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق — الفصل 5
الفصل السابق

08 · جنود الأشباح يعبرون الطريق — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

سكب العجوز تشِن الخمر في النهر. ذاب الخمر على سطح الماء وصار دائرة صفراء شاحبة، اتسعت اتساعاً متواصلاً، حتى كادت تتبدد، ثم توقفت فجأة كأن شيئاً أمسكها. انخفض سطح الماء قليلاً؛ لم تكن دوامة، بل انخفاضاً إلى الداخل، كأن في القاع فماً امتصّ تلك الجرعة.

تكلم العجوز تشِن. كان صوته مبحوحاً كالرمل الذي جفّ على ضفة النهر ثلاثة أيام. كل كلمة تخرج وهي تحك حلقه، حتى كأن حلقه يدخّن، لكنه أصر على الكلام.

— لا أعرف من أنت، لكني أشكرك. أشكرك لأنك تركت آ هينغ. منحتها حياة، ولن أستطيع ردّ فضلك ما حييت. في حياتي القادمة والتي بعدها، سأصير بقرة أو حصاناً وأكون تحت قدميك موطئاً. سأخرّ لك ساجداً — ثلاث سجدات. أنت تستحقها. أنت أعظم دَين في حياتي يا تشِن العجوز.

لم يستجب النهر. لا رذاذ ولا دوامة، كأنه لم يسمع قط.

سكب العجوز تشِن كأساً أخرى. وما إن دخل الخمر الماء حتى صعدت من القاع فقاعة ضخمة. طفت إلى السطح وانفجرت بصوت خفيف: «بُف». كأن أحداً يتنهد. لم يكن تنهدًا، بل كأنما يقول: عرفت.

ركع العجوز تشِن على الدرج الحجري وضرب رأسه بالأرض ثلاث مرات. وعادت ركبتاه تصطدمان بالحجر، كما فعلتا من قبل في دار العجوز باي. لكنهما لم تنكسرا هذه المرة. وكالشخص في قاع النهر، تلقى الأمر صامتاً ولم ينطق.

وقف شِن سان في الحفرة وأحس أن جسده يزداد ثقلاً. كان من قبل شبح ماء، خفيفاً كعشبة مائية؛ تهزه الريح فيطفو، وتحركه المياه فيتأرجح. أما الآن فقد صار ثقيلاً، ثقيلاً حقاً، كثقل أيام حياته، كأن قدميه على أرض حقيقية لا على طمي القاع؛ أرض تشعر بها تسندك من تحت، الثقل الذي لا يألفه إلا من عاش إنساناً عمراً كاملاً.

لم يكن ذلك خيراً.

فترك البديل أعظم ذنب لشبح الماء. سيُنزل ملك الجحيم عقاباً. أول ما يفعل هو أن يسلبه خفة الجسد، فيتحول من شبح ماء طافٍ إلى ميت يغوص في القاع. لا يصعد إلى البر، ولا يدخل الأحلام، ولا يتناسخ، ولا يكلم الأحياء. ولا يطفو حتى إلى سطح الماء. لا يبقى له إلا أن يقرفص في تلك الحفرة تحت الماء، حتى تتبدد روحه.

ثم يمحو ذكرياته.

سيأخذ ملك الجحيم أفعال حياته واحداً واحداً. ومع كل فعل يأخذه، ترقّ روحه طبقة. حتى تغدو رقيقة إلى حد أن تتهشم من لمسة وتذروها الريح في الماء والطين. ومنذ ذلك الحين لا يبقى شِن سان في الدنيا — لا، لا يبقى هذا الشبح.

لم يهتم شِن سان. حقاً لم يهتم. خفض رأسه ونظر إلى الحفرة التي وقف فيها اثني عشر عاماً. على جدارها سطر حفَره بأظفاره، وظل يحفره اثني عشر عاماً، على مدى أكثر من أربعمئة قمر صاعد وغارب، وأكثر من أربعة آلاف نهار وليلة. كان السطر يقول:

«يا شِن سان، أكان إنقاذك للناس في ذلك العام عبثاً؟»

في ذلك العام أنقذ شِن سان إنساناً. قفز إلى النهر ودفع طفلاً إلى الضفة، لكن الأعشاب المائية التفّت حوله وغاص هو. كان موته مستحقاً. لم يفعل في عمره إلا ذلك الأمر الكبير، فمات في موضعه، ومات إنساناً أكثر مما كان في حياته.

ولكن بعد موته؟ صار شبح ماء، يجرّ الناس إلى القاع كل عام، ويبحث عن بديل كل عام. من هم الأحد عشر الذين جرّهم؟ أليس كل واحد منهم ابناً أو ابنة لأحد، أو أباً أو أماً أو زوجاً؟ كان حياً ينقذ الناس، ثم صار ميتاً شبحاً قاتلاً. لم يجرؤ أبداً على التفكير في ذلك. إذا فكر تألم، وإذا تألم اشتهى التناسخ، وإذا اشتهى التناسخ بحث عن بديل، وإذا بحث عن بديل ازداد ألماً. كانت دائرة دارت اثني عشر عاماً ولم تستطع الخروج منها.

اليوم انقطعت الدائرة. قطعها بيده. وبدّل بلحظة انقطاعها كل سنة وشهر ويوم تبقى له. كان يعرف الثمن، لكن السطر المحفور في جدار الحفرة ظل يسأله اثني عشر عاماً. واليوم أجاب أخيراً.

رفع شِن سان رأسه ونظر إلى سطح الماء البعيد فوقه. ما زالت عليه بتلات رمتها آ هينغ: وردية وبيضاء، تطفو هناك ولا تريد أن تهبط. عبرت الشمس سطح الماء فأصبحت البتلات شفافة، كمصابيح صغيرة، مصابيح وردية وبيضاء، تنير شبح الماء الذي وقف في القاع اثني عشر عاماً.

فضحك شِن سان فجأة. كانت أول ضحكة له بعد الموت. لم تخرج فقاعات من حلقه؛ صار ثقيلاً جداً فلا يستطيع إطلاقها. لكنه ضحك، فانشقت شفتاه حتى الأذنين. وقال جملة بصوت غائر، صوت إنسان لم يتكلم منذ زمن لا يحصى. كان كل حرف يزحف من أعمق شق في الصخر، لكنه وجب أن يقوله، وإلا وقف عبثاً.

— لم يكن إنقاذاً عبثاً.

— يومها قفزت لأنقذ إنساناً من غير وقت للتفكير؛ كان ذلك واجبي.

— واليوم — تركت آ هينغ — وهذا واجبي أيضاً.

— كنت إنساناً مرة قبل الموت، واليوم بعد الموت صرت إنساناً مرة أخرى. الأولى كانت غريزة، والثانية اختيار. وكلتاهما تستحقان.

خفض شِن سان بصره إلى البتلات وظل ينظر إليها طويلاً. ثم جمعها بكفيه وحملها. كانت يداه ترتجفان، ويد الميت ما زالت ترتجف، لكنه احتواها وأطبق عليها بقوة، كأنه يحمل الشيء الوحيد في هذا العالم — لا، في هذا النهر — الذي يخصه حقاً. ليس بديلاً، ولا قاعدة، ولا أمراً من ملك الجحيم، ولا إرادة النهر؛ بل اختياره هو. اختار البقاء في القاع، وألا يتناسخ أبداً، واختار عالماً تستطيع فيه طفلة أن تكبر آمنة.

يا شِن سان، أنت شبح الماء الثلاثمئة والسابع والعشرون في هذا المَعبر. وأنت الأول الذي ترك بديله.

ركع شِن سان في الحفرة، والبتلات في كفيه. أصدرت البتلات نوراً خافتاً: وردياً من الوردية وأبيض من البيضاء. لم يكن النور يكفي لإنارة الحفرة كلها، لكنه أنار ما بين يديه. ركع وركبتاه في طمي اثني عشر عاماً، ثم قال نحو جهة ذلك الصوت، نحو رسالة ملك الجحيم، ونحو كل قوانين السماء والأرض:

— إذن دعوني أكن الأول.

— أنا راضٍ.

— أنا أقبل ذلك عن طيب خاطر.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.