أخذ العجوز تشِن آ هينغ إلى العجوز باي ليوفي نذره. كانت العجوز باي جالسة في فناء بيتها، وأمامها وعاء ماء. كان هذه المرة ماءً صافياً من البئر، نقياً إلى حد الشفافية، ساكناً في الوعاء كأنه لوح زجاج.
أدخلت العجوز باي يدها فيه، فلما أخرجتها كانت جافة. لا طحلب أخضر ولا أثر أخضر.
قالت العجوز باي:
— ليس وفاء النذر لي، بل لذاك الذي في قاع النهر. لم يرحل، لكنه لم يعد يطلب بديلاً. هذا أمر خارج القواعد. حتى ملك الجحيم لا يملك إلا أن يراه، ولا حيلة له معه، لأنه لم يعد يخاف.
وقفت آ هينغ في الفناء تنظر إلى العجوز باي، ثم قالت فجأة:
— يا جدّة، العم يقول شكراً على زهوري.
ذهل الجميع. جذبت العجوز باي آ هينغ إليها وسألتها هامسة في أذنها:
— أي عم؟
قالت آ هينغ:
— عم الماء.
وسألتها العجوز باي:
— وماذا قال لك أيضاً؟
قالت آ هينغ:
— لم يقل شيئاً. لم يعد له فم يتكلم. لكنه يفكر في قلبه، وأنا أسمع. يفكر: آ هينغ، عيشي حياة طيبة. حين تكبرين وتتزوجين، انثري قبضة من بتلات الزهر عند النهر. سيراهنّ، وسيفرح.
أطلقت العجوز باي آ هينغ وقالت للعجوز تشِن:
— خذها إلى البيت. إذا أرادت الذهاب إلى النهر فدَعها. لا تغلق النوافذ ولا تسمّر الألواح. لن يؤذيها النهر بعد اليوم. هناك من يراقب في القاع، أحرص عليها من أبيها الحقيقي.
ومنذ ذلك الحين، في كل «ليتشيو»، كانت آ هينغ تأتي إلى المَعبر لتنثر البتلات. تجمع زهر الخوخ في الربيع، واللوتس في الصيف، والأوسمانثوس في الخريف، ثم تلقيها قبضة بعد قبضة في النهر. تطفو البتلات على الماء وتمضي مع التيار إلى قلب النهر، ثم تهبط. وكلما هبطت ظهرت على السطح دوامة صغيرة: تدور دورة ثم تسكن، ثم تدور أخرى ثم تسكن، كأن شخصاً في القاع يمد يده ليتلقاها، فإذا تلقاها ونظر إليها بما يكفي أعادها برفق إلى السطح لتتابع طريقها.
إلى أين تمضي؟ لم يسأل أحد، ولم يحتج أحد إلى أن يعرف.
— يا عم، سأتزوج. سأتزوج في الجهة الأخرى من الجبل، ولن أستطيع أن آتي كل عام. لكن لا تقلق...
ابتسمت آ هينغ. كانت ابتسامتها كما كانت قبل سبع سنوات، وعيناها هلالين صغيرين مقوسين.
— حين تكون لي ابنة، آتي بها لرؤيتك. لتنادِيك هي أيضاً: يا عم.
ثم مضت. وحين تجاوزت المَعبر حتى غاب عن ناظريها، سمعت فجأة صوتاً خلفها. لم يأت من الشاطئ، بل من قلب النهر، مكتوماً، كأن أحداً في القاع طرق صخر النهر بحجر. ضربة واحدة.
دُونْ.
ابتسمت آ هينغ وانهمرت دموعها. كانت تضحك وهي تبكي، وتبكي وهي تضحك. لقد فهمت: كان عم القاع يصفق. بعد موته بسنوات طويلة، استطاع للمرة الأولى أن يصدر صوت تصفيق. مسحت عينيها، واستدارت ومضت بخطى واسعة نحو الجانب الآخر من الجبل. هبّت الريح من سطح النهر تحرك الزهرة الحمراء في ضفيرتها. كانت الزهرة حمراء تماماً، والزهرة نفسها تماماً، كالتي كانت أمها تقبض عليها قبل سبع سنوات. لم تتركها أمها لها؛ بل هي التي كانت تربطها، على صورة الزهرة التي تركتها أمها، منذ ستة عشر عاماً، ولم تربطها معوجّة مرة واحدة.
وفي الحفرة التي وقف فيها اثني عشر عاماً وسيواصل الوقوف فيها، خطا شِن سان فوق بتلات ملأت الأرض، ورفع رأسه يتأمل القمر ليلة كاملة. اكتمل القمر، ثم انحسر، ثم اكتمل من جديد. لا يعنيه الأمر — ثم يعنيه. وصوت الماء: شَشَشَش... عاماً بعد عام، عاماً بعد عام. غير أنه منذ ذلك العام، صار كل بتلة تهبط إلى الماء تمضي مع التيار عبر قلب النهر، إلى الدوامة، إلى الأعمق، فتسقط في تلك اليدين اللتين حملتا اثني عشر عاماً، وما زالتا تحملان.
رفع شِن سان يده أمام عينيه ونظر إليها طويلاً. هذه اليد أمسكت بطوق طفل ورفعت حياً إلى سطح الماء. وهذه اليد أمسكت كواحل البدلاء وجرّت الأحياء إلى القاع. فعلت خيراً، وفعلت خطأ. لكن هذه اليد اليوم لا تحمل إلا كومة من البتلات. لم تعد تُكرَه على فعل شيء. لم تعد يد النهر، بل صارت يده هو؛ يده اليمنى، يد الإنسان التي يفعل بها الخير.
قال شِن سان لنفسه جملة. لم يقلها بفمه، بل في قلبه. دارت الكلمات كلها في ثقب قلبه ثم تفرقت في الماء، خفيفة جداً حتى إن ماء النهر لم يرتعش لها.
«فليكن أنني أحمق. أنا أقبل.»
وختم عليها.
— نهاية المجلد البشري · القصة الخامسة عشرة —
---
**ملاحظات المؤلف**
- جوهر الانعطاف: كان شِن سان في حياته عامل العبّارة في المَعبر، مات وهو ينقذ طفلاً سقط في الماء. وبعد موته أُجبر على البحث عن بديل كل عام، فجرّ أحد عشر إنساناً إلى الماء خلال اثني عشر عاماً. وكان البديل هذا العام آ هينغ، طفلة في السابعة؛ فتردد ثلاثة أيام، ثم اختار أن يتركها، متخلياً عن فرصة تناسخه وراضياً بأن يكون شبح ماء إلى الأبد. - بعد موت شِن سان ظل يجّر إنساناً واحداً إلى الماء كل عام. وخلف هذه الآلية عذابه الداخلي: مات وهو ينقذ الناس ثم صار شبحاً يقتلهم. كان يسائل نفسه اثني عشر عاماً، وسؤاله المحفور على جدار الحفرة: «أكان إنقاذك للناس في ذلك العام عبثاً؟» هو الاستجواب الأعمق لروحه. - صراعات اليوم الثالث الثلاثة: يكتب مراراً على الطمي «اقتلها» و«دعها تذهب»؛ يتشقق ظفره وينكسر عظم إصبعه؛ يضيء الضوء الأحمر القاتم حين يحثه ملك الجحيم؛ يتذكر أمه وهي تنادي اسمه قبل موتها؛ ثم يطفو أخيراً ويمد يده، لكنه يتوقف على بعد بوصة من وجه آ هينغ، وتنفض اليد قطرات الماء. - رسالة ملك الجحيم: شِن سان هو أول شبح ماء من بين ثلاثمئة وسبعة وعشرين في المَعبر يتخلى عن بديله. يركع شِن سان في الحفرة ويجيب: «إذن دعوني أكن الأول. أنا راضٍ. أنا أقبل ذلك عن طيب خاطر.» - يقول شِن سان لنفسه: «يومها قفزت لإنقاذ إنسان من غير وقت للتفكير، كان ذلك واجبي. واليوم تركت آ هينغ، وهذا واجبي أيضاً». كان إنساناً مرة قبل الموت، واليوم بعد الموت اختار أن يصير إنساناً مرة أخرى. الأولى غريزة والثانية اختيار، وكلتاهما تستحقان. - تنثر آ هينغ بتلات الزهر في النهر كل عام عند بداية الخريف، فتهبط إلى القاع؛ ويقف شِن سان في حفرة امتلأت بالبتلات، ويرسم لنفسه زهرة، ثم يحرس هذا النهر عاماً بعد عام. حتى تتزوج آ هينغ في السادسة عشرة، فيطرق شِن سان صخرة في القاع ضربة واحدة؛ كان ذلك تصفيقه. - سرد في خمسة مقاطع وخاتمة، بجمل قصيرة وحوار بلا علامات اقتباس، مع أصوات البيئة في جميع أنحاء النص. - استلهمت القصة نموذج شبح الماء الذي يترك بديله من «وانغ ليو لانغ» في «حكايات لياو تشاي الغريبة»، ومنطق الدورات الكارمية لأشباح الماء في «ملاحظات يويوي عن كوخ القش».
يقول شيوخ الضفة:
إن شِن سان لا يزال في قاع النهر.
ليس شبحاً ولا إلهاً، بل حجراً يحرس تلك الزهرة.
وفي كل بداية خريف، حين تهبط البتلات، يرن الحجر.
كأن إنساناً يبكي.
وكأن إنساناً يضحك.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.