كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/09 · روح الثعلب تردّ الجميل
الفصل السابق

09 · روح الثعلب تردّ الجميل

ما وراء الليل

الفصل التالي

قضى تونغ داجيانغ أربعين سنة من عمره يصيد.

ما إن تُطلق البندقية حتى يعرف: أصابت أم أخطأت.

لكن رصاصته هذه الليلة

ذهبت سُدى.

لا — لم تذهب سُدى.

فابنُ العرس الأصفر ذاك تلقّى الرصاصة في جسده، كأنما تعمّد أن يصدّها.

كان النهار يدنو من الغروب.

الثالث والعشرون من الشهر القمري الأخير.

ليلةُ «شياو نيان»، العيد الصغير قبل رأس السنة.

ويحلّ الظلام باكراً في شتاء الشمال الشرقي.

بعد الرابعة بقليل،

كانت الشمس تهبط خلف الجبال.

وظلّ في طرف السماء خيط أحمر واحد،

كآخر شرارة في موقد الحطب،

تكاد الرمادُ أن يواريها.

ظلّ الثلج يهطل ثلاثة أيام.

وبلغ على الأرض إلى رُبَل الساق.

نظرتَ بعيداً — فلا ترى إلا البياض.

ونظرتَ قريباً — فلا ترى إلا البياض أيضاً.

بياض يخطف البصر.

بياض سوّى كل ثنية، كأن مكواة مرّت على الدنيا كلها.

وقفت أشجار حور عتيقة على جانبي الطريق.

أغصانها العارية شاخصة إلى السماء،

كالهياكل العظمية المغروسة في ستارة رمادية.

نحيلة.

يابسة.

باردة.

وكان رجل ينحدر في طريق الجبل.

ارتدى معطفاً من جلدٍ مقلوب، وقد تآكل وبره تماماً؛ عند الكتفين والمرفقين ظهر جلد الخراف العتيق تحته. وعلى رأسه قبعة من جلد كلب، تتدلّى أذناها، وتتأرجح أربطتها في الريح. وعلى كتفه بندقية صيد.

بندقية فتيل قديمة.

كان ماسورها أطول من ذراع رجل.

كل طلقة تحتاج إلى شحن البارود من جديد.

وكل طلقة تحتاج إلى تنظيف الماسورة.

بطيئة إلى حدّ الموت.

لكنها فتاكة إلى حدّ الموت كذلك.

كان اسمه تونغ.

تونغ داجيانغ.

في الثالثة والستين.

مولوداً في عام النمر.

آخر صيّاد بقي في القرية.

قصير القامة، عريض الهيكل.

في شبابه كان يستطيع أن يحمل خنزيراً برياً على ظهره وينزل به من الجبل.

أما الآن وقد أثقله العمر، فقد انحنى ظهره قليلاً.

لكن مشيته لم تفقد هيبتها.

حتى النمر إذا مات، لا تسقط عنه المهابة.

كان تونغ داجيانغ يمشي ببطء.

لا لأن العمر هدّ حيلته،

بل لأن ساقيه كانتا ملفوفتين بلفافات من جلد الأرنب.

ثلاث طبقات.

فالثلج عميق جداً؛ إن أسرع، غاص فيه ولم يستطع انتزاع قدميه.

وإن جرّهما بعنف،

بقيت حذاؤه في الثلج،

وتجمّدت قدماه حتى الهلاك.

مضى ينفخ بخاراً أبيض في يديه.

نفخة.

ثم أخرى.

كانت أصابعه كالجزر: حمراء متيبّسة. وشقّت البردُ عقدها في مواضع كثيرة، فضمّدها بشرائط سوداء لاصقة.

لم يحالفه الحظ اليوم.

صعد إلى الجبل مع الفجر،

حاملاً كيس البارود ومتقلّداً جراب الزاد.

وفي الجراب قرصان من دقيق الذرة، متجمّدان قاسيان كالحجر.

إذا عضّ واحداً منهما،

اضطر أن يقرضه بأسنانه طويلاً.

وكان يبتلع الفتات الذي يقتطعه، ممزوجاً بماء الثلج.

مشى في الجبل يوماً كاملاً،

فلم ير حتى ريشة واحدة من دجاجة برية.

في شتاءات الأعوام الماضية، كانت الأرانب ودجاج الجبل تعدو في كل ناحية، وكانت غابة الصنوبر ممتلئة بآثار الحوافر.

أما هذا العام، فلم يدر ما الذي حدث.

كان الجبل نظيفاً على نحو مشؤوم.

لا كائن حيّاً فحسب؛

حتى آثار الحوافر قلّت.

كأن جميع المخلوقات الحية

اختبأت،

في مكان لا يعرفه.

دبّ القلق في قلب تونغ داجيانغ.

لقد أمضى عمره يصيد،

وكان جبل هذا العام على غير ما ينبغي.

لم يستطع أن يقول أين يكمن الخلل.

كل ما في الأمر — أنه هادئ أكثر من اللازم.

هدوء يفرغ القلب من الداخل.

هدوء يجعلك تشعر دائماً

أن شيئاً ما،

في موضع لا تراه،

يراقبك.

كان تونغ داجيانغ في الثالثة والستين، ويُعدّ من الجيل القديم في القرية.

حين كان شاباً، كان فيها سبعة أو ثمانية رجال يصيدون.

تشاو لاوسان.

سون تيتو.

ليو داغه.

ثم مضوا واحداً بعد آخر.

من خرج للعمل خرج،

ومن انتقل إلى البلدة انتقل،

ومن مات مات.

ولم يبقَ سواه.

رحلت زوجته قبل عامين.

داءٌ في الرئة.

سعلت ستة أشهر،

حتى بدا كأن السعال قد أكل رئتيها.

وفي الليلة التي فارقت فيها الدنيا، أمسكت يده وقالت:

— داجيانغ، عليك أن تعيش جيداً. لا يجوز أن تتبدد بركة بيتنا. ابننا ما زال يعتمد عليك.

كان ابنه تونغ شياولين يعمل في عاصمة المحافظة؛ يشتغل في ترميم البيوت، يركّب البلاط للناس ويكشط الجدران ليطليها بالمعجون الأبيض.

لا يكسب مالاً كثيراً طوال العام،

ويتعب كحمار.

ولا يعود إلى البيت إلا مرة أو مرتين في السنة.

وفي كل عودة يجلب زجاجتي خمر وعلبة سجائر،

يجلس، يتبادل مع أبيه كلمات عابرة،

ثم يرحل من جديد.

كان تونغ داجيانغ يعيش وحيداً في بيت طيني عند الطرف الشرقي من القرية.

غرفتان.

وفناء واحد.

لم يكن الفناء كبيراً.

ربّى فيه سبع أو ثماني دجاجات، بعضها من سلالة «لوهوا» المرقّطة وبعضها من دجاج «لايهانغ» المحلي.

وكان حظيرتهن قد بناها بيديه من اللَّبن، وسقّفها بسيقان الذرة.

شدّ تونغ داجيانغ قبعة جلد الكلب إلى أسفل.

كانت الريح تشتد.

وضربت حبيبات الثلج وجهه حتى آلمته،

كسكاكين صغيرة تقطّع الجلد.

ضربة.

وضربة.

وضربة.

كان المساء قد صار رمادياً معتماً.

وبعد نصف ساعة أخرى، يحلّ الليل حالكاً تماماً.

فظلمة الجبل لا تهبط ببطء.

بل تقع دفعة واحدة.

كأن يداً نفخت سراجاً،

فيغدو كل شيء أسود.

وجب أن يعود إلى البيت مسرعاً.

فاليوم الثالث والعشرون من الشهر القمري الأخير، ليلة العيد الصغير.

وبحسب العرف، عليه أن يعود ليقدّم قرباناً لربّ الموقد.

فرب الموقد يصعد اليوم إلى السماء ليقدّم تقريره، ويجب أن يوضع له حلوى «تانغ غُوا» اللزجة، حتى يحلو فمه ويذكر عند العلا خيراً.

أسرع تونغ داجيانغ خطاه. وصل إلى طرف غابة صنوبر عند منعطف الطريق الجبلي. إذا انعطف من هناك ومشى ثلاثة ليّات أخرى، دخل القرية.

كان تونغ العجوز على وشك أن ينعطف، حين تجمّد في مكانه فجأة.

كأن أحداً أمسك قدميه من الأسفل.

لم يستطع أن يتحرك.

في وسط الطريق كان شيء قابعاً.

صغيراً، طوله نحو قدم، وأصغر من قطّ البيت بقليل. فراؤه أصفر محروق، أصفر كذرة نضجت في الخريف، يلمع لامعاً كأنه حيوان تربّى في بيت وأُطعم بعناية، لا مخلوقٌ يعدو في البرية.

وفي ذلك الجبل الخالي، كان هذا اللمعان بالذات يثير القشعريرة.

عيناه تضيئان في العتمة.

ضياء أخضر.

لا أخضرَ انعكس عن شيء، بل أخضرُ يصدر منهما نفسهما، خافت وبارد كنقطتي نارٍ شيطانية. ثبتتا عليه لا ترمشان.

ابنُ عرس.

ابن عرس أصفر قابع في وسط الطريق.

لا يهرب، ولا يتحرك.

ينظر إليه وحسب.

توقف تونغ داجيانغ لحظة. عاش في الشمال الشرقي أكثر من ستين عاماً ورأى من بنات عرس ما لا يحصى؛ فهي مخلوقات شديدة الفطنة، تراهم قبل أن يروها، ثم تخطف كوميض أصفر فلا يبقى لها أثر.

لكن هذه لم تكن كغيرها.

قعدت في منتصف الطريق في تؤدة، كأنها تنتظره هنا عمداً، كأنها تعلم أنه سيمرّ من هذا الموضع.

أنزل الصياد بندقيته من كتفه وحملها بين يديه.

لم يكن يريد إطلاق النار؛ كان قلبه قد أخذ يضطرب.

ومن أمضى عمره يجوب الجبال يخاف ثلاثة أشياء، لا الذئب ولا الدب ولا الخنزير البري؛ تلك جميعاً لا يخشاها.

إنما يخشى:

ابن عرس أصفر يأتي إلى بابك.

وثعلباً يقطع طريقك.

وحيّة تعبر أمامك.

هكذا قال شيوخ القرية منذ القدم: إن صادفت واحدة من تلك الثلاث، فلن تموت بالضرورة، لكنك ستنسلخ من جلدك ألماً.

تراجع تونغ داجيانغ خطوة، وحدّق في ابن العرس، يحرك قدميه إلى الوراء في الثلج. أراد أن يلتفّ عليه ويمر من بين الصنوبر عند حافة الطريق.

إن كنت لا تستطيع منازعته، فلتتجنّبه.

طوال عمره في الصيد لم يمسّ ابن عرس أصفر قط.

تلك قاعدة.

قاعدة الصيادين.

لكن الأوان فات.

تحرّك ابن العرس.

لم يركض.

ولم يثب.

بل ببطء —

ببطء —

ثبت قائمته الخلفيتين على الأرض، كما يفعل الإنسان،

ورفع جسده منتصباً.

اشتدت أصابع تونغ على الزناد. كانت متيبسة كخطافين من حديد.

رآه واقفاً على قائمتيه الخلفيتين، جسمه مستقيماً، وكفاه الأماميتان مضمومتان كما تضم يدَي إنسان للتحية؛ انحنى له بانضباط يفوق انضباط البشر، كممثل على خشبة أوبرا يؤدي تحيةً بكل جدّية.

ثم سمع تونغ العجوز صوتاً.

ليس صرير حيوان.

ولا نداء وحش.

بل جملة.

كلمة كلمة.

واضحة تماماً.

كأنها عند أذنه.

لا — كأنها في رأسه مباشرة:

— أتراني أشبه إنساناً؟

خمس كلمات.

اندست كل واحدة منها في شقوق عظامه.

وقف شعر ظهره حقاً، كأن تياراً كهربائياً انطلق من فروة رأسه على طول عموده الفقري إلى عقبيه، ثم عاد، ذهاباً وإياباً.

رأى في عمره الطويل الذئاب تمزق صيداً فتجرّ الأمعاء على الأرض، ورأى غزال الرو يضرب شجرة حتى يموت وتناثر مخه على اللحاء، ورأى خنزيراً برياً يجن فيكسر شجرة بسماكة فم إناء.

لكنه لم يرَ قط ابن عرس يتكلم.

ولا ابن عرس يقف كإنسان.

ولا ابن عرس يضم كفيه وينحني له.

وعرف ما هذا.

طلب الاعتراف.

كانت حكاية وصلتهم من الأقدمين: إذا بلغ ابن العرس الأصفر مبلغاً معيناً من التمرّن الروحي، اعترض إنساناً وسأله:

— أتراني أشبه إنساناً؟

تلك محنته.

يمارس الزهد مئة عام، ثم لا بد أن يعبر هذا الحاجز.

إن أخفق، عاد إلى أصله حيواناً، وبدأ مئة سنة أخرى.

وإن نجح، صعد درجة إلى السماء.

لكن الشرط أن يقول له إنسان حي، وهو واقف أمامه، كلمة واحدة: «نعم، تشبهه».

إن قالها، تمّ له الأمر؛ يأخذ هيئة البشر، ويعظم تمرّنه، وتتسع له الدنيا بعد ذلك.

لكن حظك أنت، ونصيبك، وأيامك العشر القادمة، تكون قد استعارها منك.

لا يريد حياتك، بل حظك.

يجعله درعاً يدفع به كوارث طريقه الروحي.

فتعيش عشر سنين من العسر: كل أمر يعاندك، وكل باب ينغلق، ومرض بعد مرض.

ذلك هو الثمن.

وإن قلت: «لا تشبه إنساناً»، انهارت مئة سنة من تمرّنه، وعاد بهيمة لا تقدر أن تنطق، ويبدأ من الصفر.

لكنه يبغضك إلى النخاع ويلزمك عمراً كاملاً. لا يقتلك، بل يجعل حياتك غير قابلة للعيش: فزع في النهار، أرق في الليل، لا تصيح الديكة ولا تنبح الكلاب، ولا تعرف السكينة أبداً.

أن تقول خطأ.

وألا تقول خطأ.

فقانون طلب الاعتراف يوجب عليك جواباً؛ لا تتجاهل، ولا تتظاهر بأنك لم تسمع، ولا تطلق النار.

تلك قواعد الأجداد.

كلمة واحدة:

«تشبه».

أو «لا تشبه».

ضربة واحدة تقطع كل شيء.

نعمة أم ثأر، يتوقفان على تلك الكلمة.

جف حلق تونغ داجيانغ، ولسانه كأنه التصق بحنكه. ارتجفت شفتاه؛ حاول أن يتكلم فلم يستطع. كان صدره بحراً هائجاً ورأسه قدراً يغلي.

وقف ابن العرس على مسافة خمس خطوات.

خمس خطوات في الثلج.

استطاع تونغ أن يرى كل شعرة فيه، وكفيه الصغيرتين المغطاتين بالوبر، وأظافرهما الحادة، والنور الأخضر الومّاض في عينيه.

ولم يكن ذلك النور شراسة ولا خبثاً.

كان — انتظاراً.

عاش تونغ داجيانغ أكثر من نصف عمره، ورأى الأشرار الشرسين ورأى من لا يخاف الموت، ولم يخف منهم أحداً.

أما هذا، فكان ما يخشاه.

مخلوق حيّ يقلّد هيئة البشر وصوتهم، يحدّق فيك بعينين راجيتين، ينتظر منك جواباً.

تذكّر الصياد كلمات زوجته على فراش موتها:

«لا يجوز أن تتبدد بركة بيتنا».

وتذكر ابنه، وهو يكدح في عاصمة المحافظة حتى الإنهاك؛ وتذكر كنته التي لم يرها بعد، وحفيده الذي لم يحمله بين ذراعيه.

لم يجرؤ على المقامرة.

كلمة واحدة.

يراهن بها حظ السنوات العشر التي أمامه.

ويراهن حظ ابنه.

وحظ حفيده.

— أتراني أشبه إنساناً؟

عاد السؤال.

صوته منخفض، لكن كل كلمة تخترق الأذن. لم يكن كأنه يُسمع، بل كأنه يُصبّ في رأسه صباً؛ أوضح من قبل وأقرب، كأنه قاله ملاصقاً لأذنه.

ورأى تونغ داجيانغ في الخضرة الغامضة بعينيه شيئاً يلمع فجأة.

ليس شرّاً.

ولا ضراوة.

بل دفء.

خفيفاً جداً، مرّ وانطفأ كالوهم.

لكنه رآه.

قال ابن العرس:

— ساعدني.

ثم قال:

— وأنا أساعدك.

شعر تونغ كأن أحداً عصر قلبه.

«تساعدني، وأساعدك».

قال: يساعد.

لم يقل يؤذي.

ولا يسلب.

ولا يأخذ.

قال يساعد.

لكن من يصدق؟

تقول حكايات الأقدمين إن ابن العرس إذا نال الاعتراف أمكنه أن يتخذ هيئة بشر، لكن تلك الهيئة زائفة: ما إن يطلع النهار حتى يعود إلى أصله، وفي الليل يستعيد هيئة الإنسان. ليس ذلك خلوداً روحياً، بل جلد إنسان مستعار. فإذا أراد أن يبقى بعد شروق الشمس، فعليه أن يحرق من قدر عمره؛ عشر سنوات من العمر المضيء لقاء نهار واحد. لذلك لا يلبث طويلاً حتى لو أُجيبت دعوته، فما إن تطلع الشمس حتى ينكمش في هيئة الحيوان.

كانت كلمات الأجداد أمامه.

وقواعد طلب الاعتراف أمامه.

كلمة واحدة يراهن بها ما بقي من عمره، ويخاطر بها بنصيب ابنه وحفيده.

من ذا الذي يجرؤ؟

عضّ تونغ داجيانغ أسنانه.

وأخيراً تحرّك لسانه.

نظر إلى ابن العرس، وقال من بين أسنانه:

— تشبه القرف.

ثم رفع بندقيته.

دوّى الطلق.

انتشر دخان البارود في الثلج، وزحفت رائحة الكبريت إلى أنف تونغ حتى كاد الدمع يخرج من عينيه. ارتد السلاح إلى كتفه فتراجع خطوة، وامتلأت أذناه بطَنين، كأن مئات النحل تصطدم داخلها.

لم ير أمامه إلا دخاناً.

أبيض.

وأسود.

مختلطين، لا يُرى خلالهما شيء.

حين انقشع الدخان، تجمّد تونغ داجيانغ.

ظل يحمل البندقية، وفوهتها لا تزال تنفث بياضاً.

لكن الطريق لم يكن فيه شيء.

الموضع الذي وقف فيه ابن العرس قبل لحظات صار فارغاً.

فارغاً تماماً.

كأن شيئاً لم يقف هناك قط.

تقدم تونغ خطوتين، ثم عاد. فرك عينيه ونظر ثانية.

لا شيء.

انحنى وراح يزيح الثلج بيده.

صفّ من الآثار.

صغيرة.

خفيفة.

كل منها بقدر ظفر الإبهام.

خرجت من وسط الطريق ومضت إلى غابة الصنوبر.

ظل تونغ داجيانغ قابعاً ينظر إليها طويلاً.

لا خطأ.

إنها آثار ابن عرس.

واضحة.

صفاً بعد صف.

مستقيمة منتظمة، تمتد من الطريق إلى عمق الصنوبر.

لا دم.

لا أثر عراك.

لا أثر جرّ.

ولا قطرة واحدة فوق الثلج، ولا حتى خصلة فراء.

نهض تونغ وهو ممسك ببندقية محشوة بحبيبات الحديد.

من خمس خطوات كهذه، تنتشر الحبيبات في عرض عدة أقدام. لا ابن عرس فقط؛ حتى أرنب في حجمه تصيّره مصفاة، ودجاجة جبل في حجمه تصير كتلة من الريش.

لكن لا دم.

ولا جثة.

ولا حركة.

لا شيء إلا آثار صغيرة تمضي إلى أعلى الجبل، على مهل، بلا فزع ولا استعجال، كأنها تلقت الرصاصة ولم تُمسّ بسوء.

وقف تونغ طويلاً.

حتى أطبق الظلام تماماً.

وحتى بعثر الهواء نصف الآثار.

وحتى صعد القمر من رؤوس الصنوبر.

ضوءه أبيض بارد، يفرش الثلج كأن مسحوق فضة نُثر على كل الجبل.

عندها فقط عاد الصياد إلى نفسه. غرس بندقيته في الثلج واستند إليها، ومشى نحو القرية خطوة خطوة.

كانت ساقاه رخوتين وركبتاه خاويتين.

لا بسبب العمر.

بل بسبب الفزع الذي أعقب ما حدث، خوف لم يعرفه قط في حياته.

لم يكن خوف الموت.

ولا خوف الألم.

بل الخوف من أنك لا تعرف أي شيء استدعيت إلى طريقك.

لم يلتفت خلفه.

لم يجرؤ أن يلتفت.

لكنه ظل يشعر أن شيئاً يتبعه، لا قريباً جداً ولا بعيداً؛ على خطوتين، أو ثلاث.

وحين بلغ مدخل القرية، انقطع نباح الكلاب دفعة واحدة.

سبع أو ثماني كلاب كانت قبل لحظة تنبح حتى يضجّ المكان، ثم سكتت كما لو أن يداً خنقت حناجرها.

ولا صوت.

توقف تونغ داجيانغ لحظة، ثم واصل السير، متظاهراً أنه لم يلحظ شيئاً، متظاهراً أن شيئاً لم يحدث. حين وصل إلى البيت، كان القمر قد طلع.

معلّقاً في كبد السماء يلمع بوضوح،

ويصب ضوءه على الثلج في الفناء.

بياضاً مؤلماً للعين.

بياضاً لا يكاد المرء يفتحه معه.

كانت حظيرة الدجاج ساكنة.

وفي مثل هذا الوقت من العادة، كانت الدجاجات قد احتشدت فيها تَقرقِر لبعضها.

أما تلك الليلة،

فكان سكونها كسكون قبر.

كان الموقد بارداً.

فعندما خرج في الصباح، كان لهبه قد خمد منذ وقت طويل.

وكان سرير الكانغ الحجري بارداً أيضاً.

لم تكن حرارة البيت تختلف كثيراً عن حرارة الخارج.

أشعل تونغ داجيانغ مصباح الكيروسين.

تراقصت شعلة صغيرة كحبة فول داخل زجاجته،

ثم ثبتت.

وألقى ضوؤها البرتقالي على وجهه، فكشف تجاعيده كلها، ووجهه الشاحب المنهك.

جلس تونغ العجوز على حافة سرير الكانغ، وظل مبهوتاً زمناً طويلاً.

لا يتحرك.

كراهب عجوز دخل في تأمّل عميق.

بعد وقت طويل نهض، ومشى إلى خلف الباب، وأخذ بندقيته.

كان ماسورها لا يزال دافئاً.

بقيت فيه حرارة الطلقة التي أطلقها قبل قليل.

قرّبه من المصباح ونظر إليه، مرة بعد مرة.

كانت الفوهة نظيفة تماماً.

لا دم.

لا وبر.

ولا أثر لأي شيء.

وضع الصياد السلاح جانباً. كانت يداه ترتعشان بشدة.

لم يكن ذلك من البرد،

بل من الفزع الذي لا يعرف كيف يسميه.

تذكر أن طلقته لم تكن مصوّبة؛ حين أفزعه الأمر، انقبض إصبعه على الزناد فحسب.

لكن من خمس خطوات، لا بد لحبيبات الحديد المتناثرة أن تصيب شيئاً.

ومع ذلك لم تصب شيئاً.

لا شيئاً قط.

استلقى على سرير الكانغ، وتغطى، وأغمض عينيه.

لكن رأسه لم يمتلئ إلا بالجملتين:

— أتراني أشبه إنساناً؟

ثم التي بعدها:

— ساعدني، وأنا أساعدك.

ظلتا تتقلبان في داخله كحديد محمّى، محفورتين في رأسه، لا يستطيع طرحهما جانباً.

قال تونغ في حياته من الكلمات القاسية ما لا يُحصى، لكن عبارته تلك: «تشبه القرف»، حين تذكرها اليوم، شعر كأن كتلة قطن انسدّت في قلبه؛ لا يستطيع إخراجها، ولا ابتلاعها.

في منتصف الليل، سمع صوتاً.

خفيفاً.

خفيفاً جداً.

كأنه وقع قدم،

وليس وقع قدم تماماً.

كان أرق من مشي القط.

في الفناء.

يدور حول حظيرة الدجاج.

دورة.

ثم دورة.

ثم دورة أخرى.

بإيقاع منتظم.

لا عجلة فيه، ولا بطء.

فتح تونغ داجيانغ عينيه، وتيبس جسده كله.

مد يده نحو البندقية عند رأس السرير، ولمس ماسورتها.

كانت باردة كالجليد.

لم يجرؤ أن ينهض.

ولا أن يسعل.

ولا أن يقلب الغطاء.

ولا أن ينظر من النافذة.

بقي ممدداً هكذا، مفتوح العينين، يصغي.

توقف الصوت.

وعاد الفناء إلى سكونه.

انتظر تونغ العجوز طويلاً.

طويلاً جداً.

حتى ظن أن ما سمعه لم يكن إلا وهماً.

ثم سمع صوت دجاجة.

لم يكن صياحاً.

ولا قرقرة.

بل صوتاً لم يسمعه في حياته:

كأن الدجاجة ترتجف.

ريشها كله يرتجف.

ارتعاشاً خافتاً متواصلاً.

دام طويلاً،

ثم توقف.

عند طلوع النهار، صاح ديك —

لا سبع دجاجات أو ثماني في وقت واحد،

بل واحد فقط.

صاح صيحة واحدة ثم انقطع صوته فجأة،

كأن أحداً غطى فمه.

ثم

لم يعد هناك أي صوت. فتح تونغ داجيانغ الباب، ووقف على العتبة عاجزاً عن أن يخطو.

عند باب حظيرة الدجاج، فوق الدرجة، كان أرنب بري موضوعاً.

ميتاً لتوّه.

في عنقه صفّان من آثار أسنان صغيرة.

لم يُعضّ حتى مات؛

بل حُمل إليه في فم.

كان نظيفاً، وفراؤه سليم، ولا يزال البخار يتصاعد من جسده.

كما لو أن المشهد وقع قبل عشر سنوات.

لا.

كما لو أنه وقع الليلة الماضية.

ظل تونغ واقفاً يتأمل الأرنب طويلاً، ثم قرفص ببطء والتقطه. كان ثقيلاً في يده، أثقل من أرنب عادي، كأنه اختير بعناية: أسمن أرنب بينها.

رفع عينيه من الأرنب إلى الثلج في الفناء.

آثار صغيرة، بقدر ظفر الإبهام، خفيفة. خرجت من أسفل سور الفناء إلى باب الحظيرة، ثم وصلت إلى وسط الفناء وتوقفت، قبل أن تعود في طريقها نفسه.

لا يدري متى أخرج غليونه. ارتجفت يده ثلاث مرات قبل أن يشعل التبغ. سحب نفساً عميقاً ونفث الدخان من أنفه، فتلاشى سريعاً في الهواء البارد.

ثم صدر صوت من حظيرة الدجاج.

قرقرة.

قرقرة.

مشى تونغ إليها وانحنى ينظر في داخلها.

كانت الدجاجات الثماني كلها حية، واقفة في زاوية الحظيرة، متلاصقة في كتلة واحدة. لا تتفرق، ولا تبحث عن طعام، ولا تصيح. كانت تدفن رؤوسها معاً كأنها تخاف البرد، مع أن القش اليابس تحتها دافئ.

غلى تونغ الماء، وطبخ عصيدة، ووضع الأرنب على النار.

كان الأرنب سميناً يقطر دهناً. سلخ جلده وعلقه تحت الطنف، ثم قطع اللحم وطبخه مع قليل من الفطر المجفف الذي جففه في البيت. انتشرت الرائحة في الغرفتين.

نضجت العصيدة ولان لحم الأرنب.

ملأ وعاءً كبيراً ووضعه على الموقد، ثم قال للبيت الفارغ:

— كُلْ. لا تحتقر الطعام الرديء.

لم يعرف لمن قالها.

ثم ملأ لنفسه وعاءً وجلس يأكل قرب الموقد. وبينما يأكل سقطت دموعه في الوعاء. لم يعرف لماذا؛ كان صدره مسدوداً فحسب.

بعد أن انتهى، بقي قرب الموقد طويلاً، يطرق غليونه مرة بعد أخرى. ثم نهض وخرج متجهاً إلى الطرف الغربي من القرية، ليزور إنسانة.

العجوز تساي.

عرّافة القرية.

في الحادية والثمانين، بدأ بصرها يضعف منذ أكثر من عشرين عاماً، وفي هاتين السنتين كادت لا ترى شيئاً. ومع ذلك ظل أهل القرية يؤمنون بها. في أفراحهم وأتراحهم، إذا فزع طفل، أو أصيب بالغٌ بمسّ، قصدوا بيتها.

كان بيتها في غرب القرية، أتهدم من بيت تونغ. انهار جانب من جداره، فسدّوه بسيقان الذرة. فقد السقف القرميدي عدة بلاطات، وابيضّت القصائد الحمراء على الباب من قدمها. لكن الأوراق الصفراء ذات الطلاسم المرسومة بالزنجفر بقيت معلّقة عليه، خطوطاً ملتوية لا يدري أحد ماذا تقول.

في فناء الدار جرس نحاسي، معلّق بسلك دقيق بين شجرتين. إذا هبّت الريح رنّ. لم يكن صوته جميلاً ولا قبيحاً؛ كان غريباً. يرنّ ثم يصمت، ثم مع انعدام الريح يرنّ فجأة مرة واحدة.

بلغ تونغ الباب ورفع يده ليطرق، لكن الباب انفتح وحده من الداخل.

ولم يكن خلفه أحد.

كانت العجوز تساي جالسة في كرسي دائري في الغرفة الرئيسية، كرسي منسوج من الخيزران جلست عليه عشرات السنين حتى صار مسنداه وظهره أملسَين يلمعان. أغمضت عينيها وأسندت يديها إلى ركبتيها، وبين أصابعها مسبحة تشبه سبحة البوذيين ولا تشبهها. كانت خرزاتها سوداء، ولا يُعرف من أي خشب صُنعت.

قالت بصوت خشن كأن الرمل في حنجرتها:

— ادخل يا تونغ داجيانغ. عرفت أنك ستأتي. شعرت البارحة أن شيئاً ليس على ما يرام. أنت تحمل معك شيئاً.

تخطى تونغ العتبة الحجرية المصقولة من كثرة الدوس، وجلس قبالتها على مقعد خشبي قصير. أسند بندقيته إلى الحائط وحكى لها كل شيء، من لقائه ابن العرس في الطريق الجبلي: كيف وقف، وكيف ضم كفيه، وكيف نطق، وما الذي أجابه به، وكيف أطلق النار، وآثار الأقدام على الثلج، وما حدث في الفناء ليلاً، وغلاية الماء التي أصدرت صوتاً من تلقاء نفسها، والغطاء الذي وُجد مطوياً، والأرنب عند الباب.

لم يترك شيئاً.

كانت العجوز تساي تستمع، وحبات مسبحتها تتحرك أبطأ فأبطأ بين أصابعها، حتى توقفت.

فتحت عينيها.

حدقت في جهة تونغ داجيانغ. كانتا عكرتين كأن ضباباً أبيض غشاهما، لكن نظرتهما ما زالت تبعث القشعريرة. لم يكن كأنها تنظر إليه، بل إلى شيء وراءه، إلى ما يختبئ في ظله.

— يا تونغ داجيانغ، قالت، أنت لم تُغضب ابن عرس أصفر عادياً.

انطفأ غليون تونغ في يده، ولم يشعله ثانية.

— أيتها الأخت الكبيرة، فسّري لي الأمر.

— طلب الاعتراف عند بنات عرس الصفر له مراتب.

نهضت العجوز. كانت قصيرة جداً محنية الظهر، وصرّت عظامها حين وقفت. مشت إلى مائدة القرابين، حيث لوح أسود لا يظهر منه اسم الإله الذي له القربان، وإلى جانبه مصباح لا ينطفئ زيته خليط من شحم الخنزير. أشعلت عود بخور جديداً وغرسته في المبخرة، وظلت تراقب دخانه يصعد.

— أدنى مرتبة: أن يحلّ وقت المحنة ويبلغ تمرّنه منعطفاً، فلا بد أن يطلب الاعتراف وإلا نقص من عمره. إن سايرته، أخذ ما يريد ومضى، ولا صلة له بك بعد ذلك. وإن لم تسايره، آذاك مدة ثم يملّ وينتهي الأمر.

— والمرتبة الوسطى: أن يكون تمرّنه أوشك أن يكتمل، فيستعير كلام إنسان ليتخذ هيئة بشر. هذا قويّ. إن سايرته حفظ لك جميلك، وقد لا يؤذيك بعد ذلك. وإن خالفته أو أطلقت عليه النار أو شتمته، حفظ لك ثأرك، لكن الأمر لا يتجاوز عشرين عاماً غالباً.

ثم التفتت إليه، وعيناها الغائمتان ثابتتان عليه.

— أما أعلى مرتبة، فهي أن يأتي محمّلاً برابطة قدر.

— ما رابطة القدر؟ سأل تونغ وقد ضاق حلقه.

— أن تكون بينك وبينه واقعة في حياة سابقة أو في هذه الحياة، واقعة لم تُغلق.

صمت تونغ.

قالت العجوز:

— طلب الاعتراف الذي تحمله رابطة قدر هو الأصعب. لأن ما بينك وبينه لا يقتصر على كلمة؛ إنه حساب. حساب قديم لا بد أن يُسوّى.

— حساب مَن؟

— ذلك يتوقف على مَن يدين للآخر.

عادت العجوز إلى مقعدها وأخذت مسبحتها.

— ابن العرس هذا ذاكرته مخيفة. أمر مضى عليه عشر أو عشرون أو خمسون سنة لا ينساه. يردّ الإحسان والثأر كليهما. إن جاء الإحسان فلا مهرب منه، وإن جاء الثأر فلا مهرب منه أيضاً.

قال تونغ:

— عشت أكثر من ستين سنة، لم أؤذِ ابن عرس أصفر ولم أنقذ واحداً. أي رابطة يمكن أن تكون بيننا؟

— فكّر جيداً. قالته العجوز. ما لا تتذكره هو الأخطر: إحسان لا تتذكره قد يكون عنده أعظم أمر، وثأر لا تتذكره قد يكون عندك أعظم مصيبة.

جلس تونغ يفكّر طويلاً، ومرّر في رأسه أحداث ثلاثة وستين عاماً كما يقلب دفتر حساب قديم، صفحة صفحة، سنة سنة: طفولته، وشبابه، وسنين الصيد، وأيام كانت زوجته معه، وما تلا رحيلها.

ثم تذكر فجأة.

قبل ثلاثة وعشرين عاماً، في خريف بعيد، كان يتفقد مصائده في الجبل. وصل إلى عمق غابة الصنوبر وسمع صريراً حاداً متعجلاً. ذهب ناحية الصوت فرأى ابن عرس أصفر علق فخ في قائمته الخلفية اليمنى.

كان الفخ محكماً، يخنق الساق ويُدميها حتى اصطبغ العشب بالأحمر. كان الحيوان يتلوى ويشد نفسه بكل قوته، لكن الفخ كلما شدّه ازداد إحكاماً. فلما رأى تونغ داجيانغ مقبلاً، كف عن المقاومة، وانبطح يرتجف وينظر إليه، وعيناه ممتلئتان بالخوف.

وبحسب قاعدة الصيادين، ينبغي أن يطلق رصاصة على الصيد العالق في الفخ.

وخاصة ابن العرس الأصفر.

فجلده ثمين.

والجلد الجيد منه كان يُباع يومها ببضعة يوانات كثيرة. قرفص تونغ ومد يده إلى الفخ وفتحه.

كان محكماً جداً، وبذل جهداً هائلاً حتى تركت حوافه علامات حمراء على أصابعه.

وما إن انفتح حتى انطلق ابن العرس كالسهم.

كان يعرج؛ فقائمته الخلفية اليمنى مجروحة ولا تساعده على الجري، لكنه ظل يهرب بأقصى ما يستطيع. وبعد عشر خطوات تقريباً توقف فجأة، والتفت إلى تونغ داجيانغ.

نظرة واحدة.

ثم انغمس في غابة الصنوبر واختفى.

لم يفكر تونغ في الأمر وقتها. أطلق في حياته مخلوقات كثيرة، لا رحمةً بها بل لأنه لم يرَ في الأمر عناء يستحقه؛ جلد ابن عرس واحد لا يساوي حتى مشقة سلخه.

لكن حين تذكره الآن، تذكر تلك النظرة بوضوح.

لم تكن امتناناً.

ولا خوفاً.

كانت — حفظاً.

كأنه حفظه في ذاكرته.

حكى تونغ ذلك للعجوز تساي، فتوقفت حبات مسبحتها مرة أخرى.

— هكذا إذن، قالت. لقد تبعك ثلاثة وعشرين عاماً.

— ثلاثة وعشرين عاماً؟ شعر تونغ ببرودة تسري في ظهره. أتقول إنه يتبعني منذ ثلاثة وعشرين عاماً؟

— رابطة القدر رابطة قدر. جاء ليرد لك الجميل، لكن طلقتك تلك أفسدت عليه رد الجميل.

لم يجد تونغ ما يقوله.

قالت:

— حين طلب الاعتراف قال لك: «ساعدني وأنا أساعدك». كان صادقاً. ثلاثة وعشرون عاماً وهو يحرسك في الخفاء. لم تصبك كارثة كبرى، ولا مرض شديد. أتظن أن ذلك حظك وحده؟ كل تلك السنين في الجبل، كيف لم يجرحك وحش؟ وفي المرة التي سقطت فيها من المنحدر، كيف اصطدمت بشجرة لا بصخرة؟

قبض تونغ يده، وفجأة بدأ الندب في ساقه اليمنى يحكّه.

— وماذا يريد الآن؟

— لا يزال يريد تلك الكلمة. ابن العرس الذي يطلب الاعتراف لا يُقتل. يمكنك أن تطلق رصاصتك إلى السماء ولن تصيب جسده. هو لا يريد لحماً ولا دماً؛ يريد منك كلمة. إن قلتها مضى، لكن حظك...

توقفت العجوز.

— هذا لا أدريه. من جاء حاملاً رابطة قدر ليس كسائر طالبي الاعتراف. هل يستعير حظك أم لا، فهذا بيده هو.

— وإن ظللت لا أقولها؟

عادت تفتل المسبحة بين أصابعها.

— ينتظر. سنة، سنتين، عشر سنين، عشرين. ينتظر حتى يلين قلبك، حتى يبقى أحد من أهلك وحيداً، حتى يصل الأمر إلى نسل حفيدك. هو يستطيع أن ينتظر.

نهض تونغ ليغادر، فنادته العجوز فجأة:

— يا تونغ داجيانغ.

استدار.

رفعت سبابتها وأشارت إلى الأرض عند قدميه.

— انظر خلفك. في السنوات العشر القادمة، مع كل خطوة تخطوها، يخطو خطوة. لا يتركك شبراً.

نظر تونغ إلى الأرض. كانت أرض الغرفة طينية مكنوسة نظيفة، لكن حين أمعن رأى عند الباب خطاً باهتاً. لم يكن أثر قدم، بل أثراً كأن شيئاً مسح الأرض: من المدخل إلى المقعد الخشبي الذي جلس عليه، ثم إلى زاوية الحائط.

عاد تونغ إلى بيته وأغلق الباب، وأخرج من أعمق موضع في الخزانة كتباً قديمة تركها له أبوه.

كان اسم أبيه تونغ يوفو. عرف قليلاً من القراءة والكتابة، وكتب في شبابه قصائد التهنئة على الأبواب في البلدة، ثم عرجت ساقه فعاد إلى الفلاحة. وعند موته ترك كتابين: تقويماً سنوياً مخيطاً بالخيط، ونسخة بخط اليد من «الحِكم الموسعة»، وفي آخرهما أوراق صفراء مملوءة بالكتابة الدقيقة؛ ملاحظات نسخها يوفو نفسه من تقاليد الأقدمين.

رفع تونغ فتيل المصباح وقرب الأوراق من نوره.

كان مكتوباً في أولها:

«طلب سيد العرس الأصفر الاعتراف:

إذا لقيته فلا تطلق عليه النار، ولا تخاطبه بسوء.

إن قلت: يشبه الإنسان، تم له الاعتراف، ويستعير حظك عشر سنين.

وإن قلت: لا يشبهه، انهار تمرّنه، فيلزمك ثلاثة أجيال.

وإن كنت قد أطلقت النار، فالأمر عسير.

عليك أن تعرف أصله ورابطة قدره، فعندها فقط يمكن حلّه».

قرأ تونغ الورقة ثلاث مرات، ثم قلب الصفحة.

كان الخط أصغر وأكثر اعوجاجاً:

«سيد العرس الأصفر لا ينسى الإحسان ولا الثأر.

يحفظ إحساناً مئة سنة، وثأراً ثلاثة أجيال.

يقال إن صياداً أنقذ ابن عرس من فخ، فظل ابن العرس كل ليلة يحمل أرنباً ويضعه عند بابه، ثلاث سنوات بلا انقطاع.

ويقال إن صياداً آخر خرب عشه، فتتبع ابن العرس أثره عشرين عاماً، ولم يتركه حتى وصل الأمر إلى حفيده.

لذلك يقول الشيوخ:

لا تثر ابن العرس الأصفر؛ إن أثرته لن تتخلص منه.

ولا تنقذه؛ إن أنقذته اتبعك.

إن قبلت إحسانه، وجب أن تقرّ بحسابه».

أغلق تونغ الكتاب. بلّل عرق كفه طرف الورقة الصفراء.

وظلت الجملتان تدوران في رأسه:

«ساعدني وأنا أساعدك».

«ساعدني وأنا أساعدك».

ثلاثة وعشرون عاماً.

هو في الضوء، وذلك المخلوق في الخفاء.

ظل يراقبه، ويحرُسه، ويدفع عنه أكثر مصائبه، وهو لا يعلم.

أعاد تونغ الأوراق إلى الكتاب، ووضع الكتب في أعمق مكان في الخزانة. دار في الغرفة مرتين ثم جلس.

كان قلبه فوضى.

من جهة، قواعد الأجداد: لا تقل لطالب الاعتراف «تشبه الإنسان»، فإن قلتها انكسر حظك وصرت تدفع عنه الكوارث. ابنه بدأ أخيراً يعيش أياماً أفضل، وحفيده ولد لتوّه؛ لم يجرؤ تونغ على المخاطرة.

ومن الجهة الأخرى:

ثلاثة وعشرون عاماً.

في الجبل، وفي الثلج، وفي الأماكن التي لا يراها، كان شيء يحرسه دائماً، ويساعده دائماً.

وما يدين به الصياد ليس كلمة «تشبه».

بل كلمة «شكراً».

لم يعتد تونغ داجيانغ أن يدين لأحد. إن اقترض مالاً أعاده، وإن أخذ معروفاً رده. أما الآن فكان مديناً بكلمة.

كلمة.

دينٌ عمره عشر سنوات.

في تلك الليلة عاد صوت إلى الفناء. لم يفتح تونغ عينيه، ولم يخف. وهو ممدد على سرير الكانغ، سمع صوت وضع أرنب بري عند الباب؛ خفيفاً كمن يضع شيئاً قابلاً للكسر. ثم ابتعد وقع الخطوات.

انتظر طويلاً قبل أن ينهض ويفتح الباب.

كان هناك أرنب آخر، أصغر من أرنب الأمس لكنه سمين أيضاً؛ ميتاً توّاً ولا يزال فيه دفء.

قرفص تونغ والتقطه، وقال للفناء الأسود:

— اخرج. أعلم أنك هنا. اخرج وأرني نفسك.

لم يجبه أحد.

لكن في ثلج زاوية الفناء آثار حديثة، صغيرة وخفيفة كما في المرة السابقة.

وقف طويلاً، ثم حمل الأرنب إلى الداخل وجهزه وطبخ قدراً منه. ملأ وعاءين، وضع واحداً على الموقد وأكل الآخر.

وقال للبيت الفارغ:

— أنا تونغ داجيانغ، عشت عمراً ولا أخاف الدَّين. إن أردت قتلاً أو تمزيقاً، فتعال إليّ. لا تمس ابني.

في الصباح التالي كان الوعاء الذي تركه على الموقد فارغاً، نظيفاً تماماً، والعيدان موضوعة في نظام.

وبالقرب من حافته ورقة من شجر الأكاسيا.

لا أحد يعرف من أين جاءت.

خضراء زاهية.

في ذلك الشتاء الذي يجمّد كل شيء، خضراء على نحو لا يصدّق.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.