عشر سنوات.
ليست سريعة ولا بطيئة.
ومع ذلك، مرّت في غمضة.
بلغ تونغ داجيانغ الثالثة والسبعين. ابيضّ شعره كله، لا شيباً منثوراً، بل أبيض كالثلج، كأن صقيعاً لا يذوب غطاه. كثرت تجاعيد وجهه وعمقت حتى تكاد تحبس فيها حبة أرز. أبطأت مشيته، وصار يستند إلى عصا من خشب البلوط التقطها من الجبل: صلبة، غير مطلية، مصقولة من كثرة ما لامست يده. ازداد انحناء ظهره، وصار تقلبه في النوم يتطلب أن يلهث طويلاً.
علّقت بندقية الصيد على الحائط سنوات، وغطى الصدأ ماسورتها. لم يصعد الصياد إلى الجبل ثانية، ولم يلمس البندقية قط.
قال شيوخ القرية إن تونغ داجيانغ صار إنساناً آخر. كان فيما مضى كثير الكلام، يخرج غليونه لكل من يلقاه، وصوته عالٍ حتى تُسمع شتائمه من نصف الشارع. أما الآن فيحبس نفسه في البيت، ولا يخرج إلا قليلاً. أحياناً يجلس في الفناء تحت شجرة الدردار العتيقة، فوق مقعد خشبي، وفي يده غليون انطفأ تبغه منذ وقت طويل، وهو لا يدري. ينظر إلى حظيرة الدجاج شارداً حتى ينقضي بعد الظهر كله.
لكن في أمرٍ واحد غرابة.
ففي تلك السنوات العشر لم تكن حياة تونغ عسيرة.
بل صارت أفضل فأفضل.
على نحو أقلقه.
نجح ابنه تونغ شياولين في عاصمة المحافظة. بدأ عاملاً يركّب البلاط، ثم صار يتولى الأعمال بنفسه وجمع فريقاً صغيراً من خمسة أو ستة رجال. كسب مالاً كثيراً في العام واشترى شقة في البلدة: ليست كبيرة، غرفتان وصالة، لكنها من الآجر والإسمنت، ولا تُقارن ببيت الطين في القرية.
صار شياولين يعود مراراً كل سنة، في رأس السنة وتشينغمينغ ومنتصف الخريف، وأحياناً بلا عيد. يحمل صناديق من الخمر والسجائر واللحم والحلوى الملونة المشتراة من المدينة.
وكانت كنته تشون فانغ بارة به. تدخل البيت فلا تستريح؛ تنزع حذاءها وتبدأ العمل: تغسل الثياب والأطباق، وتمسح الطاولات، وتطبخ، وتبدل فراشه. فإذا قال لها إنه لا يحتاج، قالت:
— يا أبي، لا شأن لك. هذا ما ينبغي أن تفعله الكنة.
بدا ذلك لتونغ داجيانغ كحلم. في حياته لم يعرف حظاً كهذا. أيام كانت زوجته حية كانت المعيشة ضيقة، وبعد رحيلها ظن أنه سيبقى وحيداً حتى يأتي يوم يغلق فيه عينيه فوق سرير الكانغ وينتهي كل شيء.
لكن أيامه التالية صارت أيسر.
ومع ذلك، لم تكن الروح التي سُحبت منه قد ذهبت بلا ثمن. لم ير تونغ بعد ذلك حلماً واحداً. حين ينام لا يجد إلا السواد، من أوله إلى آخره؛ حتى وجه زوجته لم يعد يراه في المنام. لم يقل هذا لأحد، لكنه كلما فتح عينيه في الصباح أحس أنه فقد شيئاً، بل أشياء كثيرة.
وكانت هناك غرابة أخرى.
كانت له قطعة أرض عند شرق القرية، فدان وثلث تقريباً، يزرع فيها الذرة والملفوف والفجل والبطاطا والبصل الأخضر، قليلاً من كل شيء. البذور هي ذاتها، والتراب ذاته، لكن ما ينبت في أرض تونغ كان دائماً أفضل مما ينبت عند غيره: عرانيس الذرة أطول بشبر، والملفوف ضعف حجم غيره، والفجل أبيض ممتلئ كثخانة ذراع طفل.
تعجب أهل القرية وقالوا إن دخاناً أخضر يتصاعد من قبر أجداده، أي إن الحظ يفيض عليه. وقال تشاو لاوسان إن تحت أرضه ليرات ذهبية مدفونة، وقال سون تيتو إن الأمر كله جودة التراب. لكن أحداً لم يعرف لماذا كان ترابه وحده جيداً.
أما تونغ فعرف.
لم يكن قبر الأجداد.
ولا التراب.
بل ذلك الشيء الذي يعرفه في قلبه، وما زال يتبعه.
لم يكن يؤذيه.
كان يرد الجميل.
لكنه لم ينسَ غروب الشتاء قبل عشر سنوات: ابن العرس الأصفر القائم في الثلج، والجملتين، وصوت الطلقة، وآثار الأقدام الصغيرة الصاعدة إلى الجبل.
هل رآه خلال السنوات العشر؟
نعم.
أكثر من مرة.
أحياناً في ليلة مضيئة بالقمر، يخرج لقضاء حاجته فيرى ظلاً صغيراً قابعاً في زاوية الفناء، بفرو أصفر محروق وعينين خضراوين متوهجتين. فإذا نظر إليه اختفى.
وأحياناً في ليالي الثلج الغزير يستيقظ ويسمع شيئاً يمشي فوق السقف. ليس قطاً؛ فالقط لا يمشي بتلك الخفة. كان أخف من الريح، وأثقل منها بقليل.
كان يعرف أنه هو.
لم ينهض ولم يخف، بل يتظاهر أنه لم يسمع، يقلب جسده ويعود إلى النوم.
وأحياناً كان يترك حصة من الطعام فوق الموقد. وفي الصباح يجد الوعاء فارغاً نظيفاً، والعيدان مرتبة. لم يدرِ أكان هو من أكل أم من أزال الطعام، لكنه ظل يتركه.
عشر سنوات، وصار الأمر عادة.
في ربيع ذلك العام، حين تفتحت شجرة الخوخ في الفناء بأزهار وردية رقيقة، فُتح باب الفناء ودخل تونغ شياولين. وتبعته امرأة شابة قصيرة القامة، مستديرة الوجه، تضفر شعرها وترتدي معطفاً قطنيّاً أحمر.
كانت تشون فانغ، كنته.
وكانت تحمل بين ذراعيها طفلاً ملفوفاً بإحكام في قماط، لا يظهر منه إلا قليل من وجهه الصغير.
ما إن دخل تونغ شياولين حتى صاح:
— يا أبي! يا أبي! اخرج سريعاً! حفيدك عاد!
رفع تونغ داجيانغ ستارة الباب وخرج من الغرفة، يجر نعليه القطنيين وقد وطئ بكعبيه على ظهرهما. وقف أمام تشون فانغ وانحنى ينظر إلى القماط.
لم يكن الصغير قد أتم شهراً. وجهه مجعّد كجوزة لم تكتمل، وبشرته حمراء، وقبضتاه الصغيرتان مضمومتان عند جانبي وجهه، وفمه يتحرك وهو نائم.
ابتسم تونغ قليلاً، ارتفع طرفا فمه.
ثم تجمّدت ابتسامته.
كتجمد سطح ماء في شتاء مفاجئ.
فتح الطفل عينيه، كأنه أحس بنظرة تقع عليه.
فتحهما ببطء.
لم تكونا كبيرتين، لكنهما كانتا براقتين.
في تلك اللحظة تراجع تونغ خطوة رغم نفسه، فاصطدم كعبه بالعتبة وكاد يقع.
كان لونهما كهرمانياً.
لا أسود.
ولا رمادياً.
ولا ذلك الرمادي الداكن غير المستقر الذي تراه في عيون الرضع.
كهرمانيّتين صافيتين، كقطعتين من الكهرمان مثبتتين في محجريهما، وفي داخلهما كأن شمعتين أشعلتا ضوءاً دافئاً.
تحت شمس الربيع، كان اللون واضحاً لا مجال للشك فيه.
لم يلحظ شياولين تراجع أبيه، وقال بمرح:
— انظر يا أبي! عيناه واسعتان، تشبهان عينيك!
لم يقل تونغ شيئاً. اقترب ونظر بدقة.
لم يكن يرقاناً؛ فقد رأى أطفالاً مصابين به في القرية، وعيونهم عكرة صفراء كالصديد.
أما عينا هذا الطفل فكانتا صافيتين، كماء نبع جبلي، كصمغ الصنوبر، كـ —
تلك العينين الخضراوين المتوهجتين في الثلج في تلك الليلة.
لكن اللون الآن أفتح، كهرماني ودود لا يخيف.
غير أن أصله هو نفسه، أصلاً لن ينساه تونغ طوال حياته.
لم يقل كلمة. كبت البرد الذي هبط في قلبه، وأعاد ابتسامته، وأخذ الطفل بين ذراعيه.
كان خفيفاً ككتلة قطن.
وثقيلاً.
أثقل من بندقية الصيد فوق كتفه.
ارتجفت يداه وهو يحمله، ولم يدرِ أمن السنّ كان ذلك أم من شيء آخر. كان خلفه امرأة شابة، قصيرة القامة، مستديرة الوجه، تضفر شعرها، وترتدي معطفاً قطنيّاً أحمر. كانت تشون فانغ، زوجة الابن، تحمل في ذراعيها طفلاً ملفوفاً بإحكام، لا يظهر منه إلا طرف وجه صغير.
ما إن دخل تونغ شياو لين حتى صاح: «أبي! أبي! اخرج سريعاً! حفيدك عاد!»
رفع تونغ دا جيانغ ستارة الغرفة وخرج، يجرّ نعليه القطنيين وقد داس بكعبيه على حافتيهما. وقف أمام تشون فانغ، وانحنى ينظر إلى الرضيع. لم يكن قد أتمّ شهره الأول: وجهه مجعّد كجوزة لم تكتمل، جلده محمرّ، قبضتاه الصغيرتان عند خديه، وفمه يتحرك قليلاً وهو نائم.
ابتسم تونغ دا جيانغ، ثم تجمّدت ابتسامته فجأة، كأن سطح ماء شتوياً تجلّد في لحظة. فتح الطفل عينيه، وكأنه أحسّ بمن يراقبه. لم تكونا سوداويْن ولا رماديتين كعيني رضيع؛ بل كهرمانيتين صافيتين، كقطعتين من الكهرمان فيهما ضوء شمعة دافئ. وفي شمس الربيع بدا لونهما واضحاً لا يحتمل الشك.
لم يلحظ شياو لين تراجع أبيه خطوة حتى كاد يعثر بالعتبة، وقال بسرور: «انظر يا أبي، ما أوسع عينيه! أخذ ذلك منك!»
لم يجب الشيخ. اقترب ونظر ملياً. لم يكن ذلك يرقاناً؛ فقد رأى في القرية أطفالاً مصابين به، وكانت عيونهم عكرة صفراء. أما عينا هذا الطفل فكانتا صافيتين كنبع الجبل، كراتنج الصنوبر، وكالعينين الخضراوين المتوهجتين في الثلج في تلك الليلة—إلا أن لونهما الآن أفتح وألين. غير أن الأصل واحد، أصلاً لن ينساه طوال عمره.
لم يقل كلمة. ابتلع البرودة التي اجتاحت قلبه، وأعاد ابتسامة باهتة، ثم أخذ الطفل بين ذراعيه. كان خفيفاً ككتلة قطن، وثقيلاً في الوقت نفسه، أثقل من بندقيته على كتفه. ارتجفت يداه؛ ولم يعرف أكان ذلك من الشيخوخة أم من شيء آخر.
استقر الطفل بين أهله. كان شياو لين وتشون فانغ يقيمان في البلدة، ويعودان كل عطلة أسبوع، يتركانه عند جده ثم يذهبان إلى السوق أو لقضاء شأن في المحافظة. وأحياناً كانت تشون فانغ تأتي وحدها، تغسل للشيخ وتعدّ له طعاماً ثم تعود بالطفل.
سمّاه تونغ دا جيانغ «تونغ نيان تسو». رأى شياو لين الاسم قديماً؛ فأطفال المحافظة يسمّون هاوران، تسى شيوان، وتسى هاو، أما «نيان تسو» فيشبه لقب راهب عجوز. قال الأب: «أنت لا تفهم شيئاً. معناه أن نتذكر فضل الأسلاف وحمايتهم. لولاهم، فمن أين جاءت أيامك الطيبة؟» ولم يجرؤ شياو لين على مجادلته، فاستقر الاسم.
نما نيان تسو كأنه يُنفخ في الهواء. في ثلاثة أشهر انقلب على سريره، وفي ستة جلس على الكانغ يهز طبلاً صغيراً، وفي سنة مشى متكئاً إلى الحائط كالثمل، وقبل أن يتم عامين صار يركض حافي القدمين في الفناء وراء الدجاج، فتطير الدجاجات مذعورة وتصيح.
غير أن تونغ دا جيانغ بدأ يلاحظ اختلافه عن سائر الأطفال. لم يكن الأمر في طعامه ولا نومه ولا ذكائه، بل في سكونه. كان الأطفال يصرخون ويبكون، وإذا سقطوا أو لم يُعطوا ما يريدون تمرغوا في التراب. أما نيان تسو فكان يستطيع أن يقرفص وحده قرب باب قنّ الدجاج طوال ظهيرة كاملة دون حركة.
كان الجد يجلس على العتبة وبيده غليونه، يراقب حفيده. يضع الصغير خديه على كفيه وينظر إلى الدجاج، والدجاج ينظر إليه. سبع أو ثماني دجاجات كانت تهرب من الغريب والقط، لكنها لم تهرب منه ولم تختبئ؛ أحاطت به في صمت، قابعة أو واقفة، كأطفال يصغون إلى حكاية. نسي الشيخ أن يدخن، فانطفأ التبغ وسقط رماده على سرواله من غير أن يشعر. وتذكّر قول العجوز تساي: «سيجد فرصة، حين يبلغ الأمر حفيدك، ليجعلك تنطق.» شعر كأن مخلباً قبض على قلبه؛ لم يؤلمه، لكنه أضناه.
عند الثالثة كان نيان تسو يتكلم جملاً كاملة، بوضوح ودقة تفوقان سنه. ذات يوم كان الجد ينشر الذرة العتيقة في الفناء لتجف وتُطحن شتاءً، فسأل الطفل فجأة: «يا جدي، هل كل ما في الغابة يتكلم؟» سقطت حبة ذرة من يد الشيخ. انحنى يلتقطها وتظاهر باللامبالاة: «ماذا تقصد؟»
قال الطفل: «أقصد… ما يقوله. أنتم—لا، نحن—ألا نسمعه؟»
توقف الشيخ عن التقاط الذرة ونظر في عينيه الكهرمانيتين. «لا نسمعه. أأنت تسمعه؟»
هز نيان تسو رأسه بجدية. «نعم.»
«وماذا يقول؟»
أمال الصغير رأسه كأنه يسترجع: «يقول إن البرد قادم، وإن الثلج سينزل، وإن علينا إشعال النار غداً، وإن ساق جدي ستؤلمه.»
برد ظهر تونغ دا جيانغ. فآلام ساقه المزمنة كانت تشتدّ عند تبدل الجو، ولم يخبر الطفل بها، بل لم يخبر شياو لين نفسه. سأل: «من قال لك ذلك؟» أجاب الطفل وهو ينهض وينفض التراب عن مؤخرته: «لا أدري، سمعت ذلك وحسب.» ثم ركض يطارد الدجاج، فلم تهرب الدجاجات منه.
وفي الخامسة كان يحفظ «مئة اسم عائلي» من أوله إلى آخره بلا تعثر، ويحسب في ذهنه جمع الأعداد ذات الرقمين وطرحها بلا أصابع ولا مِعداد. قال أهل القرية إن حفيد آل تونغ طفل معجزة، وفرح شياو لين وقال إن مستقبله عظيم. أما تونغ دا جيانغ فابتسم ولم يقل شيئاً؛ كان يعرف أنه ليس طفلاً معجزة، بل شيء عاش زمناً لا يدري مداه، ينظر إلى العالم عبر جسد حفيده.
وكانت هناك حادثة أخرى حين بلغ الرابعة. في ليلة الخامس عشر من الشهر السابع، عيد الأرواح، كانت كل دار تحرق الورق عند مفترق الطريق. وضع الجد موقداً أمام باب الفناء وأحرق أوراقاً صفراء، وجلس نيان تسو إلى جانبه يتابعها وهي تصير رماداً تحمله الريح في دوامات إلى السماء. وفجأة أشار إلى الرماد وقال: «يا جدي، هناك أناس كثيرون يقفون هناك.»
نظر الجد إلى حيث أشار؛ لم ير إلا الرماد المتطاير. «أي أناس؟»
قال الطفل: «لا أعرفهم. إنهم ينظرون إلينا ونحن نحرق الورق. واحد منهم قال: شكراً. إنه يعرفك.»
كادت الأوراق تسقط من يد الشيخ في الموقد. «من الذي يعرفني؟»
أمال نيان تسو رأسه كأنه يصغي. «لم يعد يقول شيئاً. رحل. قال تونغ العجوز: لا حاجة إلى وداعه، فثمة من ينتظره في الجهة الأخرى.»
لم يسأل الجد أكثر. ألقى ما بقي من الورق في النار، وسحب حفيده إلى الداخل وأغلق المزلاج. وفي تلك الليلة ترك وعاء أرز ممتلئاً على موقد المطبخ، أكثر من عادته.
وفي العام نفسه أخذت تشون فانغ نيان تسو إلى سوق البلدة. كان الزحام شديداً بين بائعي الخضر والقماش وحلوى السكر. وبينما تختار قماشاً مزهّراً، التفتت فلم تجده. بحثت وهي تنادي حتى بح صوتها، قرابة نصف ساعة، ثم وجدته عند طرف السوق الشرقي تحت صفصافة كبيرة. كان قرفصاء، وأمامه رجل في منتصف العمر حسن الهندام، لا يقف بل يركع، ويكرر: «أخطأت، لن أجرؤ ثانية. ارفع عني يدك.»
هرعت تشون فانغ وحملت ابنها وسألت الرجل. نهض شاحب الوجه مرتجف الشفتين وقال: «لا أعرف. مررت من هنا، فنظر إليّ هذا الطفل، فرأيت أبي. مات أبي منذ ثلاث سنوات، وكان واقفاً خلفه ينظر إليّ.» عادت تشون فانغ بالطفل من غير أن تلتفت. وحين قصّت الأمر على تونغ دا جيانغ ظل غليونه في فمه طويلاً بلا نار، ثم قال: «لا تأخذي الطفل إلى الأماكن المزدحمة كثيراً بعد اليوم.»
وكان الشيخ يراه أحياناً في الفناء يحدث الهواء، لا حديث المرء لنفسه، بل سؤال وجواب وابتسامة وإيماءة، كأنه يجالس أحداً. لم يكن أمامه إلا الدجاجات، هادئة تحيط به دائرة.
وذات مساء بعد غروب الشمس، حين بقي في الأفق خيط برتقالي أخير، ركض نيان تسو إلى جده. كانت عيناه الكهرمانيتان في الغسق تلمعان على نحو أخافه. قال: «يا جدي، هل رأيت ابن عرس أصفر يستطيع الوقوف على قائمتيه؟»
انقبضت يد تونغ دا جيانغ فجأة حول الغليون حتى آلمته راحته وكاد يكسره. قال بصوت خشن كاحتكاك ورق الصنفرة بالخشبة: «من أين سمعت بهذا؟»
قال الطفل: «لا أدري. كأنني رأيته… أين؟ لا أتذكر. لعل ذلك في حلم.»
«في حلم؟»
«نعم. يا جدي، أالأحلام حقيقة؟»
نظر الشيخ إلى عيني حفيده، وفيهما انعكاس نار الموقد البرتقالي يومض كأن شيئاً يسبح في العمق. أعرض بوجهه وقال: «لا أدري. أجعت؟ سيعدّ الجد الطعام.» نهض إلى الموقد ويداه ترتجفان، فلما رفع الغطاء وجده فارغاً؛ كان قد نسي أن يضع الماء أو يبدأ الطهي.
وفي غياب شياو لين، انتهز الشيخ فرصة وقال لتشون فانغ: «راقبي نيان تسو جيداً.» سألته: «ما به يا أبي؟» فقال بعد تردد: «لا شيء. لكنه ليس كالأطفال الآخرين. حين يقول شيئاً، لا تكذبيه، ولا تصدقيه كله. اعتبريه كأنك لم تسمعيه، ولا تخبري أحداً.» نظرت إليه حائرة، لكنها أومأت احتراماً لكلام الكبير.
وظلت بندقية الصيد معلقة على الحائط، وقد غطاها الصدأ في عشر سنين. كان تونغ دا جيانغ يستيقظ أحياناً في منتصف الليل وينظر إليها ساعة كاملة؛ وكان الصدأ الأحمر الداكن في ضوء القمر كدم يابس اسودّ.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.